فجّرت باريس نقاشًا جديدًا في بيروت حول "دبلوماسية الإعمار". الرئيس إيمانويل ماكرون جدّد عزمه عقد مؤتمر دعم للجيش وآخر للتعافي والإعمار لكن بعبارةٍ فاصلة: "عندما تتوافر الشروط". خلف هذه الصيغة المقتضبة تقف معادلة واضحة: أي تمويل واسع النطاق سيبقى مشروطًا بتقدّم ملموس في احتكار الدولة للسلاح وتثبيت ترتيبات الجنوب والقرار 1701، بالتوازي مع مسار إصلاحي مالي – نقدي قابل للقياس.

فما الذي تعرضه باريس فعلًا؟
 
تكرّس الخطابات والرسائل الفرنسية الأخيرة وآخرها عبر جولة مستشارة الرئيس ماكرون اللبنانية آن كلير لوجاندر مسارين متوازيين: دعم عاجل لمؤسّسات الدولة، وفي طليعتها الجيش، ثم حزمة تعافٍ وإعمار أوسع إذا التزمت بيروت بالمسارات المذكورة. وقد سبق لباريس أن قادت مؤتمرات حشدت تمويلًا إنسانيًا وأمنيًا كبيرًا سابقا، وتتهيأ اليوم لاستنساخ التجربة بصيغة أكثر ارتباطًا بنتائج ميدانية وإصلاحية. تربط باريس أي انخراط مالي طويل الأمد بترجمة واقعية لـ"احتكار الدولة للسلاح" وانتشار أوسع للجيش جنوبًا بالتكامل مع دور اليونيفيل، في إطار القرار 1701 المُجدَّد هذا العام، وما تبعه من دعوة أممية إلى بلورة خيارات تنفيذية مستدامة. بكلمات أوضح، المانحون يريدون ضمانات أمنية قابلة للقياس قبل فتح صناديق الإعمار.
 
على الضفّة المالية، لا يكفي "التعهّد" السياسي. صندوق النقد يطلب حزمة متماسكة، تتمثل بضبط مالي، حوكمة، إعادة هيكلة للقطاع المصرفي، وإطار عادل لتوزيع الخسائر. تقدّمت بيروت بخطوات تشريعية (سرّية مصرفية مُعدّلة، قانون لإعادة هيكلة المصارف)، لكنها ما زالت تحتاج إلى قرارات صعبة في تعريف فجوة الخسائر وتقاسمها. من دون ذلك، سيبقى الدعم محصورًا بالشقّ الإنساني والأمني، لا بالبنى التحتيّة الثقيلة. النموذج المرجّح خليطٌ من منح إنسانية وتنموية ودعمٍ أمني مباشر، تُضاف إليه قروض ميسّرة لمشاريع محدّدة (طاقة، مياه، طرق) عبر مؤسّسات أوروبية ودولية. الحصّة الفرنسية ستكون قيادية سياسيًا، مع مساهمات محتملة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبعض دول الخليج، لكن إطلاق الدفعات سيُجزَّأ على مراحل مرتبطة بمدى التزام لبنان بالمسارين الأمني والإصلاحي. هذا ليس افتراضًا نظريًا؛ إنه تلخيص لطريقة اشتغال مؤتمرات باريس السابقة وحدّيث باريس الراهن عن "المؤتمرَين عندما تتوافر الشروط".
 
لماذا هذه اللحظة مختلفة؟
بعد عامٍ من تجديد ولاية اليونيفيل وتحديث السردية الأممية تجاه الجنوب، تتقدّم فكرة "سلامٍ قابل للقياس" كمفتاح أول لأي رزم تمويل كبيرة. لا يكفي وقفُ نارٍ هشّ؛ المطلوب مؤشرات أداء: انتشار للجيش، نقاط مراقبة، ومسارات ضبط على المعابر. في المقابل، رسائل صندوق النقد العلنية في ختام بعثاته واجتماعاته الإقليمية تُعيد التذكير بأن استعادة الاستقرار المالي تمرّ عبر قرارات موجعة، ولا إعمار بلا إصلاحات تُنفّذ لا تُوعَد.
 
