المؤامرة المخابراتية وحق الرد
تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT
أعلنت الأجهزةُ الأمنية في صنعاء عن إحباط شبكة تجسُّس مرتبطة بغرفة عمليات استخباراتية مشتركة يقودُها الغربُ الأمريكي الصهيوني وتُدارُ من أراضٍ عربية، مع توريط جهات مخابراتية إقليمية ودولية في خيوط القضية.
هذا التطوُّرُ الأمني يحملُ دلالاتٍ سياسية واستراتيجية تتطلب وقفة تحليلية، وإيضاح الموقف اليمني شعبيًّا ورسميًّا أمام المحيط الإقليمي والدولي.
أولًا: فيما يتعلق بتأكيد الحق في الدفاع والأمن الوقائي، يُعتبَر ما أعلنته الأجهزة الأمنية نتيجة طبيعية لسياسة دفاعية راسخة: الحق السيادي في حماية الأمن الداخلي ومواجهة محاولات الاختراق الاستخباراتي التي تهدفُ إلى زعزعة الاستقرار وتجهيز الميدان لاعتداءات مستقبلية.
إن الإعلان عن ضبطِ خلايا وتجهيز مِلفات اعترافات، لا يهدفُ إلى الدعاية بقدرِ ما يهدفُ إلى توثيق الأدلة ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء استخدام أراضي بعض الدول كمِنصات لاستهداف سيادة الشعوب.
ثانيًا: وفق قراءة سياسية للجهات المتورِّطة وأهدافها، الربط الذي عرضه بيان “الداخلية” بين الشبكة ومخابرات خارجية (بما في ذلك اتّهامات مباشرة لجهات ذات ارتباطات مع السعوديّة والولايات المتحدة وكَيان العدو الصهيوني)، ليس تَجَنِّيًا بل إعلان موقف يعتمد على براهين وأدلة تقنية، كما ورد في عرض الاعترافاتِ والتفاصيل الأمنية.
هذا الربطُ يبرّر توصيف السلوك العدواني لبعض الأطراف بأنه امتدادٌ لاستراتيجية إقليمية ودولية تهدف إلى احتواء أَو تطويق قوة ذات نزعة سيادية مشروعة، ومعارِضة لسياسات تلك الأطراف في المنطقة.
ثالثًا: في سياق الرسائل والردود السياسية المترِّتبة، ظهر موقف اليمنُ -ثوريًا ورسميًّا وشعبيًّا- بشكل واضح: لا قبولَ بالمساس بالأمن القومي، وسنتعامل وفقًا لمنهجيتنا القرآنية وشريعتنا الإسلامية، وبحقنا القانوني الدولي وحق الدفاع عن النفس، وضمن الأُطُرِ التي تحدّدها المصالح السيادية.
في الوقت نفسه، تُؤَكّـد التحذيراتُ المتعدِّدة الصادرة عن صنعاء أن استمرارَ التدخلات أَو استخدام أراضٍ خارجية كمنابرَ لعدوان استخباراتي أَو عسكري سيؤدي إلى ردود محسوبة تكفل حماية المدنيين والمرافق الحيوية، وتعيد التوازن العسكري والاستخباراتي لصالح الوطن، مع التأكيد على أن خيارَ التصعيد، ليس المبتغى الأول إذَا توفرت بدائلُ دبلوماسية حقيقية ووقف تام للعدوان.
رابعًا: بخلفية أوسعَ: يَظهَر أن هذه المؤامرات والخطط من هذا النوع ليست حكاية اختراق تقني مرحلي، بقدر ما هي جزء من صراع جيوسياسي يستهدف اليمن كمنهجية وكنفوذ وموارد وجغرافيا وخيارات سياسية، وما استغلال قنوات دعم استخبارية وعسكرية إلَّا لتقويض تلك المفاعيل بما يخدم المشروع الغربي الصهيوني المعادي للأُمَّـة العربية والإسلامية وحقها في السيادة والقرار والأرض.
هذا ما بات عليه الوعيُ الجمعي اليمني اليوم، الذي بقدر ما يساندُ قيادتَه الثوريةَ والسياسية والعسكرية، فإنه يدعمُ بقوة الأجهزة الأمنية والقضائية في عملها الرامي لِحماية الوطن، وهو ما يضع مسؤوليةً على المجتمع الدولي لوقف دوامة التصعيد بدلًا عن المكابرة.
