بعد تجارب الانقلابات الحل في المزيد من الديمقراطية

تاج السر عثمان

تمر الذكرى الـ67 لانقلاب 17 نوفمبر والبلاد تعيش الحرب اللعينة التي كانت استمرارا ونتاجا لانقلاب 25 أكتوبر 2021، بعد انقلاب 17 نوفمبر لم تستقر التجربة الديمقراطية وتوالت الانقلابات العسكرية كما في انقلاب 25 مايو 1969 وانقلاب 30 يونيو 1989 وانقلاب اللجنة الأمنية في 11 أبريل 2019 وحتى انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي دخل طرفاه في حرب ضروس دمرت البنية التحتية وشردت الملايين مع مقتل وفقدان الآلاف من المواطنين، مما يتطلب وقف الحرب واستعادة مسار الثورة وعدم الإفلات من العقاب، واستقرار الديمقراطية والحكم المدني الديمقراطي، وحل مشاكل الديمقراطية بالمزيد من الديمقراطية.

بهذه المناسبة نعيد نشر هذا المقال بعنوان “الحل في المزيد من الديمقراطية” الذي نشر في الحوار المتمدن بتاريخ: 29 يوليو 2019 وثورة ديسمبر في عنفوانها.

1

مع النهوض الجماهيري الراهن، والصراع الدائر من أجل إنهاء الحلقة الشريرة “ديمقراطية – انقلاب- ديمقراطية.. إلخ”، يصبح من المستحيل نجاح واستمرار انقلاب عسكري، بما فيها انقلاب اللجنة الأمنية الراهن الذي قطع الطريق أمام وصول الثورة لأهدافها، في الوقت التي ترفع فيه الجماهير شعار الدولة المدنية الديمقراطية، وتواصل صراعها ضد المجلس العسكري الانقلابي الذي أبقى على هيمنة النظام البائد علي كل مفاصل الدولة، وفتح الطريق أمام الصراع علي السلطة بين أجنحة الاسلامويين، كما أبقي علي أجهزة القمع من مليشيات وجهاز الأمن بدلا من حله وتحويله لجمع المعلومات وتحليلها ورفعها، وواصل في سياسة القمع التي توجها بمجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو، واستمرت الرأسمالية الطفيلية تتحكم في السوق والاقتصاد، وتهرّب السلع والذهب، مع استمرار أزمات السيولة والجازولين والدقيق، وانقطاع خدمات المياه والكهرباء، وتدهور الصحة، وارتفاع الرسوم الدراسية للتعليم.

يستمر هذا في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة الصرف علي الأمن والدفاع، بسبب مراوغة المجلس في تسليم السلطة للمدنيين، واستمرار ارسال القوات السودانية لليمن، والاستمرار في صراع المحاور، بارتباط النظام بمحور “السعودية – الإمارات – مصر”، وفي صراع ضد محور قطر- تركيا.. إلخ.

يتحمل المجلس العسكري مسؤولية تفاقم الأزمة بعد ثورة ديسمبر التي ما زالت مستمرة حتى تحقيق أهدافها، ويتحمل مسؤولية الانقلابات العسكرية التي أعلن عنها والتي تولدت عن انقلاب اللجنة الأمنية، في الصراعات حول السلطة، والمحاولة اليائسة لإرجاع عقارب الساعة للوراء، مما يقود للمزيد من تحطيم الجيش السوداني.

2

لقد شهدت البلاد بعد عامين من الاستقلال انقلاب 17 نوفمبر 1958 الذي تبعته اربعة انقلابات متوالية فاشلة عام 1959، ادت لتدمير البلاد والتفريط في السيادة الوطنية، وتدميرالجيش، وتعطيل الحركة الجماهيرية، وكان الحل في النضال الجماهيري حتي الاضراب السياسي العام والعصيان المدني الذي انهى الديكتاتورية العسكرية في ثورة أكتوبر 1964.

بعد انقلاب 25 مايو 1969 حدثت عدة انقلابات عسكرية وحركات مسلحة “أحداث الجزيرة أبا 1970، 19 يوليو 1971، 5 سبتمبر 1975، 2 يوليو 1976.. الخ”، رغم أنها هزت النظام، الا أنها فشلت في تغيير النظام، وواصلت الحركة الجماهيرية طريقها المجرب في النضال الجماهيري، حتى الاضراب العام والعصيان المدني في انتفاضة مارس – أبريل 1985.

