ما فرص نجاح مبادرة الرباعية حول السودان في ظل التصعيد الميداني؟
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
من جديد، عادت المبادرات الرامية لحل الأزمة السودانية إلى الواجهة، بعد أن أطلقت "الرباعية الدولية" -التي تضمّ الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات- جولة مفاوضات مع وفدَي الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025 في العاصمة واشنطن.
وتسعى جولة المفاوضات هذه لمناقشة المبادرة المتكاملة لحلّ الأزمة السودانية، التي تدعو إلى وضع آلية عملية لوقف إطلاق النار وبناء مفاوضات سياسية داخلية تُفضي إلى الحكم المدني التوافقي، في الوقت الذي تتواصل فيه الحرب منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، وبعد أن سيطرة قوات الدعم السريع مؤخرا على مدينة الفاشر.
ورغم أن مبادرة الرباعية تشكل ديناميكية جديدة في محاولة التوصل إلى إحلال السلام، فإنها تعرضها للكثير من العراقيل والتحديات التي قد يكون عائقا في نجاحها.
وحول سياق المبادرة وإمكانيات نجاحها، والعوامل المؤثرة فيها، نشر مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية تقريرا تحليليا يحمل عنوان "مبادرة الرباعية الدولية حول السودان وفرص نجاحها في ظلّ التصعيد الميداني".
وقد حاول التقرير تقديم قراءة عن الإشكالات المطروحة بالنزاع السوداني في ظل هذه المبادرة، وكذلك السيناريوهات المحتملة لمستقبل الحرب القائمة منذ قرابة 3 سنوات.
أولا: سياق المبادرةجاءت مبادرة الرباعية في سياق محاولة القوى الإقليمية والدولية وقف التصعيد العسكري في السودان والعودة للمسار السياسي، في ظلّ ارتفاع منسوب التوتُّر على صدى المواجهات في دارفور وكردفان، وتحديدا في الفاشر والأبيض.
وتزامنت هذه المبادرة مع تفاقم الأوضاع الإنسانية ووصولها إلى مرحلة حرجة، إذ تشير الأرقام الصادرة من الأمم المتحدة إلى أن السودان يواجه واحدة من أشدّ حالات الطوارئ في العالم، حيث يحتاج أكثر من 30 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية، بما في ذلك أكثر من 9.6 ملايين نازح داخليا وحوالي 15 مليون طفل.
إعلانوقد ازدادت الأوضاع الإنسانية والميدانية سوءا بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر، مما دفع الآلاف من السكان لمغادرة المدينة التي باتت تُصنَّف ضمن المناطق المنكوبة.
وفي هذا السياق، دعا البيان الصادر من المجموعة في 11 سبتمبر/أيلول الماضي إلى هدنة مدتها 3 أشهر بين الفرقاء من أجل توفير المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين من السكان المدنيين، على أن يتم إطلاق عملية انتقال سياسي سلمي للسلطة لمدة 9 أشهر تُفضي إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيين.
وتعكس مبادرة الرباعية الدولية اهتمام المجتمع الدولي باستقرار السودان، حيث إن استمراره في حالة الفوضى يُشكِّل تهديدًا مباشراً لأمن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، كما أن اهتمام واشنطن بالأزمة السودانية لا يخرج عن سياق السباق الأميركي الصيني على الموارد والنفوذ.
ثانيا: إمكانات نجاح المبادرةوحول إمكانات نجاح مبادرة الرباعية الدولية لحل الأزمة السودانية، أشارت الدراسة إلى أنه بالرغم من القبول بمرجعية الدول المعنية ومبادرتها التي قد تمثل أساسا لإحلال السلام، فإن هناك العديد من العوامل التي تحدّ من إمكاناتها، تتمثل فيما يلي:
1- موقف مجلس السيادة
فقد أعلن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان رفضه المطلق القبول بمجلس سلام أو حكومة يقول إن الشعب قد رفضها، وهو ما يعني عزوفه عن الدخول في شراكة مع الطرف الآخر.
ويتمسك مجلس السيادة بالإشراف على العملية السياسية بالرغم من أن بيان الرباعية نصّ على أن مستقبل حكم السودان لا يخضع لسيطرة أيّ طرف متحارب.
