ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني -

لا زال ركام الدمار في غزة باقيًا لم يتلاشَ بعد، حتى أن وقف إطلاق النار لا يزال حبرًا على ورق لم يجف إلى الآن. كما أن سوريا لا زالت تعاني اقتصاديًا ومتضررة جراء العقوبات وتبعات المحسوبية، وآمال إحلال السلام في اليمن لا زالت على المحك، ومهددة ماليًا بالانهيار في أي وقت.

في ظل كل ذلك، لا يزال أمل الاستقرار مجرد أحلام لم يعد الشرق الأوسط يتحمل انتظار تحقيقه، ولن يحدث ذلك الاستقرار المنشود ما لم يكن هناك تخطيط واضح لإعادة الإعمار.

ولا يقتصر السؤال في هذا المقام على «من هو المشارك في تمويل إعادة الإعمار؟»، بل يمتد إلى كيفية تلك المشاركة لضمان تعافي المناطق المتضررة جراء الحروب واختلالات الحوكمة. وكيف سيتلقى المسؤولون في تلك المناطق مبادرات المانحين؟، مع الوضع في الاعتبار أن التأخير في مساعي إعادة الإعمار تُكبِّد تلك المناطق تكلفة متزايدة يومًا بعد يوم.

ففي كل شهر تتأخر فيه مساعي إعادة الأعمار يعني تفاقمًا في مشكلة النزوح، ويزيد من مدد الحرب، ويقضي على الجهود المبذولة في إحلال السلام الهشة بطبيعتها.

فالتحدي الأكبر اليوم أمام تلك الدول والمناطق، ليس في حجم الدمار، وهو هائل جدا، ولكن في غياب أوجه التنسيق، وغياب القدرات الساعية لإحلال السلام، وكذلك غياب المصداقية؛ تلك الغيابات تشل جهود التعافي السابقة.

ولنا في العراق مثال واضح؛ إذ يعد البلد نموذجا لدراسة الحالة، ويجب أن يدفعنا نحو الحذر. فبالرغم من المليارات التي دفعت له بعد عام 2003، لم يزل العراق يعاني لسنوات، وأصبح مثقلًا بالديون وضعف المؤسسات وتهالك في البنية الأساسية، وهذا يعني أن المال وحده ليس كافيا، فمن دون إطار عام للحوكمة، إطار واضح الملامح، لن تقوم الدولة من جديد، إنما يزيد ذلك من أسباب الانهيار.

كثير من النماذج الداعية إلى حل أزمات الدول هي ذات أنظمة تقليدية، مثل التعهدات الكبرى التي تقود التحولات، وأصبحت عتيقة تماما، ولا تساهم بالحل بقدر ما تفاقم المشاكل أكثر، وتعيق من دور المانحين، وهم بذاتهم يواجهون ضغوطات كبيرة جراء ما يحدث على الساحة الممتدة من أوكرانيا إلى منطقة الساحل الأفريقي.

أصبحت حكومات تلك الدول، غير المستقرة، أضعف مما كانت عليه، وبالمثل أصبحت الدول المالكة لرأس المال أكثر حذرًا، والمنافسات الجيوسياسية ترسخت بشكل أعمق مما كانت عليه حين تصميم خارطة إعادة الإعمار فيما بعد الحرب.

لم تعد تتوفر البنية الأساسية التي يستكمل عليها بناء التعافي، وغابت كذلك الظروف السياسية الداعية للتعاون متعدد الأطراف، كما أن المساهمات المالية للمانحين ـ التي يتم قياسها عادة في الأوساط البيروقراطية ـ لم تعد تتناسب مع الحاجة الملحة الواقعية.

هنا لا بد أن نقف على خطوات إعادة البناء، خطوات موثوقة وإن كانت غير مريحة للبعض، وتتمثل في ثلاث.