سياسيًا، تلقّت بيروت إشارات ترحيب فرنسية بخطواتٍ باتجاه "حصر السلاح بيد الدولة"؛ لكن تحويل الترحيب إلى أموالٍ مرصودة يمرّ عبر قرائن ميدانية جنوبًا وخارطة طريق إصلاحية مُعلنة زمنيًا. حكوميًا، تحدّد بيانات رسمية التوجّه إلى تفاوض جديد مع IMF وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما تضع القوانين التي أُقرّت مؤخرًا الأساس من دون أن تحسم "مَن يدفع الثمن" في فجوة الخسائر. باختصار: البنية المؤسّسة موجودة، لكن الاختبار هو التنفيذ.
 
أبعد من لغة المؤتمرات تبدو بيروت على عتبة مرحلة تتقاطع فيها السيادة بالتمويل حيث تُدخِل باريس ومعها عواصم مانحة الملف اللبناني في معادلة أمنية اقتصادية تُقاس نتائجها على الأرض لا في البيانات. فالأموال لن تتحرك ما لم تُترجم الدولة احتكارها للسلاح بانتشار فعلي جنوبًا،وتراجع ملموس في الخروق، مع خارطة إصلاحات مالية قابلة للمحاسبة. فيما يعني ذلك سياسيًا نقل النقاش الداخلي من الشعارات إلى الاختبار الميداني وإداريًا ترسيخ رقابة تنفيذية أشد على المشتريات العامة ومشاريع البنى التحتية بما يشبه إدارة مشروطة ناعمة تعيد تعريف العلاقة بين المانحين والمؤسسات اللبنانية. أما اجتماعيًا فالمطلوب انتقال سريع من اقتصاد الوعود إلى اقتصاد النتائج حيث يُقاس أي مؤتمر بعدد ساعات التغذية الكهربائية وبكلفة النقل وبفرص بقاء الشباب لا بعدد المتحدثين والمنصات. وبالتالي فإن دبلوماسية الإعمار لا قيمة لها من دون تحول يلمسه الناس في يومياتهم وإذا كان الخارج يلوح بالمساعدة فإن الداخل مطالب بإثبات الاستحقاق عبر أفعال لا بيانات لأن جسر الثقة بين الدولة والمجتمع لم يعد يبنى بالكلمات بل بمؤشرات أداء واضحة تفتح الباب للاستثمار وتغلق زمن الإغاثة الدائمة. المصدر: خاص "لبنان 24" مواضيع ذات صلة بري يطلق "معركة الإعمار" من المصيلح : لبند حول الإعمار في الموازنة Lebanon 24 بري يطلق "معركة الإعمار" من المصيلح : لبند حول الإعمار في الموازنة 15/11/2025 12:01:35 15/11/2025 12:01:35 Lebanon 24 Lebanon 24 تسويات من "تحت الطاولة" للمادة 112 Lebanon 24 تسويات من "تحت الطاولة" للمادة 112 15/11/2025 12:01:35 15/11/2025 12:01:35 Lebanon 24 Lebanon 24 مرشح الإعمار والتنمية "سلام الأعرجي": المقاطعة في النجف "دليل ديمقراطي" Lebanon 24 مرشح الإعمار والتنمية "سلام الأعرجي": المقاطعة في النجف "دليل ديمقراطي" 15/11/2025 12:01:35 15/11/2025 12:01:35 Lebanon 24 Lebanon 24 مصادر دبلوماسية أميركية رفيعة: خطة الإنقاذ تضمنت ترتيبات مستلهمة من "الاتفاقيات الإبراهيمية" Lebanon 24 مصادر دبلوماسية أميركية رفيعة: خطة الإنقاذ تضمنت ترتيبات مستلهمة من "الاتفاقيات الإبراهيمية" 15/11/2025 12:01:35 15/11/2025 12:01:35 Lebanon 24 Lebanon 24 لبنان خاص مقالات لبنان24 الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة اللبنانية الفرنسية الأوروبي التزام أوروبي بيروت تابع قد يعجبك أيضاً ما تأثير لقاء ترامب والشرع على "حزب الله"؟ Lebanon 24 ما تأثير لقاء ترامب والشرع على "حزب الله"؟ 11:30 | 2025-11-15 15/11/2025 11:30:00 Lebanon 24 Lebanon 24 المنخفض الجوي الى انحسار.. وهكذا سيكون طقس اليومين المقبلين Lebanon 24 المنخفض الجوي الى انحسار.. وهكذا سيكون طقس اليومين المقبلين 11:27 | 2025-11-15 15/11/2025 11:27:15 Lebanon 24 Lebanon 24 فنيش: الدولة معنية في أن تجري الانتخابات النيابية بموعدها Lebanon 24 فنيش: الدولة معنية في أن تجري الانتخابات النيابية بموعدها 11:18 | 2025-11-15 15/11/2025 11:18:42 Lebanon 24 Lebanon 24 نواب "التغيير" في مأزق كبير Lebanon 24 نواب "التغيير" في مأزق كبير 11:15 | 2025-11-15 15/11/2025 11:15:00 Lebanon 24 Lebanon 24 وليد البعريني: أؤيد التفاوض المباشر Lebanon 24 وليد البعريني: أؤيد التفاوض المباشر 11:07 | 2025-11-15 15/11/2025 11:07:15 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة انفجارات ضخمة هزّت العاصمة السورية دمشق.. وهذا ما تبيّن Lebanon 24 انفجارات ضخمة هزّت العاصمة السورية دمشق.. وهذا ما تبيّن 20:20 | 2025-11-14 14/11/2025 08:20:00 Lebanon 24 Lebanon 24 بعد ساعات من مُحاصرة منزل مُطلق النار... هكذا انتهت "حادثة بصرما" Lebanon 24 بعد ساعات من مُحاصرة منزل مُطلق النار... هكذا انتهت "حادثة بصرما" 16:23 | 2025-11-14 14/11/2025 04:23:27 Lebanon 24 Lebanon 24 "محاولة تجسس لاختراق مطار بيروت".. تقريرٌ إماراتيّ يكشف Lebanon 24 "محاولة تجسس لاختراق مطار بيروت".. تقريرٌ إماراتيّ يكشف 20:00 | 2025-11-14 14/11/2025 08:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 استدارت به السيارة واصطدمت بأخرى.. فنان شهير يتعرّض لحادث مروع وينقل إلى المستشفى (صورة) Lebanon 24 استدارت به السيارة واصطدمت بأخرى.. فنان شهير يتعرّض لحادث مروع وينقل إلى المستشفى (صورة) 06:46 | 2025-11-15 15/11/2025 06:46:06 Lebanon 24 Lebanon 24 بالفيديو... ⁨إعلاميّة لبنانيّة: تركت الإعلام بعد إصابة زوجي السابق بمرض السرطان Lebanon 24 بالفيديو... ⁨إعلاميّة لبنانيّة: تركت الإعلام بعد إصابة زوجي السابق بمرض السرطان 15:25 | 2025-11-14 14/11/2025 03:25:00 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك عن الكاتب جاد حكيم - Jad Hakim أيضاً في لبنان 11:30 | 2025-11-15 ما تأثير لقاء ترامب والشرع على "حزب الله"؟ 11:27 | 2025-11-15 المنخفض الجوي الى انحسار.. وهكذا سيكون طقس اليومين المقبلين 11:18 | 2025-11-15 فنيش: الدولة معنية في أن تجري الانتخابات النيابية بموعدها 11:15 | 2025-11-15 نواب "التغيير" في مأزق كبير 11:07 | 2025-11-15 وليد البعريني: أؤيد التفاوض المباشر 11:00 | 2025-11-15 الملفات اللبنانية في استراتيجية الضغط الإسرائيلي فيديو فقمة تستنجد بقارب في عرض البحر هربا من هجوم حيتان قاتلة (فيديو) Lebanon 24 فقمة تستنجد بقارب في عرض البحر هربا من هجوم حيتان قاتلة (فيديو) 11:00 | 2025-11-15 15/11/2025 12:01:35 Lebanon 24 Lebanon 24 يشبه الانسان.. روبوت يرعب الصينيين! (فيديو) Lebanon 24 يشبه الانسان.. روبوت يرعب الصينيين! (فيديو) 11:00 | 2025-11-08 15/11/2025 12:01:35 Lebanon 24 Lebanon 24 انهار وفقد السيطرة على نفسه.. فنان يكشف خيانة حبيبته له مع مطرب شهير! (فيديو) Lebanon 24 انهار وفقد السيطرة على نفسه.. فنان يكشف خيانة حبيبته له مع مطرب شهير! (فيديو) 10:42 | 2025-11-05 15/11/2025 12:01:35 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان فيديو خاص إقتصاد عربي-دولي متفرقات أخبار عاجلة Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24

