مزاعم حول حماس و7 أكتوبر وخطة ترامب
تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT
ليست لدينا وسيلة للتعرف على اتجاهات الرأي العام الفلسطيني وتوجهاته سوى استطلاعات الرأي العام التي تجريها "بيوت خبرة" دأبت على سبر أغوار الجمهور الفلسطيني، وقدمت على نحو موضوعي صورة شاملة عما يدور في خلده. ولا سيما أن آخر انتخابات عامة في فلسطين جرت قبل عقدين من الزمان، و"الاستفتاء" ليس أداة معتمدة في معظم، إن لم نقل جميع، الدول العربية.
ويزداد تعلقنا باستطلاعات الرأي وانتظارنا الجديد منها، في ظل ما تزدحم به الشاشات من مزاعم ترد على ألسنة سياسيين ومعلّقين، تدعي أن وجهات نظر أصحابها إنما تعبر عن آراء الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، ويريدون لنا أن نصدق هذه المزاعم، ساخرين ومشككين بالاستطلاعات والقائمين عليها، خصوصا حين تتعاكس أرقامها ونسبها المئوية مع مصالحهم وقراءاتهم الخاصة.
في الاستطلاع الأخير للدكتور خليل الشقاقي، الذي أجري في غزة والضفة الغربية، أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، يمكننا التعرف على إجابات الرأي العام الفلسطيني على أهم الأسئلة والمعضلات التي تواجه فلسطين وغزة والمقاومة، مدركين أن هذه النتائج تحتمل هامشا من الخطأ والصواب، وأن الرأي العام متغير بطبيعته، ولكنه لا يتغير بصورة انقلابية، إلا إذا وقع "انقلاب" في مسار الأحداث والتطورات، كما حصل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكما يحصل الآن، بعد أزيد من عامين على حرب التطهير والإبادة، فما الذي تنبِئنا به نتائج الاستطلاع، وما الذي أراد الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع أن يقوله؟
أولا: حول مبادرة ترامب ورد حماس عليهاحين يؤكد ثلاثة أرباع الفلسطينيين تقريبا أنهم على علم بمبادرة ترامب، فمعنى ذلك، وبالقياس مع استطلاعات أخرى، في دول أخرى، وحول مواضيع مختلفة، أننا أمام شعب على قدر عالٍ من المتابعة والشغف بملاحقة التطورات السياسية.
وحين ينقسم الفلسطينيون مناصفة (تقريبا) بين مؤيد للمبادرة في أحسن قراءة لها (العربية- الإسلامية) ومعارض لها، فمعنى ذلك أن المبادرة ليست حسنة، وأن قبول المقاومة بها كان اختيارا للسيئ درءا للأسوأ، وهذا ما قلناه في وصف موقف قيادة حماس من الخطة الأميركية في حينه.
إعلانوأن يعرب ثلثا الشعب الفلسطيني (62٪) عن تأييده رد حماس على المبادرة، بمن في ذلك 56٪ من أهل القطاع المنكوب، وأن يكون معدل الرضا عن صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين أعلى من ذلك بشكل ملموس، فمعنى ذلك أن المقاومة وشعبها على نفس الموجة، ويقرآن من الصفحة ذاتها.
الفلسطينيون، بخلاف قيادتهم التي تروج في مجالسها الخاصة لدولة في غضون عام أو عامين، لا يرون أن خطة ترامب ستفضي إلى قيام دولة فلسطينية (70٪ منهم)، هؤلاء اختبروا حقيقة الكيان العنصري الإلغائي، ولم تعد تنطلي عليهم أوهام يجري تسويقها للتخدير أو التضليل. بل إن نسبة عالية من الفلسطينيين (62٪) لا تعتقد أن المبادرة ستنهي الحرب نهائيا، وأن حكومة نتنياهو ستعاود عدوانها، الذي لم يتوقف على أية حال.
