جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@05:52:47 GMT

بين هذا وذاك

تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT

بين هذا وذاك

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

بين هذا وذاك تُروى حكايةُ كلِّ مسؤولٍ مرّ من هنا، وترك أثرًا أو لم يترك شيئًا. فالمناصب لا تُقاس بسنوات الخدمة، ولا بحجم الصلاحيات، بل بما تغيّر خلالها من واقعٍ أو فكرٍ أو إنسان. والفرق بين المدير والقائد ليس في المسمّى، بل في البصمة التي تبقى بعد الرحيل. المدير يُدير الملفات ويحافظ على النظام، بينما القائد يُغيّر الواقع ويصنع التغيير.

فالأول يُسيّر العمل، والثاني يُحرّك العقول، ويُشعل في من حوله روحَ المبادرة والرؤية. ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا يفارق القائد الحقيقي: ما الذي تغيّر حقًا بين يوم البدايات ويوم الوداع؟

حين يتسلّم أحدهم موقعًا إداريًا، لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا أنجزت؟ بل: ماذا تغيّر؟ هل تطوّر المكان من حوله؟ وهل تحسّن أداء الفريق؟ وهل نشأت بيئةٌ أكثر كفاءةً وعدلًا وإنصافًا؟ فهذه الأسئلة البسيطة في ظاهرها هي التي تكشف عمق الفارق بين من يكتفي بالإدارة، ومن يقود التغيير. وانظر حولك قليلًا، فالإجابة لا تحتاج إلى تقاريرٍ ولا أرقام، بل إلى مشهدٍ واحدٍ صادقٍ يكشف ما تغيّر... وما بقي كما هو.

انظر إلى بيئة العمل التي تقودها وتأمّل تفاصيلها جيدًا؛ هل تغيّر فيها شيء منذ يوم تولّيك المسؤولية؟ هل ما زالت الممرات باهتة، والمكاتب مكتظة، والإجراءات معقّدة، والروح الإدارية جامدة؟ وانظر إلى فريقك، هل ازداد معرفةً وثقةً وقدرة؟ أم ما زال ينجز المهام نفسها بالطريقة نفسها، دون تطويرٍ أو وعيٍ بالغاية؟ هناك، في صمت التفاصيل، ستجد الجواب الحقيقي؛ فالقائد الحقيقي لا ينتظر الإجابات من الآخرين، بل يصنعها بفعله، ويتركها شاهدةً عليه بعد رحيله.

القائد الحقيقي لا يرحل كما جاء؛ يأتي ومعه فكرة، ويغادر تاركًا أثرًا. لا يكتفي بتسيير العمل اليومي، بل يُعيد تعريفه ويمنحه روحًا جديدة، ويخلق بيئةً تُنتج الكفاءة لا الطاعة، وتنمّي الأشخاص لا المهام. أمّا المدير الذي يغادر تاركًا كل شيء كما وجده، فقد مارس الإدارة لا القيادة، وأدار الزمن لا التغيير.

بين هذا وذاك مساحةٌ صغيرة في الزمن، لكنها واسعة في الأثر؛ فالقائد لا يقيس نجاحه بما حفظه من نظام، بل بما غيّره من واقع، ولا بما دوّنه من أرقام، بل بما طوّره من فكرٍ وأساليب. وحين يُعدّ صفًا ثانيًا من القيادات، ويترك منظومةً قادرةً على الاستمرار بدونه، عندها فقط يكون قد أدّى رسالته بصدق، وترك خلفه أثرًا يتحدث عنه دون كلمات.

القائد لا يُقاس بما ينجزه في التقارير، بل بما يتركه في النفوس؛ فكم من قراراتٍ تُنسى بعد توقيعها، وكم من أفعالٍ صغيرة تبقى في الذاكرة لسنوات. كلمةُ تشجيعٍ في وقتها قد تغيّر مسار موظفٍ كامل، وثقةٌ تُمنح في لحظة قد تصنع من موظفٍ عاديٍّ قائدًا في الغد. فالقيمة الحقيقية للقيادة لا تكمن في كثرة التعليمات، بل في عمق الأثر الإنساني الذي يخلّفه القائد فيمن حوله.

ليس مطلوبًا من كل مسؤولٍ أن يصنع ثورة، لكن من الظلم أن يمرّ دون بصمة؛ فالقيادة لا تعني أن تُنجز كل شيء بنفسك، بل أن تجعل الآخرين قادرين على الإنجاز من بعدك. أن تُخرج من تحت يدك من هو أقدر وأوعى، لا أن تُبقيهم أسرى تعليماتك، فحين يتطوّر من حولك تكون قد قُدت، وحين يبقون كما هم تكون قد أَدرت، والفرق بينهما هو الفارق بين من يصنع الأثر، ومن يكتفي بمتابعته.

