إبراهيم شقلاوي يكتب: تصريح فولكر تورك وتعبئة البرهان
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
حديث المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة فولكر تورك أمس أمام مجلس حقوق الإنسان إن “السودان عالق في حرب تُخاض بالوكالة للسيطرة على موارده الطبيعية”، وتحذيره من جرائم إبادة واغتصاب وتهجير قسري، ذلك يعد اعتراف أممي بتوصيف الحرب توصيفا صحيحا أنها حرب ذات سمات إرهابية تُدار بتمويل خارجي ودعم إقليمي.
الرجل كما هو معلوم صاحب أعلى منصب حقوقي أممي لذلك هذه شهادة دولية لا لبس فيها حول طبيعة العدوان على السودان، هذا التصريح المهم يفتح الباب أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية تجاه السودان، تستوجب دعمه للقضاء على هذا التمرد المدعوم إقليميا طمعًا في ثرواته وموارده.
هذا الحدث يُعد من الناحية الاستراتيجية انقلابًا ناعمًا في المشهد الدولي، إذ بدأ صوت الشرعية ينتقل تدريجيًا من خطاب “حرب أهلية داخلية” إلى خطاب “عدوان خارجي عبر وكلاء محليين”. هذا التحول يحمل مكاسب سياسية للحكومة السودانية، كونه يفتح الباب لشرعنة تعبئة داخلية وخارجية تحت عنوان الدفاع عن الذات والسيادة.
تزامنا مع ذلك رحبت الخارجية السودانية بقرار مجلس حقوق الإنسان الذي أكد سيادة السودان ووحدة أراضيه، ورفض أي سلطة موازية. وأكدت التزامها بالتعاون في مجال حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن مكتب المفوضية السامية في السودان هو الجهة المعنية برصد الانتهاكات وتحقيق العدالة للضحايا.
في المقابل أعلنت الحكومة السودانية التعبئة العامة ودعت المواطنين لحمل السلاح، في خطاب مؤثر لرئيس مجلس السيادة أول أمس من قرية السريحة، التي شهدت مذبحة راح ضحيتها أكثر من 120 مدنيًا وفق تقارير دولية. هذا الإعلان يتجاوز الرد على جرائم الدعم السريع، ليشكل تحولًا استراتيجيًا نحو تعبئة وطنية تهدف إلى حماية الدولة وتثبيت كيانها.
هذا التوصيف الجديد للصراع بحسب تورك يمنح الحكومة السودانية شرعية سياسية وشعبية واسعة لخوض حرب دفاعية لا يمكن تصويرها بعد اليوم كحرب داخلية أو صراع بين جنرالين كما يصورها البعض.
إن الاعتراف الأممي بأن الحرب مرتبطة بأطماع خارجية ومصالح في الموارد الطبيعية يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية، ويُقرّب من إمكانية تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية.
هذا الخيار بات مطروحًا، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مؤخراً، والتي أدانت بشكل صريح ارتكاب مليشيا الدعم السريع “فظائع ممنهجة” في الفاشر، مع دعوة دولية لوقف دعمها. وتأتي هذه المواقف متزامنة مع بحث جاد في واشنطن لتصنيفها كمنظمة إرهابية، في إطار مسار متصاعد يستند إلى أدلة ميدانية وتوثيق قانوني لمجازرها.
وإذا ما أُعيد تركيب المشهد وفق هذه المعادلة الجديدة التي تجمع بين تعبئة البرهان ومنح الحرب إطارها القانوني والسياسي ، يمكن القول إن السودان يقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة، عنوانها: “المعركة من أجل السيادة ورد العدوان”. دولة تدافع عن وحدة أرضها ومليشيا تحارب بالوكالة عن أطراف خارجية ترى في موارد السودان فرصة، وفي فوضاه مجالًا لتحقيق أهدافها.
نحن اليوم أمام مشهد دولي جديد يتحرك لصالح الدولة السودانية، إذا ما أُحسن توظيفه. ولأول مرة منذ اندلاع الحرب، توجد أرضية واضحة يمكن للحكومة السودانية وحلفائها البناء عليها لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة:
تصعيد المواجهة العسكرية داخليًا وخارجيًا بوصفها حرب دفاع شرعي ضد مليشيا إرهابية، لا مجرد نزاع سياسي أو صراع على السلطة.
