أزمة القوات بين فائض القوة وواقع الشارع
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
تواجه "القوات اللبنانية" في الآونة الأخيرة تراكماً في المواقف التي تعكس ارتباكاً في طريقة إدارتها للخطاب العام وللعلاقة مع شرائح واسعة من اللبنانيين. فبدل أن تستفيد من المناخ السياسي المتقلّب لتوسيع حضورها، تبرز لها تصريحات متتالية تُظهر انفصالًا عن المزاج الفعلي في أكثر من منطقة، وخصوصاً في البيئات التي لا تشكّل امتداداً طبيعياً للحزب.
وضمن هذا المناخ أُعيد تظهير تصريح النائب جورج عقيص قبل اسبوعين الى الواجهة، والذي حوّل النقاش من مسألة انتخابية إلى سؤال أوسع حول طريقة تفكير "القوات اللبنانية" وتعاملها مع الشراكة السياسية.
وفي المرحلة التي تستعدّ فيها البلاد للدخول في استحقاقات أساسية، بدا أنّ "القوات اللبنانية" تتحرّك وفق مقاربة تُعيد إظهار مشكلتها الجوهرية في إدارة حضورها خارج مناطق نفوذها التقليدية. فهي تتصرّف كطرف يريد تثبيت موقع قيادي داخل بيئات تملك تاريخها وحساسيتها الخاصة، بدل السعي إلى بناء تفاهمات متوازنة معها، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً في الأوساط السنية، إذ إن هذا النهج، وفق المصادر، لا يأتي من فراغ، بل يعكس مساراً مستمراً يكشف محدودية تفهّم "القوات" لطبيعة التوازنات الدقيقة التي تتحكّم بهذه البيئات، وللمعادلات التي ترسم حضور القوى المختلفة داخلها.
وبعد توسّع بقعة الاعتراض، دخلت "القوات" في مستوى جديد من الإرباك. فالتعامل مع ردود الفعل بقي أسير منطق التبرير، كأنّ المشكلة تتعلّق بعبارة قالها عقيص لا بالمقاربة التي تنتج هذا النوع من الخطاب داخل الحزب نفسه. هذا الأسلوب زاد حدّة التوتر، لأن الجمهور الذي تابع ما جرى لم يجد في التوضيح اللاحق أي استعداد لفتح نقاش جدّي حول حدود الدور السياسي الذي تحاول "القوات" تكريسه، بل محاولة للالتفاف على جوهر الإشكال. وهنا تحديداً برزت العقدة الأساسية، إذ تتحرّك "القوات" وفق ذهنية تقوم على الفوقية في إدارة العلاقة مع البيئات التي تحاول التقدّم نحوها، فيما الوقائع تُظهر أن أي قوة سياسية لا تستطيع تثبيت حضورها ما لم تنطلق من احترام المزاج المحلي وطبيعة توازناته.
وفي قراءة لطريقة تعاطي "القوات" مع هذا الملف، يظهر عنصر أساسي لا يمكن تجاهله. فالحزب يتحرّك بمنطق فائض قوة يجعله يتصرّف كأن دور الآخرين هو التكيّف مع إيقاعه، لا التفاهم معه. ووفق المصادر نفسها فإنّ هذا المنطق لا يقتصر على خطاب ظرفي، بل يشكّل جزءًا ثابتاً من سلوكه السياسي، إذ يتعامل مع التمثيل كمساحة يجب أن تُعاد صياغتها وفق موقعه، لا وفق طبيعة القوى الموجودة فيها. ومن هنا يصبح أي تصريح مشابه لما صدر مجرّد ترجمة علنية لهذا الشعور، لأن "القوات" تسعى إلى فرض موقع مرجعي على بيئات تعتبر أنّ حقّها في اختيار ممثليها لا يخضع لمعادلات تُحدَّد خارجها. وهكذا يتقدّم الخلل من مستوى الكلام إلى مستوى النهج، حيث يُبنى الدور السياسي على فكرة الإخضاع بدل الشراكة.
بالنتيجة فإنّ ما ظهر في الأيام الماضية لم يكن تفصيلًا عابراً، بل إشارة واضحة إلى حدود الدور الذي تستطيع "القوات" فرضه حين تتعامل مع التمثيل بوصفه امتداداً لموقعها لا نتاجاً لطبيعة الشارع نفسه. ولعلّ هذا الأسلوب لم يعد يمرّ بلا كلفة، إذ من الواضح أنه ترك أثراً مباشراً على مستوى الثقة بين الحزب والفئات التي يطمح إلى استقطابها، وأظهر أن خطاب السيطرة لا ينتج نفوذاً بل يفضح حجم المبالغة في تقدير القوة. وما يتقدّم اليوم ليس سؤالًا عن قدرة "القوات" على التصحيح، بل خلاصة بسيطة بأنّ هذا النهج بلغ سقفه، وأي محاولة لدفعه خارج حدوده الطبيعية لا تؤدي إلا إلى إبراز حجم الفجوة بين ما تتخيّله "القوات" لنفسها وما يسمح به الواقع السياسي فعلًا. المصدر: خاص "لبنان 24" مواضيع ذات صلة المعركة بين "القوات والتيار".. رؤية مختلفة وتنافس على الشارع المسيحي Lebanon 24 المعركة بين "القوات والتيار".. رؤية مختلفة وتنافس على الشارع المسيحي
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: القوات اللبنانیة جدید من
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..