صحيح أن ثمة "فجوة" بين أرقام الاستطلاع في غزة عن مثيلاتها في الضفة، وهذا أمر مفهوم، فالنار التي اكتوى بها أهل القطاع لم يكتوِ بمثلها أحد، لكن مع ذلك، تسجل غزة، بأغلبية واضحة، تماهيها مع الموقف الوطني الفلسطيني، ولم يَفتّ عاما التجويع والترويع في عضدها وإرادتها وصلابة موقفها.
ثانيا: عن السابع من أكتوبر/تشرين الأول ومسألة السلاحبعد عامين من حرب التطهير والإبادة، ما زالت غالبية الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع (53٪) تعتقد أن قرار السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان صوابا، بزيادة ثلاث نقاط عن استطلاع مماثل في مايو/أيار.
مرد هذه الزيادة، ارتفاع نسبة من يعتقدون بصوابية القرار في غزة إلى (44٪)، صعودا من (37٪) في استطلاع مايو/أيار، وفي ظني أن دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وبدء دخول المساعدات الإنسانية والإغاثة، والشروع في إتمام صفقة تبادل الأسرى، كانت سببا في هذا التطور الذي طرأ على مواقف سكان القطاع، وربما يدحض ذلك بعض "النبوءات السوداء" لبعض القوى والشخصيات، التي ما فتئت تنذر بانقلاب القطاع على المقاومة ما إن تضع الحرب أوزارها.
دليل آخر يعزز ما ذهبنا إليه من "تقدير"، ويتعلق بموقف الفلسطينيين من مسألة "سلاح المقاومة"، أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني (69٪) ضد نزع السلاح، من بينهم أكثرية سكان القطاع (55٪)، حتى وإن كان ثمن ذلك العودة للحرب مجددا. تلكم معطيات وأرقام لا يرغب خصوم المقاومة ومجادلوها في سماعها ولا البناء عليها.
ثالثا: الموقف من حماسدرجة الرضا عن أداء حركة حماس بلغت (60٪)، وهي ضعف ما تحصلت عليه كل من حركة فتح (30٪) والسلطة (29٪)، وثلاثة أضعاف ما تحصل عليه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (21٪).
النتائج التي جاءت بها غزة ليست تفصيلا في هذا السياق، ولا سيما أن سردية السلطة وخصوم المقاومة تنطلق من فرضية أن غزة استكملت، أو هي بصدد استكمال، استدارتها ضد حركة حماس، ولقد جرى "النفخ" في أحداث وشخصيات ومليشيات، بوصفها عناوين بديلة لحماس ما إن تصمت المدافع.
بعد عامين من حرب التطهير والإبادة، وبكلفة 70 ألف شهيد و10 آلاف مفقود و170 ألف جريح، دع عنك التدمير الذي أصاب (85٪) من البنية المدنية في القطاع، ما زالت حماس تستحوذ على النسبة العليا، وبفوارق كبيرة، في مقياس درجة رضا الغزيين عن الأداء (51٪)، مقابل (39٪) لحركة فتح، و(38٪) للسلطة، و(29٪) للرئيس عباس.
إعلانومع ذلك، لا يجد بعض المتحدثين و"المحللين" غضاضة في لي عنق الحقائق، ومواصلة إطلاق المزاعم بقرب تحول غزة من بيئة حاضنة للمقاومة، إلى بيئة طاردة لها.
يصل الاستطلاع موضع البحث إلى "استنتاج لا مفر منه" على حد تعبير التقرير، مفاده أن حرب العامين الفائتين مكّنت حماس من الحصول على دعم أكبر، وليس العكس، وأن هذا الاستنتاج صحيح في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكنه أكثر وضوحا في الضفة، ذلك أن (18٪) من المستطلعة آراؤهم قالوا إن دعمهم لحماس كان كبيرا قبل الحرب ولم يتغير، و(19٪) قالوا إن تأييدهم لحماس زاد كثيرا عما كان قبل عامين.
