محمد بدوي

عجبا كيف هان وكيف هنا
والأمس ذاك ..فكيف كنا
إذن هو الكفن .
ام ذا هو الوطن ؟
عجبا كيف تتلاحق في جوفه المحن 

من قصيدة ” وطن يباع ويشتري، وهلم جرا” الاستاذ عالم عباس محمد نور، شكرا للعم عالم الذى أخرجني من ارتباك الكتابة لزهاء الاسبوعين، ورغبة التدوين عن الفاشر تلاطمها أوجاع ما حدث، فهول ما جري تقاصر قاموسي عن احتوائه فكنت اهرب من الاسطر والوذ باجترار الوجع فأراوح منه وإليه، مع ذلك تقتضي الأمانة بأن الواقع الذي ظللنا نهرب منه هو إلى متي ستصمد ” الفاشر الفولاذ “في ظل الواقع العسكري والسياسي والإنساني المحيط بها منذ الموجة الثانية للحرب في مايو ٢٠٢٤، فألف رحمة ونور على دماء المدنيين الطاهرة وسؤالا للقدير باللطف ويسر الحال

(١)
الفاشر إحدى فاتنات المدائن في الغرب والشمال الإفريقي، صنو لداكار، الكفرة، أبشي، أسوان، رجحت المصادر نشأتها في العام ١٧٦٠م ، وضعتها الجغرافيا في نطاق سلسلة واحات، سيوة، الفاشر، طويلة، كتم، أبو سكين التي تمتد من الصحراء الشمالية نحو الجنوب، وهي واحات محاطة بالتلال الرملية السمر ظلت عاصمة لسلطنة الفور إلى في ٦ نوفمبر ١٩١٦ حيث تم ضمها للسودان الحالي عقب مقتل آخر سلاطينها على دينار، لتحول منذ ذاك إلى عاصمة لإقليم دارفور إلى جانبها الغزالة شعار في الخريطة الإدارية ومستندات الدولة الرسمية.


كغيرها من مدن السودان ظلت تحتفي بالتنوع لعل ذلك إلى جانب التاريخ السياسي والاجتماعي وهو ما جعلني أصفها بالسيدة الافريقية السمراء، تاريخها المدني ممتد فقد شهد العام ١٩٣٤ تكوين نادي الفاشر، ثم في ١٩٤٦ تأسيس فرقة فنون دارفور، وسينما الفاشر الوطنية في ١٩٥٢ كسينما متجولة في البدء ، ثم مكتبة الجماهير في ١٩٥٥، هي تواريخ تحتاج إلى حيز لسرد خلفياتها ونشأتها.
(٢)