بالإضافة الي حشد دعم دبلوماسي إقليمي ودولي لدفع مجلس الأمن وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية أو جهات مختصة أخرى نحو إصدار قرارات ملزمة بتجفيف مصادر تمويل وتسليح ميليشيا الدعم السريع.
كذلك هذا فتح الباب أمام المساءلة القانونية الدولية ضد قادة المليشيا ومموليها، بناءً على تقارير أممية وإعلام غربي موثق.
يمكن القول إن السودان حقق تقدمًا ملحوظًا في مساره الدبلوماسي بعد دخول مليشيا الدعم السريع إلى الفاشر، حيث قدمت الخارجية ملفًا قانونيًا موثقًا إلى الأمم المتحدة حول الانتهاكات، مما أسفر عن إدانة واضحة من مجلس حقوق الإنسان ودعوة للتحقيق والمحاسبة. هذا التحرك يشير إلى انتقال، ترتيب المشهد السياسي والعسكري وفق سردية جديدة تعزز من شرعية الدولة وتضعف من موقف داعمي المليشيا داخليًا وخارجيًا.
وفي هذا السياق يشكل تلاقي تصريح تورك مع تعبئة البرهان لحظة مفصلية تمنح السودان وحلفاءه غطاءً سياسيًا أوسع لمواجهة التدخلات ودعم وكلاء الصراع، سواء على أرضه أو في العواصم التي تدعمهم.
وفقًا لـ #وجه_الحقيقة، فإن السودان اليوم يواجه حربًا تتجاوز ثنائية الجيش والمليشيا، لتصبح صراعًا على مستقبل البلاد ، بين إرادة شعب يسعى لصون استقلاله، وقوى إقليمية ودولية تسعى لإعادة تشكيله. وبين إعلان التعبئة واعتراف تورك ، علي السودانيون أن ينهضوا بوعي لصيانة الذاكرة الوطنية والدفاع عن السيادة. ويبقى الأمل معقودًا على أن يتحول هذا الوعي إلى مشروع وطني جامع، يتجاوز مخازي الحرب، ويضع أسس سلام عادل، يستمد قوته من الهوية والعدالة ووحدة المصير، فالأوطان لا تُحمى بالرصاص وحده، بل بالوعي والانتباه.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأحد 16 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: حقوق الإنسان الدعم السریع
إقرأ أيضاً:
السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية
الخرطوم- احتدام الاشتباكات المسلحة في الآونة الأخيرة بمحيط مدينة الأُبَيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان غربي السودان، أثار مخاوف متزايدة بشأن تغير الموازين العسكرية وتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
يؤكد خبراء أن السيطرة على الأُبَيِّض تحمل أهمية حاسمة لوحدة أراضي السودان، محذرين من أن أي تصعيد عسكري في المدينة قد يعرّض مئات الآلاف من المدنيين لكارثة إنسانية جديدة.
** هجمات ممنهجة من "الدعم السريع"
وفي حديثه للأناضول، قال الباحث في وقف "سيتا" التركي للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تونتش دميرطاش إن البعد العسكري لا يمكن تجاهله في الصراع الدائر بالسودان، متهما "قوات الدعم السريع" بشن هجمات ممنهجة على المدنيين والسعي إلى إضعاف القدرات المؤسسية للدولة.
ورأى أن من المهم أن يوقف الجيش السوداني تقدم قوات الدعم السريع، ويحمي المناطق الاستراتيجية، ويعيد ترسيخ سلطة الدولة.
وأضاف: "دون ضغط عسكري سيكون من الصعب للغاية الحد من هجمات قوات الدعم السريع على المدنيين، ومنع محاولات إقامة إدارة موازية، وحماية سيادة البلاد".
وشدد دميرطاش على أن النجاح العسكري وحده لن يكون كافيا، موضحا أن قدرات "الدعم السريع" تعتمد إلى حد بعيد على أسلحة وتمويل وإمكانات لوجستية وشبكات من المرتزقة تأتي من الخارج.
وأشار إلى أن استمرار هذا الدعم سيجعل تثبيت المكاسب الميدانية أكثر صعوبة، وقد يعزز سيناريوهات التقسيم الفعلي للسودان مع إطالة أمد الحرب.