وبعد انقلاب يونيو 1989، حدثت عدة انقلابات عسكرية ومقاومة مسلحة فشلت في اسقاط النظام ” انقلاب 28 رمضان، الحركات المسلحة.. الخ”، ولكن واصلت ايضا الحركة الجماهيرية نضالها حتي قيام ثورة ديسمبر 2018 التي ازاحت البشير وابنعوف، وما زالت مستمرة حتي تحقيق أهدافها.

3

أكدت تجربة السودان بعد الاستقلال أنه لا بديل غير الديمقراطية، وأن مشاكل الديمقراطية لا تحل الا بالمزيد من الديمقراطية، بالتالي فان من الأهداف الأساسية لثورة ديسمبر ترسيخ الديمقراطية وحكم القانون، وكفالة حرية الأحزاب السياسية والصحافة والتعبير والنشر والنقابات، وقومية الخدمة المدنية والنظامية وحل المليشيات خارج القوات النظامية، وفصل السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ووقف الحرب والسلام والحل الشامل لقضايا المناطق الثلاث الذي يخاطب جذور الأزمة، وقيام المؤتمر الدستوري الذي يقرر شكل الحكم في البلاد، الذي ينتج عنه دستور ديمقراطي بمشاركة الجميع يكفل الحقوق والحريات الديمقراطية، ودولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو اللغة أو العرق أو الثقافة، أو الفكر السياسي أو الفلسفي. وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية. وإعادة تأهيل المشاريع الزراعية والصناعية مما يشجع الانتاج وتوفير العمل للعاطلين وتقوية الصادر والعملة المحلية. وضمان السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وقيام علاقاتنا مع كل دول العالم على أساس الاحترام والمنفعة المتبادلة.

من الجانب الآخر تواصل الجماهير نضالها ضد مصادرة الحريات من قمع وفصل وتشريد واطلاق الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع علي المتظاهرين السلميين، وضد حملات الاعتقال التعسفي بدون توجيه تهمة، وقيام لجنة التحقيق المستقلة الدولية في فض الاعتصام، بعد أن اتضح زيف وخطل نتائج اللجنة التي كونها المجلس العسكري، وحرية التعبير والنشر، والتمسك باعلان الحرية والتغيير كما عبرت مواكب الخميس 25 يوليو التي رفضت اختزال الإعلان في اتفاقات هشة تعيد إنتاج الأزمة، وتبعدنا عن مطالب الثورة، وكشف كل الحقائق للجماهير، ومواصلة المعركة حتي التصفية الكاملة للنظام البائد، لا اقتسام السلطة مع اللجنة الأمنية التي هي امتداد للنظام السابق، وأن لا تصبح البلاد مسرحا لصراعات المحاور الاقليمية والدولية مما يفقدها سيادتها الوطنية.

4

لتحقيق هذه الأهداف لا بد من تصعيد العمل الجماهيري بمختلف الأشكال، وقطع الطريق أمام صراع أجنحة النظام البائد بمحاوره الاقليمية “قطر – تركيا، السعودية – الامارات – مصر”، علما بأن الاسلامويين حكموا البلاد لمدة ثلاثين عاما، ولم تجن البلاد من حكمهم غير القمع والنهب والفساد، وفصل الجنوب، ولا بديل غير مواصلة المعركة حتي انتزاع الحكم المدني الديمقراطي.

الوسومابتعوف الإسلامويين الإمارات الاستقلال الانقلابات البشير الديمقراطية السعودية السودان انقلاب اللجنة الأمنية انقلاب عبود تاج السر عثمان بابو تركيا ثورة ديسمبر قطر مصر

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الإسلامويين الإمارات الاستقلال الانقلابات البشير الديمقراطية السعودية السودان انقلاب اللجنة الأمنية تركيا ثورة ديسمبر قطر مصر من الدیمقراطیة ثورة دیسمبر انقلاب 25 الحل فی

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • 500 شخصية دولية تدعم وثيقة «الاتحاد من أجل إيطاليا» لتعزيز الديمقراطية والحوار
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • كوكا يودع الاتفاق: كنت قادرا على تقديم المزيد وسأظل ممتنا لهذه التجربة
  • الكونغو الديمقراطية : 60 حالة وفاة مؤكدة بفيروس إيبولا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • ونيس: نحتاج مشروعاً سياسياً يرفض إعادة إنتاج تجارب الماضي
  • الترهوني: الإدارة الأمريكية تراهن على الفريق صدام حفتر لدفع الحلّ في ليبيا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • ضمن حملتها الموسمية «الصيف على طريقتك».. «كتارا للضيافة» تطلق خصما 40 % عبر فنادقها في قطر