وقال (17٪) إن تأييدهم للحركة ارتفع ولكن بشكل قليل، في المقابل، قالت نسبة (16٪) إنها لم تكن مؤيدة لحماس قبل الحرب، وإن معارضتها لحماس بقيت على حالها، وقالت نسبة (12٪) إن نسبة تأييدها لحماس انخفضت قليلا، وقال (10٪) إنها انخفضت كثيرا.
هذا الاستنتاج تجري ترجمته لدى الإجابة على سؤال عن الحزب أو الاتجاه السياسي الذي سيصوت له في أي انتخابات مقبلة، إذ جاءت حماس أولا، بدعم من (35٪) من الناخبين، تليها فتح بنسبة (24٪)، و"التيار الثالث" بنسبة (9٪)، فيما عبر (32٪) عن عدم معرفة أو عدم رغبة في التصويت لكل من سبق. اللافت أن كتلة من (41٪) من غزة تدعم انتخاب حماس، مقابل (29٪) تدعم اختيار فتح.
رابعا؛ حول السلطة والإصلاح والانتخاباتثلثا الفلسطينيين مع إجراء الانتخابات العامة، رئاسية وتشريعية، في أقرب وقت. نفس النسبة تقريبا لا تثق بأنها ستجري في الموعد الذي حددته السلطة، أي بعد عام من وقف الحرب في غزة، ونفس النسبة تقريبا لا تؤيد الشروط التي وضعها الرئيس عباس لمشاركة حماس وفصائل المقاومة في الانتخابات المقبلة.
والفلسطينيون لديهم حلولهم لمعالجة قضية مشاركة أهل القدس في الانتخابات، والتي كانت ذريعة لتعطيلها في عام 2021، منها التصويت "أونلاين"، وفي الأماكن المقدسة، ومن خلال نقل الناخبين إلى أقرب صناديق اقتراع. قرار الاحتلال منع إجراء الانتخابات في القدس يجب ألا يكون سببا في إلغائها، ولا يجوز بحال تمكينه من "حق الفيتو" تحت حجج وذرائع واهية.
في كل الاستطلاعات السابقة، يأتي مروان البرغوثي أولا في قوائم المتنافسين على الرئاسة، ويحل عباس أخيرا، فنسبة الرضا عن أداء الرئيس لا تتعدى (23٪)، والمطالبون باستقالته يناهزون (80٪)، وهذه الأرقام متكررة مع زيادة ونقصان بنسبة طفيفة للغاية.
غالبية أهل الضفة الغربية (85٪) لا يشعرون بالأمان الشخصي والعائلي، (92٪) منهم يعتقدون بأن ثمة فسادا في مؤسسات السلطة، وأن إقالة وزير النقل، ومسؤول المعابر، لا تعكس توجها جديا لدى السلطة لمحاربة الفساد.
أما الطريق للخروج من المأزق الراهن، فثمة من يدعو لإجراء انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية (37٪)، وثمة من يدعو لتشكيل حكومة وفاق وطني بمشاركة حماس وجميع الفصائل (31٪)، وهناك من يقترح خطوة أولى: مصالحة بين فتح وحماس (27٪)، وتلكم هي الخطوات التي استبطنتها مختلف المبادرات والنداءات التي صدرت عن فلسطينيين كثر، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وطيلة أشهر الحرب الممتدة، من دون أن تجد أذنا صاغية. الشعب يعرف طريقه، لكن ثمة من يمعن في إدارة الظهر والضرب بإرادته عرض الحائط.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات السابع من أکتوبر تشرین الأول الشعب الفلسطینی الرأی العام فی الضفة فی غزة
إقرأ أيضاً:
حزب الله باقٍ.. وهذا ما أعطاه ترمب للرئيس اللبناني
أجرى الرئيس اللبناني جوزيف عون أول زيارة إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس ترمب منذ 17 عاما، وهنا يجب أن نشير إلى أن ركيزة السياسة الأمريكية تسند للمصلحة، وهي ركيزة ينبغي للجميع إدراكها تماما، وأحسب أن أكثر من يعيها هم حلفاء أمريكا على امتداد هذه المنطقة، وقد نوه إليها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عندما قال:"المتغطي بالأمريكان عريان".