وبناء عليه، يرى دميرطاش ضرورة دعم التحرك العسكري بمبادرات دبلوماسية ومساندة دولية وعقوبات تستهدف شبكات الإمداد الخارجية.
وأوضح أن التوصل إلى حل سياسي حقيقي لن يكون ممكنا إلا بعد الحد من قنوات الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع.
** أهمية وثقل الأُبَيِّض
ولفت الخبير التركي إلى أن الأُبَيِّض ليست مدينة مهمة فحسب، بل تمثل عقدة حيوية للتحركات العسكرية والتدفقات اللوجستية وخطوط الإمداد، لا سيما أنها تقع عند تقاطع طرق تربط الخرطوم بإقليم دارفور وجنوب البلاد.
وقال إن "الدعم السريع" تتبع في المدن استراتيجية لا تستهدف المواقع العسكرية فحسب بل تطال الحياة المدنية أيضا، مضيفا أن الهجمات على البنية التحتية للكهرباء ومستودعات الوقود وشبكات النقل تهدف إلى جعل المدن غير صالحة للعيش.
وتوقع دميرطاش أن تتركز الاشتباكات خلال الفترة المقبلة حول منشآت الطاقة وممرات الإمداد وشبكات النقل، بدلا من مراكز المدن وحدها.
وتابع: "حماية الأُبَيِّض بالنسبة للجيش السوداني لا تحمل أهمية عسكرية فقط، بل تعد ضرورية أيضا لاستمرار الحياة المدنية والحفاظ على ترابط شرق البلاد وغربها".
وبشأن حظر الأسلحة، أوضح دميرطاش أن على المجتمع الدولي التمييز بين الدولة والجماعات المسلحة غير الحكومية، مبينا أن العقوبات ينبغي أن تستهدف قوات الدعم السريع والجهات الداعمة لها التي تعمل ضد الدولة السودانية.
وشدد على ضرورة أن تشمل العقوبات الشركات وشبكات التمويل والجهات المستفيدة من تجارة الذهب والآليات اللوجستية التي تسهم في إبقاء القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع.
وأكد أن تعزيز مؤسسات الدولة وإقامة أرضية سياسية شاملة خلال مرحلة إعادة الإعمار أمران حيويان لتحقيق سلام دائم.
** المدنيون يدفعون الثمن
من جانبه، قال رئيس منظمة "مشاد" لحقوق الإنسان أحمد عبد الله إن الوضع الإنساني في مناطق الصراع بالسودان "بلغ مستوى حرجا".
وأوضح أن ملايين المدنيين يواجهون التهجير وانهيار الخدمات الأساسية وصعوبات في الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة.
وتابع: "المدنيون السودانيون عالقون بين أطراف الصراع في مناطق عديدة، ويدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وكرامتهم وأمنهم ومستقبلهم".
** انتهاكات دارفور
وقال عبد الله إن منظمته وثقت انتهاكات جسيمة وممنهجة ارتكبتها جماعات مسلحة ضد المدنيين في دارفور.
وأوضح أن عمليات القتل المتعمد والعنف الجنسي والتهجير القسري وإحراق القرى والمخيمات واستهداف البنية التحتية المدنية تمثل انتهاكات واضحة للقانون الدولي.
وأضاف أن تقارير دولية مستقلة كشفت أيضا عن انتهاكات جسيمة في دارفور قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وشدد عبد الله على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لتحقيق سلام دائم، ومنع إفلات مرتكبيها من العقاب.
** خطر إنساني
وحذر من أن المدنيين في الأُبَيِّض يواجهون بدورهم مخاطر مرتفعة للغاية، مبينا أن توسع العمليات العسكرية وتعثر إيصال المساعدات الإنسانية قد يعمقان الأزمة في المدينة.
وأضاف أن أي تصعيد عسكري داخل الأُبَيِّض أو في محيطها قد يؤثر في مئات الآلاف من المدنيين، داعيا أطراف الصراع كافة إلى الالتزام بتعهداتها بموجب القانون الدولي الإنساني، وعدم استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.
كما دعا الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والشركاء الدوليين إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمنع اتساع الأزمة، محذرا من أن استمرار التقاعس قد يؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة في شمال كردفان.