عقب محاولة الحركة الشعبية لتحرير السودان قيادة الراحل الدكتور جون قرنق دمبيور لفتح وجود للحركة بإقليم دارفور عبر الحملة العسكرية في ١٩٩١ والتي عرفت شعبيا بحملة” بولاد” نسبة لمشاركة الإسلامي السابق والذي انضم للحركة المهندس داؤود يحي بولاد فيها، في ١٩٩٤ صارت عاصمة لولاية شمال دارفور على إثر التقسيم الإداري للإقليم الذي كشف عن بداية عملية الهندسة السياسية للنظام السابق لكى تحكم سيطرتها السياسية، عقب ذلك ركزت الحركة الاسلامية جهدها للسيطرة على دارفور بالتركيز على شمال دارفور فدفعت بأعلى الرتب العسكرية من عضويتها كولاة، العقيد الطيب ابراهيم محمد خير “سيخة”، اللواء عبدالله على صافى، الفريق وزير الدفاع الاسبق إبراهيم سليمان، لمواجهة حملة الحركة الشعبية في العام ١٩٩١، جاء رد فعل السلطة السياسية بتكوين مليشيات الفرسان، امتداد لسجل المليشيات التي كونت في العامين ١٩٨٤و ١٩٨٥ في بعض المجموعات السكانية على الشريط الحدودي بين إقليمي جنوب وشمال السودان آنذاك وعرفت ب” المراحيل -١” والمراحيل -٢”، جاء عقب ذلك في العام ١٩٨٦ التجمع العربي الذي شكل مرحلة مهمة اتسمت باتساع السلاح الناري خارج نطاق القوات الرسمية بدارفور، ليأتي. مليشيات فيالق الجمال في العام ٢٠٠٣ التي كونت ممن عرفوا بالتائبين من المشتبه بهم كأعضاء بمجموعات النهب المسلح، لمواجهة نشاط عصابات النهب المسلح، أجد وصف التائبين لم يكن سوي تبرير فاغلب أعضائها وإن كانت لهم انشطة غير قانونية كانوا تحت الاعتقال بموجب اوامر الطواري بالسجون المختلفة بدارفور، فجاء الافراج عنهم مشروطا بالانخراط في ذاك الجسم الذي تم تدريبة آنذاك تحت اشراف الجيش، يمكن القول بان تلك المجموعة كانت النواة الاولى للمليشيات التي كونت في ٢٠٠٣ وعرفت شعبيا بالجنجويد ورسميا بحرس الحدود في ٢٠٠٤ ثم استخبارات حرس الحدود في ٢٠٠٥ خلال هذه الفترة كانت تتمتع بالحصانات المثبتة في قانون القوات المسلحة ١٩٨٦ تعديل ٢٠١٣،ثم تحويل بعضها الى الدعم السريع في ٢٠١٤ ثم اصدار قانون خاص بها في ٢٠١٧ .
(٣)
في هذا الخضم التاريخي للعسكرة يثور سؤال حول الأسباب، بالنظر الى التاريخ السياسي للإقليم نجد ان المقاومة بدأت في ١٩٥٢ بحريق العلم الانجليزي بالفاشر اثر مظاهرة من مناضلين لهم الف رحمة ونور، واجه قادتها عقوبات السجن والجلد والنفي من المدينة، عقب الاستقلال ونتيجة لسياسات الدولة المرتبطة غياب تقديم الخدمات والمشاركة السياسية وسياسات التوظيف، بدأت من وقت مبكر حيث برزت حركة سوني ١٩٦٣ ثم جبهة نهضة دارفور في ١٩٦٤،هذه الأحداث ظلت تنبه للحال بالإقليم الذي واجهة حالتي فجوات غذائية تأثرا بالظروف الطبيعية التي ضربت غرب افريقيا في الاعوام ١٩٧٠ و١٩٨٣، ليزداد الطين بلة أن ميزانية الدولة لعام ١٩٨٣ كشفت تعمد السياسات الاقتصادية للدولة الانحياز لعلاقات الانتاج الرعوية في غرب السودان، وبالمقابل للزراعة الالية في شرق السودان، ليأتي كما أشرنا تكوين التجمع العربي الذي هدف لانحياز سياسي للرعاة في غرب السودان، وهو ما عجل بحوادث مثل مجزرة الضعين مع الأخذ في الاعتبار مساهمة عوامل آخري مثل العسكرة لتلك المجتمعات والتي بدأت في ١٩٨٤، وساهمت في انتشار السلاح الناري مما انعكس في دموية الأحداث ، تعزيز الامر بإنشاء وحدة مكافحة النهب المسلح في ذات العام ١٩٨٦، في محاولة لمعالجة ظاهرة ناتجة عن الجفاف والتصحر عسكريا بدلا من التنمية وتقديم الخدمات.
(٤)
التراكم التاريخي للسياسات الحكومية المختلة تجاه الاقليم وكذلك بقية اقاليم السودان، ساهمت عوامل في اختلاف المسار في دارفور أشرت إلى بعضها بعسكرة المجتمعات في سلك المليشيات، كذلك من ضمنها غياب التنمية فانعكس ذلك مع شح الموارد وتكامل مع الكوارث الطبيعية التي قاد الي تنافس حولها بين المجموعات، لكن صارت هذه الصراعات ذات نسق عسكري مع كثافة استخدام للسلاح الناري، فجعل بعض المجموعات التي كانت تعتمد على الدفاع الذاتي الذي كاد أن يندثر بعد العام ١٩١٦ عاجزة عن المواجهة لأن أسلحتها السابقة كانت الحراب والسهام المسمومة والقليل من البنادق، لتبدأ مرحلة جديدة توازي ادوات المرحلة وهى بروز الحركات المسلحة والتي اعتمد بعضها على قطع الاسلحة البسيطة لدى وحدات الدفاع الذاتي القبلية، لا يمكن تجاهل النفوذ المعنوي الذي تركته محاولة الحركة الشعبية في ١٩٩١ ولا سيما أن شعارها السودان الجديد يقابل ذات منفستو بعض الحركات بشكل ضمني .
(٥)