فكل ما تبتغيه أمريكا في هذه المنطقة هو مصالحها، تليها بالتبعية مصلحة إسرائيل، ومن يظن خلاف ذلك فهو مخطئ تماما. فالمسألة هنا لا تقف عند حدود الشعار، ولا تنطلق من أبعاد أيديولوجية أو قومية معينة، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالقراءات التاريخية لمجمل السياسات الأمريكية في المنطقة.
حقيقة الموقف الأمريكي من السيادة اللبنانية
القول إن لقاء الرئيسين اللبناني والأمريكي يثبت ثقة واشنطن بسيادة لبنان ومساعدتها له، يجافيه الواقع؛ فواشنطن لا تثق بأحد، بل تبتغي حلفاء كالموظفين لتنفيذ إملاءاتها. وما تضخيم تصريح ترمب بأن الرئيس اللبناني: "عرف كيف يخاطبني وسأعطيه ما يشاء" إلا ادعاء باطل؛ فلو صدق، لطالب بانسحاب إسرائيل، ولما اكتفى بكلمة "لنرى" ردا على اعتداءاتها على الجيش اللبناني، متجاهلا بيانات الإدانة الرسمية.
هذا يبرهن وضوح السياسة الأمريكية؛ فالمراهن على كسب ثقتها واهم، ولو أتاها زاحفا. وتاريخهم شاهد على ذلك؛ بدءا من تصريحات "أورتاغوس" الشاكرة لإسرائيل لقتلها اللبنانيين، مرورا باعتبار "توم براك" لبنان دولة فاشلة ينبغي ضمها لسوريا، وصولا لوصف "شولتس" لبيروت بـ"مدينة الطاعون" إبان الاجتياح. تلك حقائق تؤكد استمرارية النهج الأمريكي في لبنان منذ عقود.
عقبات السيادة والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة
هل يثبت هذا اللقاء ثقة واشنطن بقدرة الدولة اللبنانية؟ الواقع أن سيادة لبنان صودرت بالاحتلال الإسرائيلي ووصايات متعددة حظيت بغطاء أمريكي تاريخي، لتغدو الوصاية الأمريكية اليوم هي الحاكمة. فإن أرادت أمريكا حقا استعادة هذه السيادة، فليكن بوقف العدوان فعليا، لا بوقف مزيف لإطلاق النار؛ فمنذ 27 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، يواصل العدو الإسرائيلي خروقاته، مرتكبا جرائم واغتيالات طالت المدنيين والمقاومين، وسط صمت مطبق من واشنطن وباريس رغم صفتهما كضامنين.
إعلانواليوم، يتكرر المشهد ذاته مع "اتفاق الإطار" -الذي تحفظت عليه المقاومة وقوى لبنانية- إذ تواصل إسرائيل غاراتها جنوبا، مختلقة ذرائع واهية كقضية "تلة علي الطاهر" لتبرير انتهاكاتها المستمرة للاتفاق.
في الواقع، لم يثمر لقاء الرئيس اللبناني بترمب عن أي مكسب حقيقي، وما تصريحات الأخير سوى وعود جوفاء لا رصيد لها من الواقع.
لا ينكر حجم الخسارة التي تكبدها حزب الله إثر تغير النظام السوري، وما رافقه من اغتيالات فادحة لكبار قادته. لكن اعتبار ذلك نهاية لقدرته على المواجهة قراءة قاصرة؛ فرغم التضرر، لا تزال قدرات المقاومة فاعلة بقوة
السيادة تتجاوز مطار بيروت
هل يجسد استئناف الرحلات المباشرة اعترافا أمريكيا بكفاءة الأمن اللبناني؟ الحقيقة أن واشنطن هي المهيمنة الفعلية على المطار والمرافق الحدودية. وما يشاع عن سيطرة "حزب الله" تفنده الوقائع؛ فتفتيش حقائب الدبلوماسيين الإيرانيين (كـ"لاريجاني")، خلافا للأعراف الدولية، يدحض هذه المزاعم تماما.
