قراءة استراتيجية للمشهد
تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT
إسماعيل بن شهاب البلوشي
هل حوصِر الفكر العربي والإسلامي داخل مُخطط استراتيجي واسع؟ منذ عقود طويلة، يطرح كثير من المفكرين سؤالًا ثقيلًا: هل يعيش الفكر العربي والإسلامي داخل دائرة مُغلقة صُنعت لنا بوعي أو بغير وعي؟ وهل شاركنا نحن أنفسنا، بكل فعالية، في إحكام هذا القيد حول عقولنا وذاكرتنا الجماعية؟
هذا السؤال ليس تنظيرًا؛ بل واقع نعيشه يوميًا.
لقد أصبحنا سجناء "غلاف فكري" ضيق، لا يتيح لنا رؤية ما هو خارج حدود مشكلاتنا. هذا الغلاف ليس مجرد مشكلة ثقافية؛ إنه مشكلة تنفيذية أيضًا. لأنه حين نُحاصر فكريًا، نتحرك على الأرض بطريقة محاصَرة أيضًا.
هل لدينا رؤية؟ هل لدينا هدف؟
أسأل نفسي كثيرًا، ولم أجد إجابة واضحة حتى اليوم: هل نملك فكرًا عامًا ورؤية شاملة لما نحن فيه؟ هل نملك هدفًا عربيًا أو إسلاميًا واحدًا نلتف حوله، حتى لو كان هدفًا بسيطًا مثل الخروج من مأزق التشتت الفكري العام؟
كل أمة في العالم- كبيرة كانت أم صغيرة- تملك تصورًا لموقعها في هذا العالم، ومصيرها، ودورها. أما نحن، فعلى الرغم من تاريخنا العريق وعمق حضارتنا، نجد أنفسنا في حالة انفصال معرفي وسلوكي عن العالم. نقول دائمًا إننا "مختلفون"، وإن كل ما هو إيجابي فهو لنا، وكل ما هو سلبي فهو "للآخر".
نُغلق الباب على أنفسنا، ثم نتساءل لماذا لا نرى إلا الظلام.
وأحد أسباب هذا الغلاف الفكري هو حصر العلم في زاوية واحدة؛ حيث إنَّ كثيرًا من أبناء الأمة يعتقدون أنَّ العلم هو فقط ما يرتبط بالفقه والمشايخ، رغم أهميته لاشك وأن كل معرفة غير ذلك ليست علمًا حقيقيًا. وهكذا يُغلق الباب أمام الفلسفة، والاقتصاد، والعلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية، والتكنولوجيا، والنقد، والتحليل، والإبداع، والبحث العلمي.
لقد تحول الاختلاف إلى "اتهام"، والتساؤل إلى "شك"، والنقد إلى "جرأة"، والبحث إلى "خروج عن المألوف".
فكيف نخرج من الغلاف الفكري إذا كانت أدوات الخروج نفسها نضعها في خانة الرفض؟
هل الخلل في الحكومات… أم فينا؟ من السهل أن نقول إن حكوماتنا مخطئة دائمًا. لكن حين ندخل أي مكتب حكومي سنجد: الموظف ابن عمّي، والمدير ابن خالي، والمسؤول صديقي أو قريب أحدنا.
فمن “الحكومة” إذن؟ أليست هي مجموع أفراد هذا المجتمع؟ ألسنا نحن حصاد الدولة كما هي حصادنا؟
حين نحاسب الدولة، نحن في الحقيقة نحاسب أنفسنا. وحين ننتقد منظومة كاملة، نحن ننسى أن كل فرد فيها هو جزء من تكويننا الاجتماعي.
أخطر ما نواجهه اليوم ليس السياسة، ولا الاقتصاد، ولا الإعلام؛ بل غياب التوجيه الفكري المجتمعي. الكثير منا يردد: “نريد… ونريد… ونريد”، لكنه لا يقدم شيئًا عمليًا للأمة. لا يطور نفسه، لا يحسّن وعيه، لا يغيّر عاداته، ولا يسعى إلى بناء معرفة جديدة.
إن الأمم لا تتغير بالقرارات؛ بل بالأفراد. وكل مجتمع هو في النهاية مجموع قطرات صغيرة: كل فرد، كل عقل، كل سلوك، كل فكرة.
نحن بحاجة إلى عملية "تحرير فكري" واسعة، ليست عشوائية، ولا انفعالية، بل استراتيجية يقودها علماء فكر حقيقيون، يمتلكون رؤية، وعمقًا، وخبرة، وجرأة.
خطة تنطلق من نقاط واضحة:
1- إعادة تعريف العلم ليشمل كل مجالات المعرفة.
