الجزيرة:
2026-06-03@05:26:34 GMT

لماذا يقرأ نتنياهو كتاب اليهود ضد روما؟

تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT

لماذا يقرأ نتنياهو كتاب اليهود ضد روما؟

غالبا ما تؤدي دراسة العصور القديمة إلى رؤى عميقة في الجغرافيا السياسية المعاصرة، وهي الظاهرة التي أكد عليها الاهتمام الذي حظيت به أعمال المؤرخ العسكري باري شتراوس، وخاصة كتابه "اليهود ضد روما: قرنان من التمرد ضد أقوى إمبراطورية في العالم"، الذي نُشر في أغسطس/آب 2025.

صدر الكتاب في حقبة اتسمت بالصراع الشديد في الشرق الأوسط، وهو يقدم سردا تاريخيا مفصلا لنضال الشعب اليهودي المطول ضد الإمبراطورية الرومانية بين عامي 63 قبل الميلاد و136 ميلاديا، ويغطي ثلاث انتفاضات رئيسية: الثورة الكبرى، وثورة الشتات، وثورة بار كوخبا الكارثية.

الرنين المعاصر لعمل شتراوس، الذي يقدم "سردا آسرا يربط الماضي بالحاضر"، يبرز بشكل خاص من خلال الاعتراف بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يقرأ الكتاب، وكان دافعه المُعلن إستراتيجيا للغاية: "لقد خسرنا تلك المباراة، وأعتقد أن علينا أن نفوز في المباراة التالية".

يُحوّل هذا البيان قراءة التاريخ القديم إلى فعل تشاور إستراتيجي فوري، مما يجعل الكتاب بمثابة "دليل في الوقت المناسب لليوم". وتعكس هذه التطورات الدروس الإستراتيجية العميقة التي يدركها القادة الحاليون في سرديات المرونة والانقسام وإدارة المنافسين الإمبرياليين الإقليميين.

بصفته زميلا بارزا في مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد العريقة، وباحثا مخضرما في التاريخ اليوناني والروماني القديم، وشغل منصب أستاذ زائر متميز في قسم تحليل الدفاع بكلية الدراسات العليا البحرية الأميركية، وله تأثير على صناع القرار، فقد صاغ شتراوس روايته بوعي لرسم أوجه التشابه بين الصراعات القديمة والنضالات الحديثة، مشيرا إلى أن "الماضي هو صورة طبق الأصل من الصراعات الحالية".

وبالنسبة للقيادة الإسرائيلية المعاصرة التي تواجه اليوم تحديات أمنية وجودية، فإن الكتاب بمثابة مختبر تاريخي لاختبار الفرضيات المتعلقة بالبقاء الوطني، وعواقب الاحتكاك الداخلي، وحساب المخاطر في مواجهة القوة الساحقة.

إعلان

من هنا تأتي أهمية تحليل الدروس الإستراتيجية المحددة المستمدة من رواية شتراوس الشاملة ومزاعمه حول التمردات اليهودية التي تتردد أصداؤها بقوة مع الوضع الجيوسياسي الحالي لإسرائيل، ويشرح القيمة الإستراتيجية لهذا النص التاريخي لقيادتها.

رغبة نتنياهو المُعلنة في الاستمرار في منصبه، تتعامل بشكل مباشر مع الموضوع الرئيسي للكتاب، وهو المرونة اليهودية، والتي حددها شتراوس باعتبارها واحدة من أعظم حالات البقاء على قيد الحياة في التاريخ

السياق الجيوسياسي: إعادة تقييم التنافس الإيراني

أحد الدوافع الفكرية الأساسية لشتراوس في تأليف كتابه، والذي بدأ حوالي عام 2020، كان العداء الحديث المذهل بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يتناقض هذا العداء الحديث بشكل صارخ مع الديناميكية التاريخية التي يستكشفها الكتاب، والتي تكشف عن علاقة معقدة ومفيدة في كثير من الأحيان بين الدولة اليهودية القديمة، والإمبراطوريات الإيرانية، وخاصة الإمبراطورية البارثية.

امتدت الإمبراطورية البارثية، التي استمرت من حوالي عام 247 قبل الميلاد إلى عام 224 ميلاديا، من نهر الفرات إلى جبال الهيمالايا، وسيطرت على طريق الحرير.

بالنسبة للشعب اليهودي، الواقع على حافة الإمبراطورية الرومانية، كانت بارثيا بمثابة موازنة جيوسياسية ثابتة: إمبراطورية شرقية متمركزة ضد القوة الغربية لروما. هذا الموقع الإستراتيجي، الذي يقع بين عملاقين، يعني أن يهودا كانت تتفاوض بين حلفاء وأعداء متغيرين باستمرار.

يسلط شتراوس الضوء على الإمبراطوريات الإيرانية القديمة – كورش الكبير الذي سمح لليهود بالعودة من المنفى البابلي، والبارثيين – باعتبارها إمبراطوريات صديقة لليهود تاريخيا.

خلال قرنين من الثورة، وفرت الجالية اليهودية الكبيرة في الإمبراطورية البارثية ملاذا ومصدرا ثابتا ودائما للأمل في الحصول على المساعدة ضد روما.

إن هذا الأمل في التدخل يشبه إلى حد كبير المساعدة الحاسمة التي قدمتها فرنسا في الثورة الأميركية عام 1765، وهو تشبيه يطرحه شتراوس صراحة. كان هذا الأمر محوريا في الحسابات الإستراتيجية للمتمردين، على الرغم من أن اليهود لم ينجحوا في النهاية في إقناع بارثيا بالتدخل بالقوة.

يدعي شتراوس بشكل مقنع أن العداء المميت الحالي الذي تظهره الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه إسرائيل هو "انحراف" عن العلاقة التاريخية النموذجية بين الإيرانيين واليهود، والتي تضمنت عموما علاقات جيدة نسبيا على مدى آلاف السنين.

بالنسبة لزعيم حديث يحلل تعقيدات توازن القوى الإقليمي، يشير هذا السياق التاريخي إلى أن السياسة الإيرانية الحالية ليست حتمية متجذرة في عداوة تاريخية عميقة، بل هي موقف سياسي يمكن، من الناحية النظرية، أن يكون عرضة للتغيير. وبالتالي، فإن التحليل التاريخي يوجه التفكير الإستراتيجي بشأن التحالفات الإقليمية طويلة الأمد، مقابل الصراع الفوري الذي تحركه الأيديولوجيات.

الضرورة الدائمة للمرونة

رغبة نتنياهو المُعلنة في الاستمرار في منصبه، تتعامل بشكل مباشر مع الموضوع الرئيسي للكتاب، وهو المرونة اليهودية، والتي حددها شتراوس باعتبارها واحدة من أعظم حالات البقاء على قيد الحياة في التاريخ. الكتاب بمثابة زعم في شكل "شهادة" على "القوة الروحية الدائمة" للشعب اليهودي، ويشرح بقاءهم.

على حد قول المؤلف، فإن الطبيعة المستمرة للصراع مذهلة: كان اليهود "المتمردين الأكثر تصميما" على روما، حيث صمدوا لفترة أطول من الغال، أو الألمان، أو البريطانيين، أو حتى القرطاجيين. هذا الإصرار، الذي تغذيه العزيمة الوطنية والمرونة، يتجلى جسديا وروحيا في:

إعلان

1- المقاومة الجسدية رغم الكارثة: انخرط اليهود في ثلاث ثورات كبرى خلال قرنين من الزمان، على الرغم من خسارتهم الكارثية للثورة الكبرى بتدمير القدس والمعبد في عام 70 ميلاديا.

تجلى هذا الصمود في تطوير تكتيكات عسكرية متطورة. على سبيل المثال، في ثورة بار كوخبا (132-136 ميلاديا)، استخدم المتمردون تكتيكات حرب العصابات، فبنوا ملاجئ تحت الأرض وأنفاقا وكهوفا لشن هجمات مباغتة على الفيالق الرومانية، مما فاجأهم تماما.

أجبر هذا الابتكار التكتيكي والمثابرة روما على نشر موارد هائلة، بما في ذلك نقل حاكم بريطانيا، يوليوس سيفيروس، إلى يهودا – وهو مقياس واضح للتهديد.

2- البقاء الروحي: حتى عندما يتم سحقك جسديا، فإن الروح لم تنكسر. فبعد تدمير الهيكل، قام القادة اليهود – الحكماء والعلماء الذين أصبحوا الحاخامات – بهندسة مقاومة روحية قائمة على التوراة، وتأسيس خدمات وممارسات دينية يومية استمرت في الدين دون الهيكل.

حافظت هذه الإستراتيجية الناجحة طويلة الأمد للمقاومة الروحية على الهوية الوطنية، وأثبتت في النهاية أنها "أقوى من روما".

الدرس المعاصر الرئيسي هنا، والذي استخلصه شتراوس صراحة، هو أن أعداء إسرائيل المعاصرين (مثل حماس وإيران) ربما ارتكبوا "خطأ فادحا في الحسابات" من خلال التقليل من شأن هذه القوة والتصميم التاريخيين، ولكن أليست هذه القوة الروحية هي التي ضمنت استمرار حماس والمقاومة لأكثر من عامين أيضا؟

كدليل إستراتيجي، يُعزز كتاب اليهود ضد روما نبع الخبرة التاريخية الغني، والموارد الدينية المتاحة للشعب الإسرائيلي، مؤكدا أن "إسرائيل لن تزول".

التحذير من الشقاق الداخلي

ولعل الدرس الإستراتيجي الأكثر قوة وإلحاحا للقيادة الحالية للكيان الصهيوني، وخاصة في سياق الصراعات السياسية الداخلية الأخيرة، يتعلق بالدور المدمر الذي لعبه الانقسام في التمردات القديمة.

كانت الثورات القديمة تعاني باستمرار من الصراعات الداخلية والقتال الفصائلي، والذي يُشار إليه غالبا في التقاليد اليهودية باسم "الكراهية بلا سبب" (سينات هينام).

على سبيل المثال، خلال الثورة الكبرى، فضلت الفصائل المتمردة المختلفة – بمن في ذلك المتعصبون والسيكاريون (رجال الخناجر) – اللجوء إلى العنف ضد مواطنيهم بدلا من التركيز فقط على العدو الروماني.

لقد كانت لهذه الحرب الداخلية عواقب كارثية مباشرة:

1- التخريب الذاتي: قام المتمردون في القدس بتدمير إمدادات الحبوب الخاصة بهم، وحرق مخازن الغذاء الخاصة ببعضهم البعض، وتجويع السكان، مما أدى إلى تقصير الحصار بشكل كبير، وتسهيل انتصار روما.

خلص يوسيفوس، المؤرخ الشهير الذي عاين ذلك، إلى أن "الصراع المدني هو الذي أخضع المدينة، وأن الرومان كانوا يعتبرون الصراع المدني عدوا أقوى بكثير من أسوار المدينة".

2- تشجيع العدو: يربط شتراوس صراحة هذا الضعف التاريخي بالتحليل المعاصر: "إن الافتقار إلى التماسك في إسرائيل هو أحد الأسباب التي شجعت الجانب الآخر على الهجوم في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول".

وهكذا، تعمل رواية اليهود ضد روما كتحذير خطير ضد التفتت السياسي والاجتماعي في الأوقات العصيبة. بالنسبة لزعيم يشتبك مع صراع طويل الأمد، فإن السجل التاريخي للتدمير الذاتي يعمل كحجة مقنعة لإعطاء الأولوية للتماسك الوطني فوق النزاعات الفصائلية، خشية أن تتم دعوة العدو للضرب.

حدود القوة الرومانية

لا يُتصوّر أن يقتصر اهتمام نتنياهو على الجانب اليهودي فحسب، بل يتعدّاه إلى فهم إستراتيجية "الإمبراطورية العظمى في العالم".

يسلط الكتاب الضوء على الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها روما، ويقدّم قصصا تحذيرية لأي دولة قوية تدير شعبا معاديا.

لقد أساءت روما إدارة الصراع في كثير من الأحيان، وفشلت في تحقيق السلام الدائم على الرغم من قوتها العسكرية الساحقة.

إعلان

الأخطاء الرومانية الرئيسية تشمل:

1- سياسات "الفائز يأخذ كل شيء": بدلا من الانخراط في تسوية وتوازن القوى، غالبا ما اتبعت روما "سياسة الفائز يأخذ كل شيء".

كان القادة -مثل الملك هيرودس الكبير، الذي حاول إيجاد توازن بين الهوية اليهودية والمطالب الرومانية- ذوي قيمة إستراتيجية، لكن روما غالبا ما كانت تفتقر إلى "الحنكة السياسية" اللازمة للحفاظ على هذا الاستقرار طويل الأمد.

2- حماقة الإذلال: بعد سحق الثورة الكبرى، فرضت روما ضريبة fiscus Judaicus سيئة السمعة؛ وهي ضريبة مهينة تبلغ دِراخْمتين تُفرض على كل يهودي في الإمبراطورية، بغض النظر عما إذا كانوا قد دعموا الثورة أم لا، وتُدفع إلى خزانة جوبيتر أوبتيموس ماكسيموس، الإله الوثني الرئيسي في روما.

إن هذا العمل من الإذلال اللاهوتي والسياسي، الذي صُمم لإجبار اليهود على الولاء لروما ومحو ذكرى الهيكل، لم يؤدِ إلا إلى تأجيج الاستياء والتمردات المستقبلية، وتعزيز "الروح الثورية المستمرة" للشعب اليهودي.

3- الفشل في التفكير على المدى الطويل: غالبا ما فشل الإداريون الرومانيون في التفكير على المدى الطويل، أو تحقيق التوازن الصحيح في التعامل مع المقاطعات، مما أدى إلى خلق ظروف ضمنت "الثورة التالية".

اعتبر اليهود قرار هادريان بإعادة بناء القدس كمدينة وثنية، مع المعابد التي تكرّم جوبيتر والإمبراطور، بمثابة إهانة عميقة، وكان بمثابة وقود حارق لثورة بار كوخبا.

الدرس المستفاد للقادة المعاصرين هو أن النصر العسكري والقمع الشديد وحدهما لا يكفيان لضمان السلام. إن إستراتيجيات السيطرة القائمة على الإذلال ومحو الهوية الوطنية قد لا تضمن سوى المقاومة المستقبلية وتتطلب نشرا مستمرا ومكلفا للقوات العسكرية. نشأ فشل روما من عدم إيجاد "المزيج المناسب من الحوافز لمنح الشعب المهزوم ضمانا بعدم تكرار ذلك".

المحارب في مواجهة الحاخام

يتحدى الكتاب ضمنا القادة المعاصرين للتمييز بين البطولة التكتيكية والجدوى الإستراتيجية. الشخصيات التي أُعجب بها لبراعتها العسكرية – مثل سمعان بن جيورا، وإليعازر بن يائير، وبار كوخبا – قادوا ثورات كانت "إخفاقات مجيدة". قاد هؤلاء أمتهم في النهاية إلى الكارثة والاستعباد الجماعي والنفي.

يرى شتراوس أنه، وعلى النقيض من ذلك تماما، كانت الإستراتيجية الناجحة طويلة الأمد رائدة من قبل الحكماء، ولا سيما يوهانان بن زكاي (الذي هرب من القدس لتأسيس أكاديمية للتعاليم الدينية)، والحاخام يهوذا الأمير.

لقد أدرك هؤلاء الرجال أن "المقاومة المسلحة ضد الإمبراطورية الرومانية كانت عقيمة". لقد طوروا منهجية للمقاومة الروحية، مع التركيز على الحفاظ على التوراة والهوية اليهودية، وضمان البقاء كأمة بلا دولة.

تفرض البيانات التاريخية التي تتبعها المؤلف إجراء تقييم إستراتيجي دقيق: فالحاخام يهوذا الأمير، الذي شغل فيما بعد منصب (البطريرك) اليهودي بموافقة الرومان، كان قدوة في التواضع تجاه السلطة الحاكمة، بينما كان يعتقد في داخله أن الحكم الروماني كان مؤقتا ومقدرا له الفشل.

لقد ضمن الحاخامات، الذين أطلق عليهم شتراوس مجازيا اسم "أوديسيوس" لدهائهم وحكمتهم، أنه على الرغم من الحفاظ على الروح اليهودية، إلا أن الروح العسكرية قد تم إخمادها إلى حد كبير لعدة قرون.

إن هذه الجدلية التاريخية تطرح على القيادة الحديثة سؤالا حاسما: أتسعى إلى مقاومة قصيرة الأجل وبطولية ولكنها قد تكون مدمرة، أم تتبنى إستراتيجية طويلة الأمد وصبورة للحفاظ على روح المقاومة حتى في ظل الانكسارات العسكرية؟ أم تَرمِي بنفسها في أحضان التعامل البراغماتي مع القوى العالمية المهيمنة؟ أم تجمع بين إستراتيجيات متعددة تضمن بها تحولات إستراتيجية في الصراع التاريخي الممتد؟

تأكيد الشرعية التاريخية

وأخيرا، ينحاز كتاب اليهود ضد روما ويدعم الخطاب الإستراتيجي الحديث من خلال تناول الحجج التي تشكك في شرعية إسرائيل الأساسية بقوة.

عمل شتراوس، الذي يُفصّل قرنين من النضال اليهودي من أجل الاستقلال في الأرض، بما في ذلك دولة بار كوخبا التي أصدرت عملاتها الخاصة التي تؤكد هوية "إسرائيل" و"استرداد القدس"، بمثابة رواية مضادة قوية لفكرة أن إسرائيل مجرد "دولة استعمارية استيطانية".

يحاول السجل التاريخي الذي يقدمه شتراوس أن يثبت أن المنطقة كانت، على مدى آلاف السنين، الموطن التاريخي لليهود، وهي مليئة بالأدلة الأثرية على الوجود اليهودي المستمر والتمرد والحياة الثقافية، ولكنه يفترض ضمنا- وقد ثبت خطأ ذلك علميا- أن يهود اليوم في فلسطين هم امتداد تاريخي لمن أقام منهم فيها قبل آلاف السنين.

إعلان

في جوهره، بالنسبة لرئيس الوزراء نتنياهو، لا تُعدّ استشارة اليهود ضد روما مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة إستراتيجية.

يُقدّم الكتاب منظورا تاريخيا قويا يُمكن من خلاله تحليل الصراع الحالي من خلال تسليط الضوء على: المزايا الإستراتيجية المذهلة للعلاقة التاريخية مع إيران؛ وضرورة الوحدة الداخلية لحرمان الخصوم من فرصة؛ ومخاطر الاعتماد المفرط على القوة وإذلال القوى المهيمنة؛ وفي نهاية المطاف، انتصار المرونة والإستراتيجية طويلة المدى على الحماسة العسكرية التكتيكية.

وتبقى الرسالة المحورية تحذيرية: الوحدة والإستراتيجية المدروسة ضروريتان للبقاء، لأنه كما يُشير شتراوس، إذا كان الشعب اليهودي متحدا، فإنه "يكاد يكون لا يُقهر".

ويبقى التساؤل مطروحا: ما الذي يمكن أن يستخلصه زعيم عربي لو قرأ كتابا مثل هذا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات على الرغم من طویلة الأمد غالبا ما من خلال الذی ی

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من قلب روما.. إنجي المقدم تشارك جمهورها لحظات من عطلتها الصيفية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • إيطاليا تحتفل بمرور 80 عاما على قيام الجمهورية بعرض عسكري في روما.. فيديو
  • فرهود العراق.. إسرائيل تستذكر دماء اليهود في بغداد
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