إن تشديد الإجراءات الأمنية في مطار بيروت لتبلغ مستويات قياسية عالميا، لا يعكس حضورا للسيادة الوطنية، بل يبرهن على خضوع المطار والمرفأ لوصاية أمنية أمريكية باتت مكشوفة للعيان.
وعليه، فإن السيادة لا تختزل في إدارة المرافق، بل تتحقق فعليا عبر دحر الاحتلال المتمثل في انسحاب العدو الإسرائيلي ووقف عدوانه بالكامل. وكذلك استقلالية القرار المتجسدة في حرية الدولة في قراراتها بمساندة دولية مجردة من الإملاءات.
ومن ينشد السيادة، الأجدر به ألا يقترف هذا الخطأ البروتوكولي، كأن يسعى رئيس الدولة لزيارة وزير خارجية البلد المضيف في مقره، بدلا من أن يقصده الوزير، وهو تجاوز تجاهله الرئيس اللبناني تماما في زيارته الأخيرة.
دور المقاومة وعقيدة الجيش اللبناني
هل يسقط انتشار الجيش مبرر المقاومة؟ إن وجود المقاومة مرهون بالاحتلال والعدوان، وبزوالهما تنتفي الحاجة إليها؛ إذ نشأت كبديل لجيش حالت الانقسامات اللبنانية دون قيامه بواجب الحماية.
تاريخيا، روج اليمين لمقولة "قوة لبنان في ضعفه" لعزله عن محيطه العربي والقضية الفلسطينية. لكن الوقائع دحضتها؛ فإسرائيل لم تحيد لبنان يوما. ورغم نأيه الرسمي عن الحروب العربية، اجتيح لبنان عام 1978، وتعرض لاعتداءات ومجازر سافرة منذ عام 1948 (مرورا بأعوام 68 و69 و73)، أي قبل توقيع "اتفاق القاهرة" ووجود المقاومة الفلسطينية، مما يؤكد أن الجيش لم يتول الدفاع عن البلاد قط.
أما اليوم، فلا يراد للجيش أن يواجه العدو، بل يسعى للعبث بعقيدته القتالية وإخضاعه لوصاية أمريكية-إسرائيلية مبطنة عبر "اتفاق الإطار" و"المناطق التجريبية". ولأن الجيش اللبناني يرفض هذه التبعية، تتعرض قيادته وقائده لحملات استهداف ممنهجة.
موقف حزب الله وتطلعاته
وفي نقاش مع أحد قياديي حزب الله حول ما يسمى بـ"المناطق التجريبية"، استنكر الأمر متسائلا: "كيف تخضع قرية محررة لتجارب يمليها الإسرائيلي؟ وهل هذا هو الدور المراد للجيش؟". ورغم ذلك، يثق الحزب بالجيش اللبناني، ويرى أن رؤيته أوعى بكثير من السلطة السياسية؛ فالمقاومة والجيش نسيج وطني واحد، وتجمعهما رابطة الأخوة والدم.
إعلانيتبنى حزب الله حاليا إستراتيجية الترقب الحذر لمجريات الأحداث خطوة بخطوة، متجنبا الخوض في السجالات أو إطلاق المواقف الاستباقية. وهو يكتفي بثوابته المعلنة: الرفض القاطع للتفاوض المباشر مع العدو، واعتبار "اتفاق الإطار" انحيازا جليا لإسرائيل. ويوقن الحزب تماما أن العدو الإسرائيلي -كما عودنا تاريخيا- سينكث بأي اتفاق، حتى وإن كان يحقق مصالحه.
