نهج أنقرة الجديد مع العمال الكردستاني
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
أعلن حزب العمال الكردستاني الشهر الماضي سحب قواته من تركيا إلى شمال العراق، في بادرة جديدة ضمن عملية السلام الحالية مع أنقرة.
وعلى الرغم من أن التنظيم لم يعد لديه وجود مسلح فعلي داخل الأراضي التركية منذ فترة، وأُجبر تحت ضغط العمليات العسكرية التركية على تركيز تواجده في إقليم كردستان العراق، وبدرجة أقل في شمال شرق سوريا، فإن هذا الإعلان يثير تساؤلا جوهريا حول طبيعة عملية السلام الجديدة، وما إذا كانت ستؤدي إلى سلام فعلي بين تركيا وحزب العمال، أم تصدير لمعضلته إلى دول الجوار.
في تاريخ الصراع، كان تواجد حزب العمال وأفرعه في سوريا، والعراق عقبة رئيسية أمام الوصول إلى سلام نهائي. وقد أدركت أنقرة، بعد عقود طويلة من الصراع، أن تقويض قدرة حزب العمال على مواصلة تمرده ضدها، لا يمكن أن يتحقق بدون حرمانه من إيجاد ملاذ آمن له في دول الجوار.
في الوقت الحالي، يشكل تواجد حزب العمال في شمال العراق، وحالة قوات سوريا الديمقراطية المرتبطة به أيديولوجيا وحتى عضويا، عقبة رئيسية في إنجاح عملية السلام الجديدة.
ومع ذلك، تتبنى أنقرة هذه المرة نهجا مختلفا عن نهجها السابق في مقاربة الصراع مع حزب العمال، من خلال تأطير السلام الجديد في إطار معالجة حالته في دول الجوار.
وعلى الرغم من أنه يصعب تفكيك قدرة الحزب على التموضع في سوريا، والعراق تماما بفعل تأثيره في الحالة الكردية الإقليمية، فإن تأكيد تركيا على أن إنهاء حالة حزب العمال الكردستاني، تشمل معالجة وجوده في إقليم كردستان العراق، وتفكيك قسد في سوريا، وإنهاء ما تسمى بإدارتها الذاتية، يعطي صورة عن النهج الجديد الذي يبدو واقعيا، وأكثر قدرة على نقل العلاقة بين تركيا والأكراد إلى مرحلة السلام المستدام.
مع ذلك، تبقى أنقرة متشككة في نجاعة هذا النهج على المدى الطويل. فمن جانب، تدفع باتجاه إعادة إحياء اتفاقية أضنة مع سوريا، وتوسيع نطاقها بشكل يتيح لها شن توغلات عسكرية لمكافحة أي نشاط مستقبلي لحزب العمال الكردستاني في سوريا بعمق 30 كيلومترا، بدلا من الـ 5 كيلومترات المنصوص عليها في الاتفاقية الأصلية.
إعلانومن جانب آخر، تعمل أنقرة على تعميق تعاونها الأمني والاستخباراتي مع أربيل، والحكومة المركزية العراقية في بغداد؛ لحرمان حزب العمال الكردستاني من تجديد نشاطه في شمال العراق في المستقبل، ولضمان تفكيك بنيته العسكرية، ونزع سلاحه بشكل كامل، أو الثقيل منه الذي يمكن أن يشكل تهديدا لتركيا.
وبالتوازي مع هذا النهج، تتبنى أنقرة رؤية شاملة لمعالجة هذه المعضلة، من خلال المساهمة في إنتاج بيئة تقوض قدرة حزب العمال الكردستاني على استثمار الحالة الكردية في دول الجوار لإعادة تجديد نشاطه المسلح.
وتشمل هذه الرؤية حث الحكومة السورية الجديدة على دمج الكرد السوريين في الدولة، والاعتراف بهم كمكون أصيل، وإشراكهم في مؤسسات الدولة.
وبالنسبة للعراق، فإن المعضلة الأساسية في إنتاج مثل هذه البيئة، تتمثل في معالجة مصير قيادات العمال الكردستاني ومسلحيه المتواجدين في جبال قنديل.
وسترتكز هذه المعالجة على المسار السياسي والقانوني في اللجنة البرلمانية التي تم تشكيلها مؤخرا في مجلس الأمة التركي، لتسوية أوضاع هؤلاء القادة والمسلحين، إما من خلال العفو عنهم والسماح لهم بالعودة إلى تركيا، أو من خلال ترحيلهم أو بعضهم إلى دول ثالثة.
على عكس سوريا والعراق، فإن التعاون التركي مع إيران في الحالة الكردية يبدو محدودا، بالنظر إلى الاستثمار الإيراني على مدى سنوات في الحالة الكردية في سوريا والعراق، في إطار المنافسة مع أنقرة.
مع ذلك، فإن إشراك طهران في عملية السلام الجديدة، لتشمل معالجة الارتباط بين الحالة الكردية الإيرانية وحزب العمال الكردستاني، يبقى ضرورة لتعظيم فرص نجاح عملية السلام الجديدة.
إن أي إخفاق لتركيا في معالجة الأسباب الجوهرية التي أدت إلى فشل عمليات السلام السابقة مع حزب العمال الكردستاني، ومن بينها معالجة تواجده في دول الجوار، لا يمكن أن ينتج سلاما مستداما، حتى لو كان بمقدوره الصمود لفترة من الوقت.
كما أن التعاون مع دول الجوار، لا سيما سوريا، والعراق، في عملية السلام الجديدة يعد محوريا في إنجاحها. ولحسن الحظ، فإن التحول السياسي في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، ووجود حكومة حالية في العراق أكثر تفهما لهواجس تركيا من تواجد حزب العمال داخل الأراضي العراقية، يوجدان بيئة لتعاون ثلاثي يمكن أن يساعد في تحقيق سلام مستدام بين تركيا وحزب العمال، ويعيد تشكيل الحالة الكردية الإقليمية وتعريفها.
وفي المحصلة، فإن الحقيقة الثابتة في هذه القضية أن مصالح تركيا، والعراق، وإيران، وسوريا تلتقي في تعاون يعالج الهواجس المشروعة لهذه الدول من الحالة الكردية المسلحة داخل أراضيها، وأن أي تصدير لمعضلة حزب العمال الكردستاني إلى دول الجوار، لن يساهم في معالجة هذه الهواجس، ولا في إنتاج سلام تركي كردي مستدام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات حزب العمال الکردستانی فی دول الجوار فی سوریا یمکن أن من خلال
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.