2- فتح النوافذ على العالم لفهمه لا لمُعاداته.
3- إحياء مشروع ثقافي عربي- إسلامي مُعاصر لا يسجن نفسه في الماضي، ولا يقطع صلته به.
4- تعزيز ثقافة النقد الذاتي بجرأة، دون خوف.
5- بناء وعي مجتمعي يجعل من كل فرد “جزءًا من الحل” لا من المشكلة.
6- تحرير الإعلام من صورة “العربي المأساوي” إلى صورة “العربي القادر”.
وأخيرًا.. إن حصاد أي دولة هو حصاد أفرادها، ولا حكومة تستطيع بناء أمة إذا كان الفرد لا يُريد بناء نفسه. ولا مشروع فكريًا سينجح إذا بقي المجتمع ينتظر التغيير من الخارج، أو من الغير دون أن يحمل نفسه مسؤولية المشاركة.
الأمة التي نريدها لن تُبنى بكثرة المطالب، بل بكثرة العاملين الصامتين، الباحثين، والمجتهدين، والعقول الحرة. الأمة التي نُريدها تبدأ من هنا؛ من أن نخرج بإرادتنا من الغلاف الفكري، ونرى العالم كما هو، ونرى أنفسنا كما يجب أن نكون بالعمل المفرد وليس بالتمنيات.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
افتتاح ملتقى السرد العربي السابع ضمن فعاليات جرش
صراحة نيوز – افتتح أمين عام وزارة الثقافة الدكتور نضال الأحمد اليوم الخميس في قاعة الاحتفالات بدائرة المكتبة الوطنية بعمان “ملتقى السرد العربي” بدورته الـ7 (دورة الروائي هاشم غرايبة)، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لرابطة الكتاب الأردنيين في مهرجان جرش للثقافة والفنون بدورته الــ40 التي تأتي تحت شعار “إرث يمتد.. أجيال تلتقي”.
وفي حفل افتتاح “الملتقى” الذي حضره رئيس الوزراء الأسبق العين الدكتور عمر الرزاز والعين المؤرخة الدكتور هند أبو الشعر وضيوف الملتقى من أدباء ونقاد عرب وكتاب ومثقفون أردنيون، قال الأحمد في كلمته؛ إن هذا الملتقى الذي يحمل عنوان “ملتقى السرد العربي في دورته السابعة ويعاين تحولات الألفية الثالثة”ضمن البرنامج الثقافي لمهرجان جرش الذي يتواصل منذ أربعة عقود يؤكد مكانة الأردن في المشهد الثقافي العربي والثقة التي يحوزها من المبدع العربي، وهي ثقة تحمل الكاتب والمثقف الأردني والمؤسسات والهيئات الثقافية الأردنية مسؤولية كبيرة بوصفها بيوت للخبرة وفضاءات للحوار النقدي والفكري للارتقاء بآفاق السرد العربي.
ولفت في حفل افتتاح الملتقى الذي أدارته عضو الهيئة الإدارية للرابطة القاصة سامية العطعوط، الى أهمية توافر منهجية البحث لمن يتصدى لمسؤولية تطوير السرد، وتغذية السرد كعلم بالمراجع النقدية والأدوات والتقنيات الحديثة التي تواكب تحولات السرد وتطوره، مشيرا الى ان موضوع السرد الأدبي يتقاطع مع السرد الثقافي والتاريخي الذي يتصل بـ”السردية الأردنية .. حكاية الأرض والإنسان” في الآلية التي تتم فيها توثيق القصص وفي تداخل وظيفتي الكتابة الأدبية والتوثيق الثقافي والتاريخي لجهة التداخل المعرفي العميق.
وأكد، أن هذه الدورة تمثل محطة مهمة في مسيرة المهرجان فنيا وتنظيميا وإداريا وبرامجيا لأنها تشكل انطلاقة جديدة تعكس المكانة التي وصل إليها المهرجان، وتسعى لترسيخ الحضور الثقافي الأردني وتعزيز مكانة الأردن على خريطة المهرجانات الثقافية والفنية عربيا ودوليا، كما تمثل محطة مهمة في اهتمام الدولة بالسردية الأردنية التي تتجلى في كل صنوف الإبداع.
وقال رئيس الرابطة الدكتور رياض ياسين بكلمة ألقاها في الافتتاح إن انعقاد هذا الملتقى يأتي في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات الثقافية والمعرفية على نحو غير مسبوق، إذ أعادت الثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الى جانب التحولات السياسية والاقتصادية العالمية، تشكيل المشهد الثقافي، وأثرت في طرائق إنتاج النصوص السردية وتلقيها، وفي طبيعة العلاقة بين الكاتب والقاريء وبين الواقع والمتخيل .
