د. صالح بن عطية الحارثي
لا يخفى على أحدٍ مكانة الكلمة وأثرها البالغ جدًّا. فبكلمةٍ يدخل الإنسان في الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: 30]، وقال صلوات الله وسلامه عليه: «أيْ عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» وبكلمة يخرج منه والعياذ بالله، قال تعالى في ثلاثة مواضع من الكتاب العزيز: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65-66].
ومما يبين أهمية الكلمة أن الصيغة -وهي كلمة- ركنٌ في كل الالتزامات من العقود وغيرها باتفاق الفقهاء.
وبالجملة فمكانة الكلمة في الإسلام عقيدةً وعبادةً ومعاملةً لها من الأثر ما لا يُنكره عاقل.
ولا شكَّ أنه كلما علت مكانة المتكلم وعظمت شهرته كان أثر كلمته أبلغ ووقعها أشد.
فالواجب على كل عاقل -وتعظم المسؤولية وتكبر في حق من لهم صيت أو مكانة أو شهرة- أن ينتبهوا لكلماتهم، وأن يحرصوا على العبارة الدقيقة واللفظ المناسب، وأن يحذروا الكلمات المثيرة للجدل والجالبة للقيل والقال وكثرة السؤال. وهذا شأن الحكماء بعيدي النظر واسعي الأفق في كل زمان ومكان. ونبينا وإمامنا محمد -عليه الصلاة والسلام- سيد الناس في هذا المضمار يقول -عليه الصلاة والسلام-: «لا يتحدث الناسُ أن محمدا يقتل أصحابه» جوابًا لقول عمر -رضي الله عنه-: «يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق». وكلامه -صلى الله عليه وسلم- قاعدة أصيلة في بعد النظر، وعمق الفكرة، والنظر للعواقب والمآلات، وخطورة الكلمة، وأنها لا تقف عند صاحبها بل تذهب كلَّ مذهب وتؤول كل تأويل. فلتكن كلمتنا كلمةً محكمة رصينة من أول الأمر حَذَرًا من وخيم العواقب ورديِّ المآلات. ومعلوم أن الكلمة مملوكك حتى تنطق بها فتصير أنت مملوكا لها.
هذا، ويجدر بي التنبيهُ على أمر بالغ الأهمية في هذا المقام وهو: ضرورة أن يقتصر حديثُ المتكلم على ما يحسن ويتقن وبتعبير الناس اليومَ: أن يتكلم الإنسان في تخصصه العام أو الدقيق ومن قبْل هذا ومعه الإخلاصَ بل صدقَ الإخلاص، نسأل الله لنا وللمسلمين صدقَ الإخلاص. فليتحدث كلٌّ في فنه وتخصصه: قديما قيل: «من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب». فينبغي أن يتكلم المتخصصون، وربُّنا وصفهم بأهل الذكر، وبالراسخين في العلم، وبالعلماء، وبالربانيين. وأن يتجنب الإنسان الحديث فيما لا يحسن، حتى لا يوصف بأنه يهرف بما لا يعرف. فلننتبه جيدا للكلمة تخرج من أفواهنا، فإنها في غاية من الخطورة والأثر البالغ. وختامًا، حسبنا جميعا: قوله صلوات الله وسلامه عليه: «وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم». وحصائد ألسنتهم على تشبيه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالْمِنْجَلِ، فكما أن المنجل يقطع من غير تمييز بين رطب ويابس وجيد ورديء كذلك لسان المتكلم من غير تمييز بين ما يحسن وما يقبح. ونسأل الله تعالى لنا وللمسلمين القول السديد، وأن يصلح لنا أعمالنا، ويغفر لنا ذنوبنا، إنه هو الغفور الرحيم. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. والله ولي التوفيق.ش
المصدر
المصدر: صحيفة البلاد
إقرأ أيضاً:
محافظة القدس تحذر من أخطر اقتحام للأقصى لتكريس سيادة الاحتلال عليه
القدس المحتلة - صفا
أكدت محافظة القدس، مساء يوم الخميس، أن اقتحام 4248 مستوطناً للمسجد الأقصى المبارك بمشاركة وزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير"، وأعضاء كنيست وحاخامات وقادة "منظمات الهيكل"، بحماية مشددة بالتزامن مع "ذكرى خراب الهيكل"، يشكل أخطر تصعيد منذ أشهر.
وحذرت المحافظة في بيان له، من تكريس التقسيم الزماني والمكاني وفرض السيادة الإسرائيلية.
وأضحت أن الاقتحام كان عملية منظمة سبقتها حملات تحريض، ورافقتها إجراءات عسكرية لتفريغ المسجد من المصلين وتهيئة الظروف للمستوطنين، الذين أدوا طقوس "السجود الملحمي"، وارتدوا "التفلين"، ورفعوا الأعلام ورددوا الترانيم وأقاموا رقصات جماعية داخل باحاته وبلدة القدس القديمة.
وأشارت إلى مشاركة بن غفير وأدائه طقوساً تلمودية للمرة الـ18 منذ توليه منصبه، برفقة مسؤولين آخرين.
كما لفتت لعرض الحاخامين أرييه ليبو ويهودا غليك أحجاراً مُحضرة من مستوطنة "حفات غلعاد" زُعم أنها لبناء "الهيكل"، في خطوة خطيرة للترويج العملي لبنائه على حساب المسجد.
وكشفت المحافظة أن شرطة الاحتلال نصبت مظلة ثابتة بالساحة الشرقية لخدمة المستوطنين في سابقة منذ عام 1967 محاولة لفرض وجود دائم فيها، بالتزامن مع منع غالبية موظفي الأوقاف من الوصول، وإغلاق أبواب الملك فيصل والقطانين والحديد أمام المصلين، وتخصيص محيطها للمستوطنين بالتزامن مع "مسيرة السيادة".
وأضافت أن شرطة الاحتلال فرضت قيوداً عمرية مشددة منعت بموجبها دخول المصلين دون سن الـ80 وأبلغتهم بأن "اليوم مخصص لليهود".
وشددت على أن هذه الممارسات تصاعدت مؤخراً عبر اتساع الاقتحامات ومشاركة الوزراء وعقد مؤتمرات تدعو لتغيير الوضع القائم، ما يثبت أنها أصبحت سياسة رسمية لحكومة الاحتلال.
وشددت المحافظة على أن الأقصى بكامل مساحته (144 دونماً) مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن كافة إجراءات الاحتلال باطلة وتخالف القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
ودعت المجتمع الدولي والمنظمات الإسلامية والعربية واليونسكو للتحرك العاجل لوقف هذه الاعتداءات وتوفير الحماية للمقدسات.