قبل أن يُقيّمه الناس، على القائد أن يُقيّم نفسه بهذا السؤال البسيط: ما الذي تغيّر بين هذا وذاك؟ بين يومِ استلمتُ ويومِ سلّمتُ؟ فإن كان المكان قد تطوّر، والعقول قد نمت، والنظام قد استقام، فليطمئن أنه قاد ولم يُدِر، وإن بقي المشهد كما هو، فلا حاجة لشهادة أحد؛ فالإجابة يعرفها هو وحده، في مرآة ضميره. فالقيادة لا تُقاس بالمناصب، بل بما تغيّر بين هذا وذاك.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، تولى رومان جوفمان رسميا رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، بعد أشهر من الاعتراضات القانونية والانتقادات التي رافقت قرار تعيينه في أحد أكثر المناصب حساسية في إسرائيل.

وجاء تعيين جوفمان بدفع مباشر من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي رشحه للمنصب في ديسمبر 2025، رغم التحفظات التي أبدتها شخصيات أمنية وقانونية بشأن خلفيته المهنية وبعض القضايا المرتبطة بمسيرته العسكرية.

من بيلاروسيا إلى قمة المؤسسة الأمنية

ولد رومان جوفمان في بيلاروسيا عام 1976، قبل أن يهاجر إلى إسرائيل مع عائلته وهو في الرابعة عشرة من عمره. وبعد سنوات قليلة من استقراره، التحق بالجيش الإسرائيلي عام 1995 ضمن سلاح المدرعات، ليبدأ مسيرة عسكرية امتدت لعقود وشهدت صعوده في عدد من المواقع القيادية والعملياتية.

وخلال خدمته العسكرية، تولى قيادة وحدات مدرعة وألوية ميدانية، كما شغل مناصب في هيئات العمليات والتدريب، وصولًا إلى قيادة تشكيلات عسكرية بارزة داخل الجيش الإسرائيلي.

إصابة في الحرب وتقرب من نتنياهو

كان جوفمان يشغل منصب قائد المركز الوطني لتدريب قوات المشاة عندما اندلعت أحداث السابع من أكتوبر 2023، إثر الهجوم الذي شنته حركة حماس على جنوب إسرائيل. وخلال المعارك تعرض لإصابة، قبل أن يعينه نتنياهو مستشارًا عسكريًا رفيعًا لرئيس الوزراء في أبريل 2024.

ومنذ ذلك الحين، تعززت علاقته بنتنياهو، ما جعله أحد الشخصيات المقربة داخل المؤسسة الأمنية، وهو ما اعتبره منتقدوه عاملًا رئيسيًا وراء اختياره لرئاسة الموساد.

تعيين مثير للجدل

لم يكن طريق جوفمان إلى رئاسة الموساد سهلًا، إذ واجهت عملية تعيينه اعتراضات قانونية وصلت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وتمحورت أبرز الانتقادات حول قضية تعود إلى عام 2022، حين كان يقود إحدى الوحدات العسكرية.

وبحسب وثائق قضائية، سمح أحد الضباط بنقل معلومات أمنية حساسة إلى جندي قاصر قام لاحقًا بنشرها عبر قناة على تطبيق "تلغرام"، وذلك بعلم وموافقة جوفمان. وأدت القضية إلى محاكمة الجندي والحكم عليه بالسجن والإقامة الجبرية لفترة قاربت عامًا ونصف العام.

ورغم أن المحكمة أقرت بوجود أخطاء في إدارة القضية، فإنها خلصت إلى أن تلك الأخطاء لا ترقى إلى مستوى المخالفات الأخلاقية التي تمنع جوفمان من تولي المنصب، ما مهد الطريق أمام دخوله رسميًا إلى رئاسة الموساد.

خلفية عسكرية تثير التساؤلات

أحد أبرز أسباب الجدل حول جوفمان يتمثل في كونه لا ينتمي إلى جهاز الموساد، خلافًا لمعظم الرؤساء السابقين للجهاز. فقد جاء من المؤسسة العسكرية ومن مكتب رئيس الوزراء مباشرة، وهو ما دفع بعض المسؤولين الأمنيين السابقين إلى التشكيك في مدى ملاءمة اختياره لقيادة جهاز استخباراتي يعتمد على خبرات متخصصة ومتراكمة داخل المؤسسة نفسها.

كما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن رئيس الموساد السابق ديفيد بارنياع كان من بين المعارضين لتعيينه.

مقالات مشابهة

  • الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • ما السبب الحقيقي وراء استيقاظك بين الثالثة والخامسة فجراً؟ خبراء يكشفون الأسباب الخفية
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