أولا: قياس واقعية الديون قبل الشروع في التنمية، وفي أرض الواقع نرى أن سوريا والعراق كلاهما واقعتان في التزامات مالية ضخمة غير قابلة للسداد بشكل مباشر، وتعد تلك الالتزامات تَركةً من تركات الصراع.

وبدون إعادة هيكلة شاملة ـ مع ضرورة التنسيق مع بنوك التنمية الإقليمية وصندوق النقد الدولي ـ يجب أن يكون التمويل الجديد خاصًا لسداد الديون القديمة فحسب، وهذه واقعية مالية لحل الأزمة، ولا تحتاج إلى «صدقة مالية»، فالدول المتعثرة لا تحسن التعامل مع رأس المال بفعالية.

الخطوة الثانية، يجب أن يتحول خطاب «التمويل» من مجرد خطاب نظري إلى واقع تطبيقي فعلي، ويجب عن مؤسسات التنمية أن تحمي الدول المستفيدة من التمويل من خلال إجراء تخفيف المخاطر الاستثمارية الخاصة، وذلك من خلال تقديم ضماناتِ ما يعرف بالخسارة الأولى، وكذلك من خلال تحوطات العملات، إلى جانب إنشاء محافظ استثمارية تجمع بين رأس المال الميسر والتجاري، ولا أعني من كلامي هذا أن يتحول مشروع إعادة الإعمار إلى «خصخصة»، إنما استثمار التمويل بنطاق واسع ومتعدد الجوانب مع الحفاظ على المساءلة العامة.

وثالثًا، لا بد أن تشكّل الصناديق السيادية الخليجية ركيزة أساسية في مسار التعافي الإقليمي، فبأصولٍ تتجاوز أربعة تريليونات دولار، تملك دول الخليج القدرة المالية والمصلحة الاستراتيجية في استقرار المنطقة؛ غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء أدواتٍ استثمارية ذات إشراف موثوق، من خلال مجالس إدارة مستقلة، ومناقصات شفافة، ومشاركة مجتمعية تضمن ألا تتسرب تلك الأموال إلى شبكات المحسوبية.

إن أصعب البنى التحتية التي يمكن تشييدها ليست المادية، بل المؤسساتية، لذلك يجب أن يتضمن تمويل الإعمار إصلاحات الحوكمة منذ البداية، من ذلك استخدام أنظمة رقمية لتتبع حركة الأموال، واعتماد المنافسة في العطاءات، وتعزيز قدرات البلديات المحلية على إدارة المشاريع.

لقد أتاح التقدم التقني اليوم أشكالًا جديدة من الشفافية، بدءًا من تقنيات «البلوك تشين» -نظام رقمي مبتكر يتيح تخزين البيانات وتبادلها بطريقة آمنة وشفافة وغير قابلة للتلاعب ـ لمتابعة التمويل، وصولًا إلى المنصات التفاعلية التي تتيح للمواطنين مراقبة سير المشاريع لحظة بلحظة، فالحوكمة المحلية يجب أن تُعامل بالجدية ذاتها التي نوليها للموانئ أو شبكات الكهرباء، وينبغي للسلطات البلدية أن تُدير مشاريع الإعمار بنفسها، لا أن تكتفي بتنفيذ مخططات المانحين الجاهزة.

ولعل تجربة العراق خير مثال على ما يحدث حين يتم تجاوز المؤسسات المحلية تمامًا، إذ أدى ذلك إلى إيجاد تبعية للمقاولين الخارجيين الذين اختفوا بمجرد أن توقفت تدفقات التمويل!

لقد ظلّ الانتقال من الإغاثة الطارئة إلى التنمية المستدامة أحد أوجه الفشل المزمنة في جهود الإعمار، فالمساعدات الإنسانية تنقذ الأرواح لكنها تُنشئ اعتمادًا طويل الأمد، بينما مشاريع التنمية تعد بالاستدامة لكنها غالبًا ما تصل متأخرة بعد أن يفوت الأوان.