2- الأوضاع الميدانية
ويعتبر الميدان وما فيه من حرب واقتتال من أبرز العوامل التي تعترض طريق التسوية الذي تهدف إليه الرباعية، إذ ما زالت المواجهات بين الدعم السريع والجيش السوداني في تزايد، الأمر الذي قد يؤثر على المسار السياسي والتفاوضي بشكل عام.
3- المخاوف من الهيمنة الخارجية
قد تخشى بعض القوى السياسية السودانية من أن تؤدي تسوية الرباعية الدولية إلى إعادة إنتاج نموذج الهيمنة الدولية أو المصالح الإقليمية مما يقوض وحدة الصفّ السوداني.
وأشارت الدراسة إلى أن هنالك 3 سيناريوهات محتملة لمستقبل الصراع بالسودان في ظل المبادرة التي أطلقتها الرباعية والهادفة إلى التوصل لاتفاق سلام، وإنهاء الحرب التي فاقمت الأوضاع الإنسانية بشكل لافت للانتباه.
1- سيناريو فشل التسوية واستمرار الحربويبرز هذا الاحتمال مع استمرار غياب الثقة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتصدّع القوى المدنية وتنامي النزاعات القبلية والإثنية.
وقد يقود هذا السيناريو إلى تآكل مؤسسات الدولة، وربما بروز مراكز نفوذ متصارعة تتقاسم الجغرافيا والثروة، بما يحول السودان إلى ساحة مفتوحة لتنافُس القوى الخارجية، في إعادة إنتاج نموذج ليبيا أو الصومال.
2- سيناريو تحقيق التوازنويعني هذا الاحتمال تحقيق التوازن بين الضغوط الدولية والمصالح الوطنية، وتمثل المبادرة الرباعية إطارا عمليا لهذا الاتجاه، ولكنه يظل هشاً أمام أيّ تصعيد عسكري مفاجئ أو تدخل خارجي غير منضبط.
3- سيناريو فرض التسوية
ويقتضي هذا فرض تسوية تُبنى على توافق داخلي بين المكونات العسكرية والمدنية والقَبَلية السودانية، وما يترتب عليها من قيام نظام سياسي جديد يعيد تعريف الدولة الوطنية.
وحسب الدراسة، فإن نجاح هذا السيناريو يتوقف على نضوج طبقة سياسية جديدة تتجاوز منطق الغلبة إلى منطق العقد الاجتماعي، وتؤسس لشرعية مدنية حقيقية.
وخلصت إلى أن مبادرة الرباعية تشكل قوة دفع أساسية للحل السلمي الداخلي في السودان، إذ أطلقتها دول ذات ثقَل، ويستطيع السودان الاستفادة من وزنها للحصول على أفضل معادلة للسلام تضمن شراكات منتِجة تساعد في إعادة بناء الوطن، لكن نجاحها مرهون باستعداد الفاعلين السودانيين لقبول صيغة تجمع بين الضمانات الدولية والمصالحة الوطنية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات دراسات الرباعیة الدولیة الدعم السریع إلى أن
إقرأ أيضاً:
المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
بعيداً عن الصورة النمطية للمخطوطات كأوراق صفراء ترقد في عتمة الأرشيف، تفتح العاصمة الألمانية برلين أبوابها اليوم لحوار من نوع آخر؛ حوار يتصدره الحرف العربي ليُثبت أن إسهامات الشرق لم تكن مجرد جسر عبور، بل حجر أساس في بناء صرح المعرفة العالمية.
ففي قاعات مكتبة برلين الحكومية، التي تحتضن واحدة من أكبر مجموعات المخطوطات الشرقية في أوروبا، انطلقت في مارس/آذار 2026 سلسلة حوارات بعنوان "المخطوطات العربية: تراث إنساني مشترك"، بمبادرة من "الديوان – البيت الثقافي العربي"، التابع لسفارة قطر في برلين، على أن تستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وتتجاوز المبادرة تنظيم فعاليات ثقافية حول التراث العربي في أوروبا، لتطرح مسعى أوسع يتعلق بإعادة إدراج المخطوط العربي في النقاش المعاصر حول تاريخ العلوم وانتقال المعرفة بين الحضارات.
وفي حديثهما للجزيرة نت، يوضح مدير "الديوان – البيت الثقافي العربي" الدكتور لورنس الحناوي، ورئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية الدكتور كريستوف راوخ، كيف تحولت الشراكة إلى منصة لإعادة قراءة التراث العربي بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
من عرض التراث إلى إعادة كتابة السردية المعرفيةيرى الحناوي أن المشروع ينطلق من مقاربة مختلفة للعلاقة الثقافية بين العالم العربي وأوروبا. فبدل تقديم الثقافة العربية بوصفها موضوعا للتعريف، أو مادة تراثية تُعرض على هامش المشهد الأوروبي، يسعى "الديوان" إلى تثبيت حضورها كشريك في إنتاج التاريخ الفكري العالمي نفسه.
ويقول إن المخطوطات العربية المحفوظة في برلين لا تمثل حالة "تراث شرقي" انتقل إلى أوروبا، بل تُشكل جزءا من الذاكرة الفكرية التي أسهمت في بناء العالم الحديث، عبر مسارات انتقال الفلسفة والطب والفلك والعلوم من العربية إلى اللغات الأوروبية.
وبذلك، تبدو المبادرة القطرية، وفق الحناوي، استثمارا بعيد المدى في الدبلوماسية الثقافية؛ إذ لا تكتفي بتقديم صورة إيجابية عن العالم العربي، بل تسعى إلى إعادة إدخاله في السردية العالمية للمعرفة بوصفه أحد صانعيها.
الأثر الثقافي خارج منطق الأرقاملا يقيس الحناوي نجاح هذه المبادرات بعدد الزوار أو الفعاليات، بل بنوعية التحول الذي تُحدثه في نظرة الجمهور الأوروبي إلى التراث العربي. ويضرب مثالا بحضور شاب ألماني إحدى جلسات السلسلة المخصصة لـ"كليلة ودمنة"، لا بدافع الفضول تجاه "الشرق"، بل لاهتمامه بما يطرحه النص من أسئلة عن السلطة والمعرفة وانتقال الأفكار.
إعلانهذا التحول، برأيه، هو المؤشر الأعمق: حين ينتقل المخطوط العربي من كونه معروضا تراثيا إلى مادة للنقاش الفكري المعاصر، ويصبح مدخلا لإعادة التفكير في المركزية الثقافية، وأصول الحداثة، وحركة الأفكار بين الشرق والغرب.
المخطوط بوصفه تاريخا حيا للأفكاريطرح الحناوي تصوراً يتجاوز النظر إلى المخطوطات بوصفها أشياء قديمة محفوظة في الأرشيف. فالمخطوط ليس كتابا صامتا، بل هو أشبه بشبكة تواصل اجتماعي قديمة؛ حيث نرى بصمات الناسخ المتعب، وتعليق القارئ الغاضب أو المعجب على الهوامش، ومسار رحلة الكتاب على ظهور الجمال أو السفن من مدينة إلى أخرى.
ومن هذا المنظور، ناقشت الجلسة الافتتاحية حول "كليلة ودمنة" مسألة لافتة، وهي أن الناسخ لم يكن دائما ناقلا محايدا، بل كان، في أحيان كثيرة، شريكا في تشكيل النص عبر الاختصار أو الإضافة أو التعليق. وتكشف هذه القراءة أن ظواهر مثل سيولة النصوص وإعادة تحريرها المستمرة، التي تُنسب عادة إلى العصر الرقمي، عرفتها الثقافة المخطوطة منذ قرون بصيغ مختلفة.
الزهراوي.. شاهد مادي على الابتكار العلميولم يقتصر هذا الحوار الحي على نصوص الأدب والسياسة كـ "كليلة ودمنة"، بل امتد بقوة ليضع أسس العلم التجريبي الحديث، وهو ما يتجلى بوضوح في المخطوطات العلمية.
من جهته، يشير راوخ إلى أن مجموعة برلين، التي تضم نحو 11 ألف مخطوطة عربية، تحتوي على نماذج مباشرة تكشف إسهام العلماء العرب في إنتاج المعرفة العلمية، لا بوصفهم ناقلين فحسب. ويضرب مثالا بمخطوطة الطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، المعروفة بكتابه في الجراحة، والتي تتضمن رسومات تفصيلية لأدوات جراحية استُخدمت في القرن العاشر الميلادي. ويقول إن هذه الوثيقة تقدم دليلا ماديا على المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية في الطب والجراحة، في مرحلة كانت أوروبا لا تزال بعيدة عن هذا المستوى العلمي.
يتحدث راوخ عن مشروع "قالاموس" باعتباره أحد أهم المسارات المستقبلية للتعامل مع المخطوطات العربية. فالمنصة توثق المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات الألمانية، وتتيح الوصول إليها رقميا، لكنها تتجاوز الإتاحة إلى تمكين الباحثين من تصدير البيانات وتحليلها إلكترونيا.
وبذلك يستطيع الباحث، خصوصا غير الناطق بالعربية، تتبع مسارات النصوص وانتقالها بين المدن ومراكز العلم، وفهم شبكات الشروح والترجمات والتداول، بما يكشف حضور العرب في تاريخ العلوم من زاوية جديدة: لا كنصوص منفردة، بل كجزء من شبكة عالمية لتداول المعرفة.
ما الذي تضيفه الشراكة القطرية؟بحسب راوخ، تكمن أهمية التعاون مع "الديوان" في فتح هذا التراث أمام جمهور يتجاوز الدوائر الأكاديمية المتخصصة. فالمكتبة، رغم إمكاناتها البحثية، تبقى مؤسسة أرشيفية بالدرجة الأولى. أما الشراكة مع مؤسسة ثقافية عربية، فأتاحت نقل المخطوطات من فضاء الحفظ إلى فضاء الحوار العام، عبر فعاليات مفتوحة تربطها بأسئلة معاصرة حول الإنسان وتاريخ التبادل الحضاري.
ويضيف أن المخطوطات القديمة ما تزال قادرة على قول شيء جديد عن تاريخ الأفكار، وعن التداخل الثقافي بين الحضارات، إذا أُعيد تقديمها في سياق معرفي معاصر.
ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026.. نحو بنية معرفية عابرة للحدودلا ينظر القائمون على المشروع إلى السلسلة الحالية باعتبارها حدثا عابرا. فالحناوي يشير إلى أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في حفظ المخطوطات مادياً، بل في منع تحولها إلى تراث معزول عن البحث المعاصر.
إعلانولهذا يجري العمل على ثلاثة مسارات رئيسية بعد انتهاء البرنامج الحالي:
الرقمنة والفهرسة: تطوير مشاريع مشتركة تربط مجموعات برلين بنظيراتها في إسطنبول، القاهرة، الدوحة، باريس ولندن.
التعاون المؤسساتي: بناء شبكة تواصل مؤسساتية بين المكتبات العربية والأوروبية، تتيح جمع أجزاء الذاكرة العربية الموزعة في مؤسسات عالمية مختلفة.
التمكين الأكاديمي: دعم جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين علوم المخطوطات، والإنسانيات الرقمية، والنظرية الثقافية.
دبلوماسية ثقافية تتجاوز الفعالياتتكشف مبادرة "الديوان – البيت الثقافي العربي" عن اتجاه متنامٍ في الحضور الثقافي القطري داخل أوروبا، يقوم على بناء شراكات معرفية طويلة الأمد مع مؤسسات أكاديمية كبرى، بدل الاكتفاء بالفعاليات الموسمية.
وفي حالة برلين، يبدو أن الرهان القطري يتجاوز حفظ التراث أو عرضه، إلى محاولة إعادة وصل المخطوط العربي بتاريخ المعرفة العالمي، وإعادة طرحه بوصفه جزءا من النقاش الراهن حول نشأة الحداثة ومسارات انتقال العلوم بين الحضارات.
بهذا المعنى، لا تدور المبادرة حول الماضي فقط، بل حول سؤال حاضر: كيف يمكن لتراث محفوظ في خزائن أوروبا أن يعود فاعلا في إنتاج المعرفة المعاصرة؟ الإجابة بدأت تتشكل اليوم في قاعات برلين: التراث لا يموت حين يغادر وطنه، بل يموت حين يتوقف عن إثارة الأسئلة.