ولفت الى انه في ظل ما اصطلح عليه بـ”السيولة” في عالمنا المعاصر، بات السرد العربي مطالبا بإعادة النظر في أدواته وأسئلته وتقنياته، ليستوعب هذه المتغيرات ويقرأ آثارها العميقة في الانسان والمجتمع، مبينا أن الملتقى ينعقد هذا العام ليتناول تحولات السرد العربي ليس بوصفها تحولات فنية وحسب وإنما باعتبارها انعكاسا لتحولات ثقافية واجتماعية وسياسية ومعرفية كبرى، غدت تؤثر في بنية الخطاب السردي وموضوعاته ولغته وآليات اشتغاله.
وقال في كلمة اللجنة التنفيذية للملتقى، الروائي جلال برجس “يلتئم شملنا اليوم لنشرع باب الدورة السابعة من ملتقى السرد العربي في فضاء المملكة الأردنية الهاشمية، هذا الفضاء الذي طالما كان موطنا للحكاية ومستقرا للثقافات وملتقى للأصوات التي تبحث عن معنى الإنسان في هذا العالم المتحول”.
ولفت الى أن السرد في الألفية الثالثة يواجه أسئلة جديدة؛ أسئلة التكنولوجيا وتحولات الهوية وتغير الانسان بالمكان والزمان، الا ان الانسان قادر على التجدد لأن جوهره الأول هو الانسان والذي لا ينتهي من طرح الاسئلة.
وفي كلمة الأدباء العرب المشاركين قال الناقد العراقي الدكتور ضياء الخضير “من عمان ومن جرش المهرجان والمدينة التي ما تزال حجارتها تحفظ صدى الخطى القديمة وتمنح الحاضر وحكايته معنى أن يكون امتداد لذاكرة لا تنطفيء، نلتقي في ملتقى السرد حيث لا يون هذا العالم السحري مجرد حكاية تروى بل فعل مقاومة للنسيان ومحاولة لفهم الانسان في علاقته بالمكان والزمن والآخر”.
وأكد، أن الثقافة ليست ترفا كونها احد الطرق الاخيرة المتبقية في الدفاع عن المعنى وحماية الذاكرة والهوية وتجديد لغة الخطاب وبناء جسور الحوار بين الشعوب.
المحتفى به الروائي هاشم الغرايبة الذي تغالب على وضعه الصحي القى كلمة قال فيها انه يمارس الكتابة لكي ينجو كون الكلمة موقف وهي تسري بين الناس، معربا عن سعادته بحضور هذه النخبة من الادباء والكتاب الاردنيين والعرب، وقدم شكره لوزارة الثقافة و”مهرجان جرش” ورابطة الكتاب.
واستعرض تجربته في الكتابة منذ بواكيرها حيث النشأة الاولى والتجارب التي عايشها ، كما إستعاد في كلمته ذكرياته مع صديقة الروائي الراحل مؤنس الرزاز .
من جهته دعا العين الرزاز في مداخلة له، الروائي الغرايبة أن يستمر بهذا النفس المصر على الاستمرار ومواجهة الحقيقة وأن يقول الواقع، مخاطبا الغرايبة بأن كل عربي يقرأ سيستمد طاقته من كل ما كتبت بالشأن العربي.
وعرضت في حفل افتتاح الملتقى، مادة فيلمية عن الروائي هاشم غرابية.
وفي ختام الحفل، سلم العين الرزاز وياسين درع الرابطة التكريمي للروائي الغرايبة.
وفي الجلسة الأولى التي تواصلت بعد الافتتاح قدم القاص سعود قبيلات شهادة وقراءة في تجربة الروائي هاشم غرايبة حملت عنوان “هاشم غرايبة .. رفيقي القديم وكتاباته”.
واستعاد قبيلات ذكرياته حينما تعرف شخصيا الى غرايبة لاول مرة عام 1979 وكان قد قرأ له بعض القصص، مستعرضا مسيرة علاقته معه.
وتحدث في الجلسة التي أدارتها القاصة العطعوط عن ابرز سمات كتابة هاشم غرايبة، ومنها بأنه بعيد عن الزخرفة والاستعراض البلاغي وأن شخصياته في ما يكتب مقنعة للقاريء ولا تتحدث بلغة المؤلف ولا تؤدي أدوار مقحمة وأن سرده هادئا وعميقا من غير فقر شعوري وواضحا من غير مباشرة وبسيطا من غير تسطيح.
ونوه بأن ما يميز كتابات غرايبة هو أن الانسان في مركز السرد لديه وأن الواقعية بوصفها إعادة إكتشاف للواقع.