لا مكانَ للممارسات التي تهدّد أمن الشعب اليمني اليوم أَو تسعى لتقويض قدراته وخياراته، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته في ضبط أدوات العنف الاستخباراتي والسياسي التي تستخدمها أمريكا وأتباعها في المنطقة، قبل أن تقوم اليمن بما يُمليه عليها واجبُها وحقُّها الديني والوطني والوجودي.
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
مكالمات الواتساب بين الحرية الفردية والقيود الأمنية والتجارية
في عام 2009م استطاع الأمريكيّ براين أكتون، والأوكرانيّ بان كوم أن يكتشفا برنامجا يسهل عمليّة التّواصل بين البشر، بعيدا عن تكاليف الرّسائل النّصيّة، وبرامج التّواصل المليئة بالإعلانات، وجعلا له اسم «What’s up» إشارة إلى التّرحيب والتّواصل، كما جعلاه ميسّرًا.
وتطوّر من الرّسائل النّصيّة إلى سهولة الاتّصال الصّوتيّ والمرئيّ، ليصبح هذا البرنامج من أكثر البرامج التّواصليّة استخداما على مستوى العالم، وأصبح عابرا للجغرافيا سهل التّعامل لا يكلّف شيئا، ولا يرتبط بالإعلانات المزاحمة والمزعجة أيضا، ولا يحتاج إلى مبالغ لتحميله أو توثيقه. يستخدمه الغنيّ والفقير، الكبير والصّغير على حدّ سواء، كما يحمل شيئا من الخصوصيّة؛ نتيجة التّشفير بين الطّرفين، وسهولة حذف المحادثات، أو توقيتها لتنحذف بذاتها.
هناك من الدّول من منعت هذا البرنامج كليّا، كالصّين وروسيا وكوبا وإيران قبل الحرب الأخيرة، وأنتجت برامج اجتماعيّة تواصليّة لها خصوصيّتها القطريّة. وأسباب منعها تكمن في الجوانب الأمنيّة بشكل أكبر، وساعدها في توفير برامج بديلة الثّقلُ السّكانيّ. كما أنّ بعضها ليست منفتحة بشكل كبير على السّياحة الخارجيّة، ومع هذا نجد في هذه الدّول من يتجاوز هذا المنع عن طريق استخدام كاسر الحجب VPN؛ حيث إنّ الواتساب أصبح عالميّا، ويكاد المتفرّد اليوم في برامج التّواصل الاجتماعيّ من حيث السّهولة مع وجود برامج أخرى كالفيس بوك وأكس والإنستغرام وتك توك والتّلجرام، وبرامج لها خصوصيّات في العلاقات الاجتماعيّة أو التّجاريّة، بيد أنّ الواتساب يحمل خطّا أفقيّا واسعا يجمع عوالم قطريّة مختلفة، وجعل الشّرق والغرب عالما واحدا متقاربا على بعضه.
لهذا اضطّرت بعض الدّول إلى السّماح باستخدامه، ورفع الحجب عنه، كما فعلت إيران بعد الحرب الأخيرة. كما أنّ بعض الدّول لم تستطع إنزال العقوبات المترتبة على استخدام كاسر الحجب VPN؛ حيث إنّ فئة كبيرة من المجتمع تستخدمه، ولا تلتفت إلى قوانين المنع والعقوبات المترتبة عليه.
كما أنّ هذه الدّول لا يمكن لها متابعة الجميع ومحاسبتهم على فتح الكاسر، ورأت أنّ الضّرر الأمنيّ أكبر، فسهلت على فتح هذا البرنامج وما يماثله من برامج، أو فتح بعضها بشكل جزئيّ.
هناك من الدّول من منعته جزئيَّا فيما يتمثّل بحظر المكالمات. ويغلب تعليل هذا لأسباب تجاريّة، كما في الإمارات وعُمان. وفي بعض الدّول يسمحون، ولكن مع بعض التّقييدات المبطئة للاتّصالات، وهذا يؤثّر على المدى البعيد على المجالات التّواصليّة والسّياحيّة. فالعالم ـ كما أسلفت ـ يستخدم هذا البرنامج في التّواصل الدّاخليّ والخارجيّ، وهو يمثّل حقّا من حقوقه الفرديّة؛ لكونه يدفع لشركات الاتّصال مبلغا من المال بشكل شهري، أو لأجل الاشتراك. فلا معنى لحصره في المكالمات أو ما يسمّى بالاتّصال الصّوتيّ عبر شبكة الهاتف، فهذا أقرب إلى الاحتكار واستغلال حاجة المستخدم.