تريدوننا بلا سلاح؟
لا ينتفي مبرر وجود المقاومة بمجرد انتشار الجيش، بل هو مرهون بانسحاب إسرائيلي شامل، ووقف قاطع للعدوان مع ضمانات أكيدة بعدم تكراره؛ فلبنان لا يزال تحت تهديد إسرائيلي مستمر.
لذا، يعد تسليم السلاح استنادا لوعود باتفاق مرتقب مجازفة خطيرة؛ إذ يجب أن يخضع هذا الملف لتوافقات وطنية خالصة لا لإملاءات خارجية. وهذا الموقف راسخ لدى حزب الله، ولن يزحزحه اشتداد الضغوط أو الحصار.
لقد اقترف رئيس الجمهورية خطأ كبيرا بمصادرته إرادة اللبنانيين، وتعهده بإنهاء العداء مع إسرائيل نهائيا. فليس لأي مسؤول، مهما علا شأنه، صلاحية احتكار هذا القرار
حزب الله والسلم الأهلي
سلاح المقاومة كما يؤكد حزب الله، وسيلة لغاية وليس غاية مقدسة بذاتها؛ لذا لا يمانع الحزب إقرار "إستراتيجية دفاع وطني" توافقية، تخضع بالكامل لإمرة الدولة اللبنانية سياسيا وعسكريا.
أما اختزال استعادة السيادة بانتشار الجيش وحده، واعتبار السلاح منتقصا لها، فمقاربة تجافي الواقع اللبناني. ورغم الانفتاح على مناقشة ملف السلاح ضمن حوار داخلي بحت فإن نزعه كشرط إسرائيلي للانسحاب دونه استحالة قاطعة.
إن الزعم بضعف المقاومة وتسهيل الانقضاض عليها واهم؛ فهي ليست عدوا داخليا، بل محررة الأرض وصانعة الانتصار بدماء أبنائها. لذا، من المعيب التفكير بالاستعانة بالخارج أو بالجيش لضربها. فالمقاومة ليست مجرد فصيل يستأصل، بل هي شعب راسخ وفكرة عصية على الاقتلاع.
لقد اقترف رئيس الجمهورية خطأ كبيرا بمصادرته إرادة اللبنانيين، وتعهده بإنهاء العداء مع إسرائيل نهائيا. فليس لأي مسؤول، مهما علا شأنه، صلاحية احتكار هذا القرار؛ إذ إن الكلمة الفصل تعود لأصحاب الأرض والدم والتضحيات، ولا تصادر إرادتهم بجرة قلم سياسي.
كما تكتنف "اتفاق الإطار" شبهات دستورية وقانونية تجعله فاقدا للشرعية ومحط جدل مستمر، رغم توقيعه ديبلوماسيا ونفي إبرامه نهائيا. وعليه، فإن اندفاع الرئيس لإرساء سلام مع العدو مرفوض ولن يمر، ولن تسعفه أي أكثرية نيابية هشة في تشريع ملف سيادي بهذه الخطورة.
مستقبل المقاومة
لا ينكر حجم الخسارة التي تكبدها حزب الله إثر تغير النظام السوري، وما رافقه من اغتيالات فادحة لكبار قادته. لكن اعتبار ذلك نهاية لقدرته على المواجهة قراءة قاصرة؛ فرغم التضرر، لا تزال قدرات المقاومة فاعلة بقوة، مستندة إلى عقلها الإستراتيجي وتماسها الجغرافي المباشر مع الكيان الإسرائيلي في بلد صغير كلبنان.
وعليه، فإن الزعم بضعفها الوجودي يجافي المنطق والتاريخ، والمستقبل كفيل بإثبات تعاظم قوتها. وفي هذه الأثناء، تترقب المقاومة المشهد الإقليمي بيقين تام بأن ثبات إيران سيكسر المشروع الأمريكي ويجبر واشنطن على التفاوض، لتطرح طهران حينها "البند اللبناني": الانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline