حديث المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة فولكر تورك أمس أمام مجلس حقوق الإنسان إن “السودان عالق في حرب تُخاض بالوكالة للسيطرة على موارده الطبيعية”، وتحذيره من جرائم إبادة واغتصاب وتهجير قسري، ذلك يعد اعتراف أممي بتوصيف الحرب توصيفا صحيحا أنها حرب ذات سمات إرهابية تُدار بتمويل خارجي ودعم إقليمي.

الرجل كما هو معلوم صاحب أعلى منصب حقوقي أممي لذلك هذه شهادة دولية لا لبس فيها حول طبيعة العدوان على السودان، هذا التصريح المهم يفتح الباب أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية تجاه السودان، تستوجب دعمه للقضاء على هذا التمرد المدعوم إقليميا طمعًا في ثرواته وموارده.

هذا الحدث يُعد من الناحية الاستراتيجية انقلابًا ناعمًا في المشهد الدولي، إذ بدأ صوت الشرعية ينتقل تدريجيًا من خطاب “حرب أهلية داخلية” إلى خطاب “عدوان خارجي عبر وكلاء محليين”. هذا التحول يحمل مكاسب سياسية للحكومة السودانية، كونه يفتح الباب لشرعنة تعبئة داخلية وخارجية تحت عنوان الدفاع عن الذات والسيادة.

تزامنا مع ذلك رحبت الخارجية السودانية بقرار مجلس حقوق الإنسان الذي أكد سيادة السودان ووحدة أراضيه، ورفض أي سلطة موازية. وأكدت التزامها بالتعاون في مجال حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن مكتب المفوضية السامية في السودان هو الجهة المعنية برصد الانتهاكات وتحقيق العدالة للضحايا.

في المقابل أعلنت الحكومة السودانية التعبئة العامة ودعت المواطنين لحمل السلاح، في خطاب مؤثر لرئيس مجلس السيادة أول أمس من قرية السريحة، التي شهدت مذبحة راح ضحيتها أكثر من 120 مدنيًا وفق تقارير دولية. هذا الإعلان يتجاوز الرد على جرائم الدعم السريع، ليشكل تحولًا استراتيجيًا نحو تعبئة وطنية تهدف إلى حماية الدولة وتثبيت كيانها.

هذا التوصيف الجديد للصراع بحسب تورك يمنح الحكومة السودانية شرعية سياسية وشعبية واسعة لخوض حرب دفاعية لا يمكن تصويرها بعد اليوم كحرب داخلية أو صراع بين جنرالين كما يصورها البعض.

إن الاعتراف الأممي بأن الحرب مرتبطة بأطماع خارجية ومصالح في الموارد الطبيعية يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية، ويُقرّب من إمكانية تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية.

هذا الخيار بات مطروحًا، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مؤخراً، والتي أدانت بشكل صريح ارتكاب مليشيا الدعم السريع “فظائع ممنهجة” في الفاشر، مع دعوة دولية لوقف دعمها. وتأتي هذه المواقف متزامنة مع بحث جاد في واشنطن لتصنيفها كمنظمة إرهابية، في إطار مسار متصاعد يستند إلى أدلة ميدانية وتوثيق قانوني لمجازرها.

وإذا ما أُعيد تركيب المشهد وفق هذه المعادلة الجديدة التي تجمع بين تعبئة البرهان ومنح الحرب إطارها القانوني والسياسي ، يمكن القول إن السودان يقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة، عنوانها: “المعركة من أجل السيادة ورد العدوان”. دولة تدافع عن وحدة أرضها ومليشيا تحارب بالوكالة عن أطراف خارجية ترى في موارد السودان فرصة، وفي فوضاه مجالًا لتحقيق أهدافها.

نحن اليوم أمام مشهد دولي جديد يتحرك لصالح الدولة السودانية، إذا ما أُحسن توظيفه. ولأول مرة منذ اندلاع الحرب، توجد أرضية واضحة يمكن للحكومة السودانية وحلفائها البناء عليها لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة:

تصعيد المواجهة العسكرية داخليًا وخارجيًا بوصفها حرب دفاع شرعي ضد مليشيا إرهابية، لا مجرد نزاع سياسي أو صراع على السلطة.

بالإضافة الي حشد دعم دبلوماسي إقليمي ودولي لدفع مجلس الأمن وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية أو جهات مختصة أخرى نحو إصدار قرارات ملزمة بتجفيف مصادر تمويل وتسليح ميليشيا الدعم السريع.

كذلك هذا فتح الباب أمام المساءلة القانونية الدولية ضد قادة المليشيا ومموليها، بناءً على تقارير أممية وإعلام غربي موثق.

يمكن القول إن السودان حقق تقدمًا ملحوظًا في مساره الدبلوماسي بعد دخول مليشيا الدعم السريع إلى الفاشر، حيث قدمت الخارجية ملفًا قانونيًا موثقًا إلى الأمم المتحدة حول الانتهاكات، مما أسفر عن إدانة واضحة من مجلس حقوق الإنسان ودعوة للتحقيق والمحاسبة. هذا التحرك يشير إلى انتقال، ترتيب المشهد السياسي والعسكري وفق سردية جديدة تعزز من شرعية الدولة وتضعف من موقف داعمي المليشيا داخليًا وخارجيًا.

وفي هذا السياق يشكل تلاقي تصريح تورك مع تعبئة البرهان لحظة مفصلية تمنح السودان وحلفاءه غطاءً سياسيًا أوسع لمواجهة التدخلات ودعم وكلاء الصراع، سواء على أرضه أو في العواصم التي تدعمهم.

وفقًا لـ #وجه_الحقيقة، فإن السودان اليوم يواجه حربًا تتجاوز ثنائية الجيش والمليشيا، لتصبح صراعًا على مستقبل البلاد ، بين إرادة شعب يسعى لصون استقلاله، وقوى إقليمية ودولية تسعى لإعادة تشكيله. وبين إعلان التعبئة واعتراف تورك ، علي السودانيون أن ينهضوا بوعي لصيانة الذاكرة الوطنية والدفاع عن السيادة. ويبقى الأمل معقودًا على أن يتحول هذا الوعي إلى مشروع وطني جامع، يتجاوز مخازي الحرب، ويضع أسس سلام عادل، يستمد قوته من الهوية والعدالة ووحدة المصير، فالأوطان لا تُحمى بالرصاص وحده، بل بالوعي والانتباه.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأحد 16 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: حقوق الإنسان الدعم السریع

إقرأ أيضاً:

أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد

​منذ أيام قليلة، انتشرت تقارير بعنوان هل ينجح الذكاء الاصطناعي في هزيمة السرطان؟..  وربما يمنح هذا العنوان، للوهلة الأولى، صورة ذهنية براقة وبصيصاً من الأمل في دحر ذلك الغول المتوغل داخل أجساد ملايين البشر حول العالم. ودار فحوى التقرير حول ثورة الذكاء الاصطناعي كتقنية واعدة، وقدرة الخوارزميات الفائقة على تحليل مليارات البيانات الطبية في فترات قياسية، مما يتيح للعلماء ميزة غير مسبوقة للتنبؤ بطبيعة الخلايا الخبيثة واختصار أمد البحث المخبري الشائك، وهو ما يبشر برسم خارطة طريق مغايرة تماماً للمستقبل العلاجي.

​لكن خلف هذا البريق التكنولوجي الأخاذ، تغيب عن وعي قطاع عريض من المجتمعات حقيقة بيولوجية وتاريخية صارمة؛ وهي أن ولادة أي عقار دوائي جديد، سواء لمقاومة الأورام أو الفيروسات أو الميكروبات، ليست مجرد معادلة رقمية تظهر بضغطة زر، بل رحلة شاقة قد تمتد لأكثر من عقد كامل. تبدأ هذه المسيرة الحتمية داخل المعامل بعزل المركبات الكيميائية وتقييم أمانها الأولي على الخلايا الحية والحيوانات، وهي مرحلة البحوث التي تستغرق وحدها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وتمثل الحيز الوحيد الذي تستطيع التقنيات الحديثة تسريع وتيرته الرقمية، دون امتلاك القدرة على تخطي ما يليها من مراحل ومحطات تفرضها الطبيعة البشرية ذاتها.

​ويعود هذا العجز التقني أمام خطوة التطبيق على الإنسان بالأساس إلى أن الطبيعة البشرية تمثل منظومة حيوية فريدة وبالغة التعقيد، لا تزال الخوارزميات الرقمية عاجزة عن فك شفراتها السيكولوجية والبيولوجية؛ فالآلة الصماء، مهما بلغت قدرتها على محاكاة البيانات والتنبؤ بها، لا يمكنها استيعاب التداخلات الغامضة بين الجينات المستقرة، والحالة النفسية للمريض، والتفاوت البيئي، وتنوع آليات الاستجابة المناعية من جسد لآخر، وهي متغيرات لا تخضع لمنطق المعادلات الحسابية الجامدة، مما يجعل رصد تفاعلات الدواء داخل الجسد حكراً على المراقبة الحية الصارمة.

​وهنا تحديداً، يدخل المشروع العلاجي نفق "التجارب السريرية" على البشر، وهو المسار الأكثر حساسية ودقة؛ إذ يتدرج الباحثون على مدار خمس إلى سبع سنوات أخرى في اختبار العقار عبر ثلاثة أطوار متلاحقة؛ تبدأ بحفنة من المتطوعين الأصحاء للتأكد من السلامة، ثم مئات المرضى لتقييم الفعالية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص حول العالم لرصد الآثار الجانبية النادرة ومقارنتها بالبدائل السائدة. وحين تنتهي تلك الأعوام الطويلة من المراقبة اللصيقة، يخضع الملف بأكمله لمراجعات وفحوصات دقيقة من الهيئات التنظيمية الرسمية قد تستغرق عامين إضافيين قبل منح رخصة التداول، لتصبح المحصلة النهائية قرابة اثني عشر عاماً من التدقيق والتمحيص؛ وهي المعرفة التي تمثل حجر الزاوية في أمننا الصحي، والدرع الأول في مواجهة التضليل.

​وأمام هذا الغياب التام للحقائق الرقمية والبروتوكولات الصارمة عن وعي البسطاء، يولد فراغ معرفي خطير يمثل الثغرة المثالية التي ينفذ منها سماسرة الطب الزائف ومعدمو الضمير. وهنا تحديداً، يُقحم مرتزقة "شركات بئر السلم للأدوية" أنفسهم؛ تلك الكيانات العشوائية التي تعد الأشد فتكاً بصحة المرضى لعدم استنادها إلى أي معايير تصنيعية عالمية، بل تعتمد بالكامل على فبركة نتائج الأبحاث الجارية، وإقناع الملهوفين على الشفاء بأنها توصلت لصياغة مستحضرات ناجزة تصنع المعجزات في علاج أمراض مزمنة كداء السكري وخشونة الركبة المتقدمة وغيرها من الأمراض العضال.

​ولم تكن هذه التجارة الآثمة بآلام البشر لتدور في معزل عن شركاء آخرين، بل تكتمل فصولها بتحالف مخزٍ يضم أنصاف الأطباء ممن ينتسبون زوراً لتلك المهنة السامية ويتدثرون بردائها لتمرير الوهم، تساندهم منصات فضائية تقبل ببث الأكاذيب لقاء مقابل مادي. ولعل الطعنة الأشد إيلاماً في جسد الوعي المجتمعي تأتي من بعض الفنانين الذين تورطوا في تقديم "إعلانات استشهادية رخيصة" يؤكدون فيها تمام شفائهم بعد استخدام تركيبات دوائية مجهولة؛ في سقطة معرفية وأخلاقية مدوية لا تعكس مطلقاً القيمة الفنية التي أبدعوها على مدار سنوات كقادة رأي كان يُفترض بهم صون وعي الجماهير لا تضليله!

​وفي غمرة هذا الطوفان الإعلاني المزيف، لن تغلق ثغرة الوعي تلك إلا بيقظة المشاهد نفسه، وعدم الانصياع لاستراتيجيات الإغراق الإعلاني المنظم التي يراهن عليها هؤلاء المروجون لتمرير أوهامهم البصرية؛ فحماية الجسد البشري من رواج هذه المنتجات غير المؤثرة، وربما الضارة والمدمرة للصحة، تبدأ من رفض التجاوب معها، والتمسك بالحقائق والمسارات العلمية الصارمة كحصن أول وأوحد لأمننا البشري والصحي. 
 

طباعة شارك الذكاء الاصطناعي السرطان ثورة الذكاء الاصطناعي الخوارزميات

مقالات مشابهة

  • "سودان تربيون": مباحثات مفاجئة بين البرهان وأردوغان في أنقرة
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • تصريح مفاجئ من روبيو بشأن وفد إيران في كأس العالم
  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • الرئيس أردوغان يستقبل البرهان في أنقرة
  • حوار الوجعة: البرهان يرفض مشاركة البرهان..!
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • أزمة تصريح السفر تحرم إمبولو من مرافقة بعثة سويسرا لمونديال 2026