المطلوب اليوم هو إيجاد حلقة متصلة من الصمود، آليات تمويل تربط بين الاستقرار الفوري وإعادة البناء بعيدة المدى، ويشمل ذلك التحويلات النقدية الإنسانية التي تنشّط الأسواق المحلية، والمشروعات الإنشائية المصممة وفق معايير مواجهة الكوارث منذ البداية، وبرامج إعادة إعمار المساكن التي تدمج الطاقة المتجددة ومفاهيم التكيّف المناخي في بنيتها.

ففي سواحل اليمن، يعني ذلك بناء مساكن مقاومة للفيضانات ومحطات لتحلية المياه. وفي غزة، يجب أن تُعامل أنظمة الطاقة المتجددة والاتصال الرقمي بوصفها من البنى التحتية الأساسية، لا إضافاتٍ ثانوية تأتي في مراحل متأخرة.

لكن أي آلية مالية ـ مهما بلغت من الابتكارـ لن تنجح ما لم تترافق مع شمولٍ سياسي وعدالة انتقالية تعالج المظالم التي كانت شرارة الصراع من الأساس، فهنا تحديدًا تتعثر الجهود الدولية، إذ تتحول مشاريع الإعمار إلى ساحة جديدة للمنافسة الجيوسياسية بدل أن تكون التزامًا مشتركًا تجاه استقرار المنطقة.

ومع ذلك، فإن البديل عن المشاركة ـ وإن كانت ناقصة ـ ليس الحياد، بل الهجران، والهجران لا يعني سوى أن الجيل القادم سيرث فجوة أعمق بدل أن يرث مجتمعاتٍ معافاة.

لهذا يجب أن يبدأ النقاش حول تمويل ما بعد الصراع قبل أن تضع الحروب أوزارها بالكامل، فالانتظار حتى تنضج الظروف السياسية المثالية يعني التخلي عن فرصة التأثير في ما سيأتي بعدها.

إن التخطيط المبكر يمكن أن يوجد ما يسميه الاقتصاديون «اشتراطات السلام»، أي جعل آفاق الإعمار واقعية وملموسة بما يجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من إيقافها.

ويتميّز هذا الوقت تحديدًا بتقاطع أزماتٍ كبرى ـ من دمار غزة إلى جمود سوريا واستنزاف اليمن ـ وهو اختبار لقدرة المؤسسات الدولية على العمل بالسرعة والحجم اللذين يتطلبهما الموقف.

فالإعمار، حين يُدار بجدية وشفافية، ليس عملاً خيريًّا بل استثمارٌ في استقرار المنطقة، إنه يحوّل أدوات التمويل إلى عقودٍ اجتماعية، ويجعل من إعفاء الديون مدخلًا لتجديد الحياة السياسية.

ويبقى السؤال الجوهري، هل يستطيع المانحون، وعواصم الخليج، والمؤسسات الدولية، أن يبتكروا منظومة تعافٍ مالي تتسم بالشفافية والمساءلة بحيث تنال الثقة التي تتطلبها المرحلة؟

الركام سيبقى لسنوات، لكن قرار المضيّ لما بعده يجب أن يُتخذ الآن.

كورت ديفيس جونيو عضو في مركز الأبحاث السياسية «المجلس الأطلسي» في واشنطن.

الترجمة عن آسيا تايمز

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: إعادة الإعمار من خلال یجب أن

إقرأ أيضاً:

مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وتعززان التنسيق الاستراتيجي بشأن قضايا المنطقة

 شهدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي و المصريين في الخارج، جولة جديدة من المشاورات السياسية المصرية الفرنسية، عكست عمق العلاقات الثنائية ومستوى التنسيق المتنامي بين البلدين تجاه القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وترأس الجانب المصري السفير نزيه النجاري، مساعد وزير الخارجية للتخطيط السياسي وإدارة الأزمات، فيما ترأس الجانب الفرنسي تريستان أورو، حيث ناقش الجانبان عدداً من الملفات السياسية والأمنية الملحة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في ظل التطورات المتسارعة التي تمر بها المنطقة.
وركزت المشاورات على مستجدات الأوضاع الإقليمية، وفي مقدمتها الجهود المبذولة لإنهاء الحرب الدائرة في المنطقة، والتطورات الخطيرة في لبنان، فضلاً عن المساعي الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد ومنع تجدد المواجهات العسكرية. كما استعرض الجانبان جهود مصر وشركائها الإقليميين والدوليين في دعم الاستقرار الإقليمي والحفاظ على الأمن والسلم في المنطقة.
كما تناولت المباحثات التداعيات الاقتصادية للأزمات والصراعات القائمة، خاصة ما يتعلق بتأثيرها على إمدادات الطاقة العالمية، وحركة التجارة والملاحة الدولية، وتدفقات الاستثمار، حيث شدد الجانبان على أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية للوصول إلى حلول سياسية مستدامة تسهم في احتواء الأزمات وتخفيف آثارها الاقتصادية والإنسانية.
وخلال اللقاء، أكد السفير نزيه النجاري أن تحقيق الأمن والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط يظل مرهوناً بالتوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المحورية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمختلف أزمات المنطقة. وأشار إلى ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته تجاه تنفيذ متطلبات خطة السلام في غزة التي أقرتها قمة شرم الشيخ للسلام، والعمل على وقف الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية.
من جانبه، أشاد الوفد الفرنسي بالدور المصري المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، مثمناً الجهود التي تبذلها القاهرة من خلال سياساتها المتوازنة واتصالاتها المستمرة مع مختلف الأطراف المعنية بالأزمات الإقليمية. كما أكد الجانب الفرنسي أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين البلدين بشأن القضايا المشتركة، في ظل العلاقات الوثيقة التي تجمع القاهرة وباريس.
وشهدت المشاورات تبادل الرؤى والتقديرات بشأن مستقبل الأوضاع في الشرق الأوسط، إلى جانب مناقشة انعكاسات التحولات الدولية المتسارعة والصراعات الجارية على بنية النظام الدولي، بما يعكس حرص البلدين على تعزيز التعاون السياسي والاستراتيجي لمواجهة التحديات الراهنة ودعم جهود السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
وتأتي هذه الجولة في إطار العلاقات المصرية الفرنسية المتنامية، خاصة عقب الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما يعكس التوافق المتزايد بين البلدين إزاء العديد من الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك.

ماكرون يؤكد عزم فرنسا استجابة منسقة لمكافحة إيبولا في الكونغو الديمقراطية فرنسا تحت ضغط الاحتفالات.. مئات الاعتقالات وإصابات بين الشرطة بعد نهائي الأبطال وزير الصناعة يبحث مع سفير فرنسا بالقاهرة تعزيز التعاون الصناعي بين مصر وفرنسا

مقالات مشابهة

  • مباحثات مصرية روسية موسعة حول أزمات الشرق الأوسط وتعاون "بريكس"
  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وتعززان التنسيق الاستراتيجي بشأن قضايا المنطقة
  • محلل سياسي: تعيين توم براك يعكس الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط
  • الطفولة الملغومة.. قنابل بشرية مؤجلة تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط
  • هند الضاوي: ترامب ينتقد الإدارات السابقة لكنه يسير على نهجها في الشرق الأوسط
  • انعقاد جولة مشاورات سياسية بين مصر وفرنسا الأوضاع في الشرق الأوسط
  • الذهب يصعد مع التركيز على التطورات في الشرق الأوسط
  • باراك: ترامب حقق إنجازات «غير مسبوقة» في الشرق الأوسط
  • تراجع نيكي الياباني من قمته القياسية وسط حذر المستثمرين وتوترات الشرق الأوسط
  • الهواري: تطبيق القوانين وتوضيح الاتفاقات ضرورة لمعالجة أزمة الهجرة