فهناك دول فقيرة، أو مستوى دخلها أضعف بكثير من دول الخليج مثلا، لكن نجد خيارات الاتّصال في برامج التّواصل -ومنها الواتساب- ميسرة بشكل كبير، كما أنّ تكلفة الاشتراك منخفضة، وفيها خيارات متعدّدة، وهذا تجده مثلا في الهند وسيريلانكا وتايلند وغيرها.
وأمّا تأثيره على الجانب السّياحيّ فيعود إلى أنّ العديد من السّائحين يأتون من دول لا يوجد لديها الحجب الكلّيّ أو الجزئيّ للواتساب، فهم يتواصلون مع أهاليهم، أو مع مجموعات المسافرين معها، كما يقضون أعمالهم في بلادهم، ومنهم تجّار وروّاد أعمال يكثرون من الاتّصال؛ فهنا هم أمام خيارين: إمّا أنّ يكتفوا بشريحة هاتف بلدهم إذا كانت تعمل في الحدود الجغرافيّة التي فيها تقييد على اتصالات الواتساب، أو برامج التّواصل الاجتماعيّ عموما، وهذا يضعف من الاشتراك في شركات الاتّصال بالبلد المزار،وإما أن يضطّروا إلى استخدام كاسر الحجب، كما يعطي صورة سلبيّة عن البلد، ومقدار الحريّات الفرديّة المعقولة فيه.
أمّا تأثيره على الجانب الأمنيّ بدعوى التّشفير فهناك برامج عديدة أكثر خصوصيّة، ويصعب متابعتها لحذفها الرّسائل مباشرة، وتتيح التّواصل الفرديّ والجمعيّ بكلّ سهولة وسريّة مطلقة.
كما أنّه يصعب اليوم كسر الحواجب؛ لهذا كثر تحميل الكاسر في الهواتف.
على أنّ غالب الاستخدام للواتساب وغيرها من وسائل التّواصل الاجتماعيّ يكون لأسباب اجتماعيّة وتعارفيّة ومعرفيّة، ولقضاء حوائج تجاريّة أو ماليّة. وهي تسهل على النّاس التّواصل بينهم، وتفتح لهم خيارات أكثر من الاتّصال الصّوتيّ عبر شبكة الهاتف فقط.
وأنا شخصيّا مع الإبداع في إيجاد برامج تعارفيّة محليّة على المستوى القُطريّ، أو على مستويات قطريّة متقاربة تحمل خصوصيّات جغرافيّة معينة، لكن في الوقت ذاته لا يمكن أن نعزل أنفسنا عن العالم؛ فالعالم اليوم يعيش ـ نتيجة الشّبكة العالمية ووسائل التّواصل الاجتماعيّ ـ في قرية متقاربة رقميّا، وإن تباعدت جغرافيّا.
ويشكّل الواتساب اليوم أكثر وسيلة رقميّة جعلت البعيد قريبا منّا، وسهلت التّواصل مع الجميع. فبعدما كان الإنسان يتواصل مع أهل بلده وقريته أصبح يتواصل مع عوالم أوسع وهو جالس في بيته. مستخدم برنامج الواتساب عادة تجده يعيش مع أصدقاء من أقطار مختلفة من العالم حسب مواهبه وميولاته يسامرهم ويسامرونه في اللّحظة ذاتها؛ فلا معنى لحصر الواتساب في الرّسائل المكتوبة، فهو بحاجة أن يتواصل معهم هاتفيّا بكلّ سهولة. وقد يعيش من أبنائنا وإخواننا في الخارج طلبا للعلم، أو كان موظفا في غير بلده، أو سائحًا في أقطار العالم، وهذا أيضا بحاجة أن يراسل عائلته وأصدقاءه في بلده عن طريق هذا البرنامج صوتًا وصورة، وهذه من الحقوق الفرديّة في الفضاء المفتوح للنّاس جميعا.