في ٢٧ نوفمبر٢٠٠٤ هاجم الجنجويد لاحقا قوات حرس الحدود تحت مظلة القوات المسلحة واشرافها، منطقة طويلة التي تبعد ٣٥ كيلو مترا غرب الفاشر، صادف اليوم الخميس خروج طالبات المدرسة الثانوية الى ذويهن، رغم ذلك تعرضت ما لا يقل عن المائة طالبة للعنف الجنسي، وقتل ما لا يقل عن ١٠٣ من المدنيين ، وتم حرق السوق، فنزح سكانها إلي مناطق مختلفة منها المخيمات حول الفاشر، في ٢٠٢٤ اي بعد عشرون عاما نزح بشكل عكسي إلي طويلة من نزحوا منها الي الفاشر في ٢٠٠٤، لكنهم اصطحبوا معهم مدنيو الفاشر او النازحون لأول مرة الى طويلة.
في ٢٠٠٤ كانت روافع دفع المجموعات للانخراط في القتال على الأراضي الغنية والمكاسب من الممتلكات للضحايا، في ٢٠١٣ دخل الذهب في سياق العلاقة بين السلطة والقوات الرديفة” المليشيات”، حيث كشف تقرير خبراء لجنة دارفور بأن قيمة الذهب المباح حصريا بأسواق دبي من دارفور قدر ب ٤٥ مليون دولار في ٢٠١٤، في ٢٠١٧ تم حمايتها قانونيا ، ثم في ٢٠١٩ وصلت الى السلطة في قمتها، تغير المعادلة هنا هو ما أود أن اشير إليه بتغير المعادلة إلي حرب السلطة والموارد ، لكن الثابت هو بقاء المدنيين خارج نطاق الحماية لسبب جوهري غياب العدالة تاريخيا ولسمة جديدة الدعوات لاستمرار الحرب لامتداد التحالفات الى اقليمية ودولية، يقصف المدنيون بالمسيرات والطائرات لكنها لا تقصف حقول الذهب.
(٦)
توزيع الغبينة يلغي محركاتها، هو موقف أجدني اقراءه عندما انظر الى موقف حركة تحرير السودان قيادة الأستاذ عبدالواحد نور، تحرك بذكاء لإعادة سيطرته على طويلة في ٢٠٠٣، لتصبح الآن أحد الملاذات الرئيسية للذين نجحوا في الفرار من جحيم الحرب بالفاشر، في ٢٠٢٤ ساهمت الحركة في إجلاء المدنيين من معسكر زمزم الى طويلة، وقبل ذلك رفضه للمشاركة العسكرية مع اي من اطراف الحرب.
تظل الفاشر صنو المدن التي صمدت في التاريخ الانساني مثل ستلنغراد في الحرب العالمية الأولي، صنعاء في حصار ال٧٠ يوما، سرايفوا عند هجوم الصرب عليها، عناق قله التركية حين تكالب عليها البريطانيون والفرنسيون مجتمعون، واخيرا حالة سانت بطرس، جميعها تأتي بعد الفاشر في صمودها وما قدمته في جلد كان، إذن صمدت الفاشر لكن خذلها التاريخ
(٧)
الفاشر وضعت ضمير السوداني في حالة تضامن كسرت نسق خطاب الكراهية، وهزت العالم في اختبار الانسانية، كل ذلك يضع طرفا الحرب خارج هذه المعادلة لان في وقت سابق كانت شاحنات المساعدات وصلت حتي الكومة، ليوقف مسارها الدعم السريع، ثم يقصفها الجيش، لينتهي الأمر بتطاول الجوع، فطرفي الحرب الرئيسين قررا منذ مايو ٢٠٢٣ بأن لا مجال لاي هدنة للمساعدات الإنسانية مجلس الامن يصدر قرارا دون أن يفعل ما يمكن من تحققه، المحكمة الجنائية تدفع بكوشيب نحو الادانة وقبل ان تكتمل الفرحة ظهر كوشيب اخر ، الفاشر اختزال لحروب السلطة والموارد فقد اخذ بريق الذهب ما تبقي من كرامة الإنسان واثر غياب العدالة التاريخي في الموت مرة تلو الأخرى .
(٨)
ما حدث في الفاشر ينذر بالانتباه إلى تكلفة استمرار الحرب على المدنيين وعلى الدولة سواء من ناحية دورة الانتهاكات الممنهجة بكافة اشكالها، وكذلك الدستورية، والتدمير للمدن وتعريض قيمتها المادية للنهب والسلب والدمار، لا مجال للحديث عن القيم المعنوية والثقافية والفنية فالحرب تقف علة النقيض منها، وحرب أبريل كشفت أن لا اعتبار لحياة الإنسان وكرامته في صراعات الذهب والسلطة، ما حدث يقرع جرس الإنذار للانتباه لمدن الأبيض لبابنوسة المدينة الخالية من المدنيين.
يظل غياب العدالة في الصراعات السودانية ذات الدوافع السياسية هو ما يصب الزيت على النار، كما يشغل غياب صوت المدنيين الداعي لوقف الحرب فراغا يملأه أطراف الحرب بالبارود، وفوق ذلك يمضي الحال وفشل توحد القوي السياسية والمدنية من أجل رفع صوتهم أعلى من ازيز الرصاص هو الرهان الغائب .

الوسوممحمد بدوي

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: محمد بدوي فی العام

إقرأ أيضاً:

الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)

 

الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي

“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.

لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.

لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.

يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.

حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]

الوسومإعادة الإعمار (9-10) إعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2) الاستثمار الزراعي المتكامل الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب حسن علي سنهوري رؤية للاستثمار الزراعي

مقالات مشابهة

  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • السودان يطلق مبادرة لتوسيع المظلة الضريبية.. و60% من النشاط الاقتصادي خارجها
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • اجتماع دولي في نيروبي لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية