كيف باتت الصين مفتاح تحول العالم نحو الطاقة النظيفة؟
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
بينما تتراجع الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن سياسات العمل المناخي وتكافح أوروبا لتحقيق طموحاتها الخضراء يترسخ تحول مفاجئ نحو الطاقة النظيفة في العديد من الاقتصادات الكبيرة سريعة النمو، حيث تعيش أغلبية شعوب العالم، ويكمن مفتاح هذا التحول في الصين.
وخلال السنوات الماضية اغتنمت الصين فرصة كبيرة باستخدام تصنيعها على نطاق واسع وبأسعار معقولة لمكونات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتصبح المورد العالمي المهيمن للطاقة النظيفة كما تفيد الأرقام.
فبعد أن تشبعت السوق الداخلية بالألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات والسيارات الكهربائية باتت الشركات الصينية تصدّر الآن تقنيات الانتقال إلى الطاقة النظيفة نحو البلدان المتعطشة للطاقة في العالم النامي وتستثمر مليارات الدولارات في هذا السياق.
ورغم أنها المصدر الأول للانبعاثات عالميا شكّل انتقال الصين نحو الطاقة المتجددة ثورة هائلة كما يقول المحللون، فمع نهاية العام الماضي كانت البلاد قد ركّبت 887 غيغاواطا من الطاقة الشمسية، أي ما يقارب ضعف إجمالي إنتاج أوروبا وأميركا مجتمعتين.
كما ولّدت 1826 تيراواطا/ساعة من كهرباء الرياح والطاقة الشمسية في عام 2024، ومنذ بداية العام الجاري أضافت بكين 300 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أي ما يقارب 5 أضعاف إجمالي الطاقة المتجددة في المملكة المتحدة على سبيل المثال.
ويشير الخبراء إلى أن الصين باتت رائدة عالميا وبلا منافس تقريبا في مجال نشر الطاقة النظيفة.
وقد بدأت البلاد ببناء مزارع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح بوتيرة متسارعة، وتسعى جاهدة إلى الوصول بإجمالي طاقتها الإنتاجية إلى 3600 غيغاواط بحلول عام 2035، وفق التقارير الرسمية.
وتهيمن الصين على سلاسل توريد معدات الطاقة النظيفة الرئيسية عالميا، من الألواح الشمسية إلى المركبات الكهربائية.
إعلانكما تُسجل براءات اختراع في مجال التكنولوجيا النظيفة تفوق بنحو 3 أضعاف ما تسجله بقية دول العالم مجتمعة، وفقا لتحليل صدر حديثا.
ويقول يانغ مويي -وهو محلل في مؤسسة إمبر البريطانية المعنية بشؤون الطاقة، والتي أجرت التحليل- "لقد أصبحت الصين الآن المحرك الرئيسي للتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة".
وعزز حجم تصنيع تكنولوجيا الطاقة النظيفة وتوفر الكفاءات والمواد الخام والقدرة على تحمّل التكاليف هيمنة الصين شبه الكاملة على سلاسل توريد الطاقة النظيفة العالمية ونفوذها بمجال الطاقة في الاقتصادات الناشئة.
أصبحت البلدان النامية في جميع أنحاء أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا الآن من بين أسرع البلدان نموا في تبنّي الطاقة النظيفة، حيث تحصل بعض الأسواق الناشئة على قدر أكبر من الطاقة الشمسية مقارنة بالولايات المتحدة بالاعتماد أساسا على تقنيات صينية.
وتعمل بلدان مثل البرازيل والهند وفيتنام وباكستان على توسيع نطاق استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بسرعة.
وتسعى بلدان نامية أو فقيرة مثل إثيوبيا ونيبال حثيثا إلى الانتقال من مرحلة السيارات التي تعمل بالبنزين إلى السيارات الكهربائية الصينية بالأساس.
وضمن ما باتت تُعرف بـ"دبلوماسية الطاقة النظيفة" أنشأت الصين على مدى السنوات القليلة الماضية منصات رسمية متعددة لتعزيز الإجراءات المناخية وتطوير البنية الأساسية المتجددة في جنوب شرق آسيا.
كما أطلق منتدى التعاون الأفريقي الصيني العام الماضي برنامج "الحزام الشمسي الأفريقي"، وستقدم بكين نحو 14 مليون دولار من الأموال العامة بين عامي 2024 و2027 لتزويد 50 ألف أسرة أفريقية بأنظمة الطاقة الشمسية، حسب تقرير لمعهد الموارد العالمية.
وفي أوائل سبتمبر/أيلول الماضي أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن خطة البلاد لزيادة تعاونها مع 9 دول (كلها تقع في آسيا وشرق أوروبا) في 3 مجالات حاسمة، وهي الطاقة والصناعة الخضراء والاقتصاد الرقمي.
كما أطلق شي برنامجين للطاقة المتجددة يهدفان إلى تركيب ما لا يقل عن 10 غيغاواطات من الألواح الشمسية و10غيغاواطات من توربينات الرياح في هذه البلدان خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويقول أندريه كوريا دو لاغو الدبلوماسي البرازيلي رئيس مؤتمر المناخ العالمي (كوب 30) في البرازيل إن ثورة الطاقة النظيفة في الصين باتت تعيد تشكيل الأسواق والسياسة في العالم، وتمهد مسار التنمية لبعض أسرع الاقتصادات نموا في العالم، ومن وجهة نظر المناخ فإنها تعرض حلولا على البلدان النامية، كما يؤكد.
ورغم استمرار البلدان النامية في الاعتماد على الوقود الأحفوري -بما في ذلك الفحم- فإنها باتت تلبي بشكل متزايد أجزاء كبيرة من احتياجاتها من الطاقة المتجددة، سواء لتوفير التكاليف أو لأسباب تتعلق بأمن الطاقة.
ويحاول كثيرون تقليل كمية الوقود الأحفوري التي يستوردونها، لتخفيف الضغط على احتياطياتهم من العملات الأجنبية.
وأدى الانخفاض السريع في أسعار تكنولوجيا الطاقة الخضراء الصينية إلى جعل هذا التحول ممكنا للعديد من البلدان كما يقول رئيس معهد الموارد العالمية آني داسغوبتا، مشيرا إلى أن ذلك يبين كيف يمكن للتنمية الاقتصادية أن تسير جنبا إلى جنب مع الحد من انبعاثات غازات الدفيئة.
إعلانويضيف داسغوبتا أن الاقتصادات الناشئة جزء مهم جدا من القصة، لأن لديهم أكبر عدد من السكان وأكبر عدد من الفقراء في العالم، ومتطلباتهم على الطاقة آخذة في الازدياد، وإذا لم تتغير هذه الاقتصادات فإنه لا توجد فرصة للعالم للوصول إلى مكان أكثر أمانا، حسب تقديره.
وفي ظل غياب أميركي عن سوق الطاقة النظيفة العالمي وتراجعها عن السياسات المناخية داخليا كانت الصين مركز هذا التحول، إذ تجاوزت استثماراتها التصنيعية في جميع أنحاء العالم ما مجموعه 225 مليار دولار منذ عام 2011، وفقا لتقرير مختبر سياسات صافي الصفر في جامعة جونز هوبكنز الأميركية.
وتذهب 3 أرباع هذه الأموال إلى ما سماها مؤلفو التقرير بلدانا في الجنوب العالمي، وهو مصطلح جماعي للبلدان منخفضة الدخل والاقتصادات الناشئة، ويعد هذا المبلغ أكثر مما ضخته الولايات المتحدة في خطة مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية.
قبل 10 سنوات عندما تم توقيع اتفاقية باريس للمناخ كانت البلدان الصناعية الغنية مثل الولايات المتحدة وأوروبا تقود سياسة المناخ العالمية، وتطالب تعتمد البلدان النامية باتخاذ إجراءات أسرع للحد من انبعاثات غازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري العالمي.
وكانت تلك البلدان تطالب بحقها في التصنيع، وأن البلدان الغنية ينبغي أن تساعدها في تمويل الانتقال إلى وقود أنظف أو ما يسمى "التمويل المناخي"، ولم تتحقق هذه المساعدة المالية على الأغلب، لكن الاقتصاد قد تغير وتغير مركز القوة أيضا.
ولم يكن هذا التحول ممكنا لولا الانخفاض الحاد في تكاليف تقنيات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والذي بدوره لم يكن ممكنا لولا التصنيع الصيني واسع النطاق.
ويقول لارس نيتر هافرو رئيس أبحاث الطاقة الكلية في شركة ريستاد إنرجي النرويجية "لقد شهدنا العالم يبدأ بالاستفادة من هذا الحجم، مما مكن هذه الاقتصادات الناشئة من اغتنام الفرصة للانتقال إلى عصر الطاقة المقبل".
من جهتها، تقول ليندا تشابي محللة السياسة الصينية في مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف -ومقره العاصمة الفنلندية هلسنكي- "إن الدفع القوي للصين ساعد العالم على خفض أسعار التقنيات النظيفة وتسريع التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري، وهو شكل من أشكال القيادة، وهو شيء ملموس للغاية وقابل للقياس ومفيد للغاية اقتصاديا".
فمع انسحاب الولايات المتحدة -وهي أكبر مصدر للانبعاثات تاريخيا- من اتفاقية باريس للمناخ وتراجع الدور الأوروبي ظهر فراغ في القيادة من أجل استقرار المناخ أدى إلى تحول مركز النفوذ والعمل المناخي من البلدان المصنعة إلى النامية.
ومع ذلك، تتزايد المخاوف من إمكانية انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وهي المعاهدة المؤسسة لمحادثات المناخ التابعة للأمم المتحدة (مؤتمرات الأطراف)، مما قد يدفع معركة المناخ العالمية إلى آفاق مجهولة رغم التقدم الحاصل، وفقا للمحللين.
ويقول بايفورد تسانغ مستشار السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية -وهو مركز أبحاث دولي- "في عالم نشعر فيه بقلق أكبر إزاء النشاط الذي يقوم به رئيس الولايات المتحدة فإن وجود دولة (الصين) أو مجموعة من الدول ملتزمة بشيء طويل الأجل أمر مهم للحوكمة العالمية".
ورغم الريادة الصينية في مجال الطاقة النظيفة فإن المحللين يطرحون مخاوف من قدرة بكين -وهي أكبر ملوث في العالم حتى الآن، والتي تعهدت بخفض انبعاثاتها من غازات المسببة للاحتباس الحراري بنسبة 7 إلى 10% فقط- على قيادة العالم نحو تحقيق أهداف المناخ العالمية.
ويقول سون ييكسيان المحاضر البارز المتخصص في السياسة البيئية بجامعة باث في المملكة المتحدة "إن هناك حاجة إلى ضمان عدم قيام دول أخرى باتباع نفس النهج"، في إشارة إلى نكوص الولايات المتحدة عن العمل المناخي العالمي، وتخليها عن الالتزامات المناخية والبيئية، ومحاولة فرض أجندتها المناخية على العالم.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات مبادرات بيئية الشمسیة وطاقة الریاح الاقتصادات الناشئة الولایات المتحدة الطاقة المتجددة البلدان النامیة الطاقة النظیفة الطاقة الشمسیة المناخ العالمی نحو الطاقة هذا التحول فی العالم من الطاقة
إقرأ أيضاً:
اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية
توصل علماء الفلك إلى أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الواقعة خارج منظومتنا الشمسية لها مجالات مغناطيسية، مثل الأرض وخمسة كواكب أخرى في المجموعة الشمسية، وذلك بناء على حركة وسرعة واتجاه الرياح في سبعة كواكب غازية كبيرة وساخنة خارج المجموعة الشمسية.
ويعزز هذا الاكتشاف، المستند على عمليات رصد أجريت بأجهزة التلسكوبات في تشيلي وهاواي، فهمنا لتلك الكواكب إذ يظهر أن بعضها على الأقل يشترك في سمة مهمة موجودة في كل كواكب المجموعة الشمسية الثمانية باستثناء كوكبين.
ورغم أن جميع الكواكب الغازية الواقعة خارج المجموعة الشمسية غير قابلة للعيش عليها، إلا أن وجود المجال المغناطيسي قد يكون أحد العوامل التي ساعدت في جعل كوكب صخري، مثل الأرض، صالحا للحياة.
وتدور هذه الكواكب الخارجية كل منها على مقربة شديدة من نجم كبير وساخن، بحيث يكون أحد جانبيها مواجها للنجم بشكل دائم والجانب الآخر بعيد بشكل دائم، كما هو حال القمر والأرض.
ويطلق على هذا النوع من الكواكب اسم "المشتري الحار" نظرا لتشابه حجمها وتكوينها مع أكبر كوكب في مجموعتنا الشمسية، وإن كانت درجة حرارتها أعلى بكثير. وتراوحت كتلة الكواكب السبعة بين ما يعادل كتلة كوكب المشتري تقريبا وبين أكثر من ثلاثة أمثالها. وتهب رياح قوية من "الجانب المضيء" الحار إلى "الجانب المظلم" البارد على هذه الكواكب، وذلك بسبب قرب مداراتها من نجومها، مما يجعل غلافها الجوي شديد الحرارة على الجانب المضيء. وكلها أقرب إلى نجمها المضيف من قرب كوكب عطارد، أقرب كوكب في مجموعتنا الشمسية، إلى الشمس.
وقالت عالمة الفلك جوليا سايدل من مختبر لاجرانج التابع لمرصد كوت دازور في نيس بفرنسا، والمعد الرئيسي للدراسة التي نشرت اليوم الثلاثاء في دورية (نيتشر أسترونومي) إن "ما قد تتوقعه هو أن الرياح ستكون أقوى في الكواكب ذات درجات الحرارة الأعلى. فكلما زادت الطاقة التي تدخلها في المنظومة، زادت شدة الرياح. لكننا نرى العكس".
وأضافت أن "الكواكب الأشد حرارة هي الأقل عرضة لرياح قوية تؤثر على غلافها الجوي. وهذا أمر غريب حقا مقارنة بما نعرفه عن طبيعة الأغلفة الجوية".
وتابعت قائلة "هذا يعني أن كل تلك الطاقة التي يضخها النجم في الغلاف الجوي للكوكب يجب أن تتبدد بطريقة مختلفة. والاحتمال الوحيد لإبطاء حركة الغلاف الجوي بهذه السرعة هو عبر المجال المغناطيسي وتفاعله مع الجسيمات المشحونة المتحركة في الغلاف الجوي".
وتصل سرعات الرياح على الكواكب السبعة خارج المجموعة الشمسية إلى 25 ألف كيلومتر في الساعة، أي أقوى من تلك الموجودة على كوكب المشتري.
وبالنظر إلى أن معظم كواكب مجموعتنا الشمسية لها مجالات مغناطيسية، يرى الباحثون أنه ليس من المستغرب أن يكون للكواكب الخارجية مجالات مغناطيسية أيضا، لكنهم أشاروا إلى أن العلماء كانوا حتى وقتنا هذا يجدون صعوبة في التوصل إلى أدلة مقنعة.
ويعد المجال المغناطيسي أحد العوامل التي تحدد ما إذا كان الكوكب قادرا على الحفاظ على غلافه الجوي لفترات طويلة من الزمن. فالمريخ على سبيل المثال، كان له مجال مغناطيسي، لكنه فقده قبل مليارات السنين بعد أن برد باطنه، وأصبح الآن بغلاف جوي ضعيف وبيئة غير صالحة للعيش.
وقالت عالمة الفلك بيبيانا برينوث من المرصد الأوروبي الجنوبي في ألمانيا، والمشاركة في إعداد الدراسة "رغم الاعتقاد الخاطئ الشائع بأن المجالات المغناطيسية تحدد بشكل مباشر ما إذا كان الكوكب صالحا للعيش، إلا أنها قد تلعب دورا مهما في (معرفة) كيفية تطور الكوكب عبر الزمن".
وأضافت "الحياة كما نعرفها تعتمد على وجود الغلاف الجوي الذي يساعد في الحفاظ على الضغط على سطح (الكوكب) وتنظيم درجة الحرارة، ويسمح على الأرض بوجود ماء سائل على السطح".