المصدر

المصدر: لبنان ٢٤

إقرأ أيضاً:

هجوم ناري من نشأت الديهي على «حمدين صباحي» و«فريد زهران» بسبب زياد العليمي | فيديو

شنّ الإعلامي نشأت الديهي هجومًا حادًا على كلٍّ من حمدين صباحي وفريد زهران، على خلفية مطالباتهما بالإفراج عن زياد العليمي، معتبرًا أن هذه المطالبات تمثل إساءة بالغة لمؤسسات الدولة المصرية، وفي مقدمتها القضاء والجيش.

نشأت الديهي: الدولة المصرية قوية والقانون سيواجه كل من يتطاول على مؤسساتهامرفوض تماما.. نشأت الديهي يهاجم أكمل قرطام: ما فعله ابتزاز رخيص للدولة

وانتقد «الديهي»، خلال تقديمه برنامج «بالورقة والقلم» على فضائية «Ten»، ما وصفه بـ«الأصوات النشاز» التي تحاول ممارسة ضغوط لإخلاء سبيل العليمي، مشيرًا إلى أن الدفاع عن شخص تطاول على مؤسسات الدولة أمر غير مقبول.

وتساءل مستنكرًا: «هل تقبل يا فريد زهران إهانة زياد العليمي للقضاء المصري، وحديثه عن جيش مصر بأوصاف لا تليق؟». كما وجّه تساؤلًا مماثلًا لحمدين صباحي حول مدى قبوله للإساءة الموجهة لمؤسسات الدولة، مؤكدًا أن «الدولة ليست بنص لسان»، وأن الشعب المصري وقادة وجنود القوات المسلحة يتابعون ويرصدون كل هذه المواقف.

وشدّد على دور الجيش المصري في البناء والتنمية، مستشهدًا بكلمات رئيس الجمهورية بأن «الجيش تحت رجل مصر يشتغل ويبني ويعمل مصانع ويدافع»، معتبرًا أن تضحيات الجيش والشرطة تستوجب الشكر والتقدير بدلًا من الهجوم.

واختتم الديهي تصريحاته بالقول: «بدلًا من أن نقول شكرًا لجيشنا ونؤمّن مستقبل أبنائنا، نجد بعض الأصوات النشاز تهاجم الجيش والشرطة. الدولة المصرية ومؤسساتها خط أحمر، ولا يمكن القبول بأي إساءة تُوجَّه للقضاء أو للمؤسسة العسكرية تحت أي مبرر».

طباعة شارك نشأت الديهي حمدين صباحي فريد زهران الجيش القضاء

مقالات مشابهة

  • عن النمو في لبنان.. توقعٌ للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار
  • لودريان في بيروت: حضور بلا حلول
  • هل تدخلت قطر لوقف النار ومنع ضرب بيروت؟
  • «الديهي»: ما قاله زياد العليمي يخرج عن حرية التعبير ويُهدّد مؤسسات الدولة | فيديو
  • هجوم ناري من نشأت الديهي على «حمدين صباحي» و«فريد زهران» بسبب زياد العليمي | فيديو
  • عن استهداف بيروت... إليكم ما قاله وزير الخارجية الأميركيّة
  • بعد اتفاق الضاحية.. لبنان يدفع نحو تثبيت الهدوء على كامل أراضيه
  • كيف أجهض ترامب خطة اجتياح بيروت؟
  • رئيس لجنة الخارجية النائب فادي علامة استقبل وفداً نيابياً بولندياً في بيروت
  • انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة