بعدَ أن تجلَّتْ معالمُ النصرِ المؤزَّرِ في مسرح العملياتِ الكُبرى، وبعدَ أن اضطلعتْ قواتُنا المسلحةُ الباسلةُ بدورِها المحوريِّ والتاريخيِّ في تحصينِ الثغورِ الجغرافيةِ للوطنِ وكبحِ جماحِ أيِّ غُلُوٍّ خارجيٍّ يسعى لتدنيسِ حياضِه واحتلالِه، وبَعدَ أن أرستْ وزارةُ الداخليةِ وأجهزتُها الأمنيةُ قواعدَ الأمنِ الصُّلبةِ، مُحكِمةً قبضةَ الحديدِ والنارِ على الجبهةِ الداخليةِ، حيثُ سُحقتِ العناصرُ التخريبيةُ واقتُلِعَتْ جذورُ الفتنةِ من مَنابتِها.


لقد تكلَّلَ هذا الجهدُ النوعيُّ بالقبض على خلايا التجسُّسِ المُنظَّمةِ والمُرتبطةِ بالشيطان الأكبر وأجندته الهدّامةِ، ممّا أفضى إلى إجهاض مخططاتِه الجهنَّميةِ في التآمُرِ والزَّعزعة.
إنَّ هذا الاستحقاقَ الأمنيَّ والعسكريَّ المهيب يفرضُ علينا اليوم، كنسيجٍ اجتماعيٍّ مُتراصٍّ وشعبٍ واعٍ ومُدرِكٍ لخطورةِ المرحلةِ، مسؤوليةً مُضاعفةً وواجبًا مُقدَّسًا: وهو الانتقالُ من مرحلةِ الدفاعِ الجغرافيِّ إلى مرحلةِ التحصينِ الذاتيِّ والتدريع المنهجيِّ لبيئتِنا المحيطةِ من مخاطرِ حربِ العدوِّ القادمةِ.
لقد غيَّرَ الصراعُ مع العدوِّ وَجهَهُ بشكلٍ حاسمٍ؛ إذ تحوَّل القتالُ من المدفعيةِ الثقيلةِ إلى المعلومةِ المُبهمةِ، فأصبحَ لزامًا على الفردِ أن يكونَ هو الحارس الأمينَ وخطَّ الدفاع الأخيرِ، مُستشعرًا أنَّ الوَعي هو السلاحُ الأفتكُ في المواجهةِ الشاملة ضدَّ الخطر السَيبرانيِّ والاستخباريِّ الذي يتربَّصُ بنا.
لقد وَلَجنا مرحلةً تَغدو فيها المواجهةُ أشدَّ وَطأةً وأعظمَ رِفعةً في سُلَّمِ المسؤوليةِ، حيثُ تتجلَّى التكنولوجيا الاصطناعيةُ كالبوابةِ الكُبرى لاختراقِ الخصوصياتِ، وإنّها لَفِتنةٌ تُغري، ولكنّها تُخفي جاسوسًا مُترصِّدًا، يُجاورُنا في كلِّ رُكن.
وهُنا يتعيَّنُ أن تكون اليَقظةُ الأمنيةُ درعًا حصينًا، فلا عُذر في الرِّهان على الجَهلِ بحقيقة هذه الأداة ذاتِ الوجهَينِ، فعدمُ الوَعي بخطرِها هو تَبديدٌ لِمَناعةِ الصَّرح.
وعلى الرغمِ من التحالُفِ الكَونيِّ في محاربتِنا، يَتوجَّبُ علينا أن نرقى لمستوى التحدِّي الجسيمِ من خلالِ صَقلِ وَعيِ شعبِنا وأمَّتِنا، وهو عُمدةُ المَسيرةِ والبوابةُ الذهبيةُ التي سنَعبرُ منها إلى التحصينِ المَنيعِ والارتقاءِ الحضاريِّ، وإنَّ تحصينَ كلِّ جبهاتِنا لا يتحقَّقُ إلّا بقوةِ وَعيٍ وحِسٍّ أمنيٍّ يتَّسِمُ بالبَأسِ الشديدِ.
لم تَعُد ميادينُ النِّزال محصورةً في خنادق الحروبِ التقليديةِ، بل امتدَّت لتَخوض صراعًا أثيريًّا يُعنَى بالعقولِ والأسرارِ، وإنَّ الساحةَ المعاصرةَ للصراعِ هي ساحةُ الوَعيِ والمعلومات، والمعركةُ التي نخوضُها اليومَ ليستْ مُجرَّدَ مواجهةٍ عابرةٍ، بل هي تجسيدٌ حاسمٌ لمبدأِ الاستخباراتِ العكسيةِ أو الاستخباراتِ المضادَّةِ، هذه المعركةُ هي اشتباكٌ فكريٌّ ومعرفيٌّ غايتُه تحصينُ الذاتِ وإجهاضُ المخططاتِ الخبيثةِ للعدوِّ التجسُّسيِّ والاستخباريِّ.
إنَّ أولى عَتَبَاتِ النصر تبدأُ بفَكِّ شفرةِ الأجندةِ العدائيةِ واستكشافِ مَكامِن الخطر، فالمواجهةُ اليوم هي بامتيازٍ نِدِّيَّةٌ معرفيةٌ تتطلبُ الإحاطةَ الكاملةَ بطُرق عمل الخصمِ وآلياتِه المُتقَنةِ، ويجبُ علينا تأمُّلُ المشهد بعُمقٍ ثاقبٍ، لفَهمِ كيفَ يقومُ العدوُّ بتنسيقِ خيوطِ مُؤامراتِه وإحكامِ قَبضتِه على المعلوماتِ الحسَّاسةِ، فالأمرُ يتجاوزُ المراقبةَ التقليديةَ لِيُصبحَ تَوغُّلاً مُمنهجًا يستهدفُ صَميمَ كيانِنا العمليِّ والشخصيِّ.
وفي السياقِ ذاته أصبحَ الهدفُ الأسمى للمعركةِ الحاليةِ هو اكتشافُ الوسائل المُستخدَمةِ، سواءٌ كانتْ أدواتٍ عتيقةً متوارَثةً في فُنونِ التجسُّسِ، أو تقنياتٍ ناشئةً ومُبتكَرةً، وإنَّ هذا الكشفَ ليس مُجرَّدَ ردَّ فعلٍ، بل هو جُزءٌ أصيلٌ من استراتيجيةِ الرَّدعِ الاستباقيِّ التي تهدفُ إلى شَلِّ حركةِ العدوِّ قبلَ أن يَتَمكَّنَ من إرساءِ قواعدِه التخريبية.
لقد أصبح الرِّهان الأعظمُ والمُدخل الأخطرُ إلى خصوصيتِنا هو الثورةُ التكنولوجيةُ بحدِّ ذاتِها، وتحديدًا أدواتُ الذكاءِ الاصطناعيِّ التجسُّسيةُ، إنَّ هذه الأدواتِ ليستْ مُجرَّد برامجَ صامتةٍ، بل هي أَذْرُعٌ رقميةٌ مُتغلغِلةٌ تتمتَّعُ بقدرةٍ فائقةٍ على الاختراقِ والتحليل العميقِ للبياناتِ، وحجمُ المعركةِ يَتَعاظَمُ والمسؤوليةُ تَتفاقَمُ كلَّما ازدادَ اعتمادُنا على هذه التقنياتِ.
ويجب أن ننظرَ إلى الجهازِ التكنولوجيِّ الذي نَحمِلُه بينَ أيدينا كـ»جاسوسٍ مُتَنقِّلٍ» كامنٍ في بيوتِنا ومكاتبِنا، هذا الجاسوسُ يعمل بـسُلطةٍ مُطلقةٍ في جمع المعلوماتِ، سواءٌ كُنّا نُدرِكُ عواقبَ استخدامِه أم لا، وأن نحذر هذا المدخلَ التكنولوجيَّ، واخشَ أن تجهل أساليب استخدامِه، سواءٌ كان ذلك بعلمٍ مُبَيَّتٍ أو بِجَهلٍ غيرِ مقصودٍ.
المواجهةُ الآنَ تَتّخذُ بُعدًا كونيًّا ومحليًّا، حيثُ تكونُ في أعلى المستوياتِ العملياتيةِ أو حتى في دائرةِ المُقرَّبين والأهلِ، ممَّن قد يُستخدَمونَ كـبَوّاباتِ عُبورٍ غيرِ واعيةٍ للبياناتِ.
إنَّ الحصنَ المَنيع في هذه الحربِ غيرِ المرئية هو الانضباطُ اللغويُّ وحِكمةُ الصَّمتِ، وإنَّ لُغةَ الحذرِ هي دِرعُنا الواقي ضدَّ التسريب غير المقصودِ، وهُنا يَكمُنُ صَميمُ التكتيكِ الدفاعيِّ، لا تَتحدثْ بما تَعرِفُ مع كلِّ مَن لا تَربطُه صِلةٌ مُباشرةٌ ومُصرَّحٌ بها بِسياقِ الموضوعِ، كلُّ هَفوةٍ لفظيةٍ، كلُّ كلمةٍ منطوقةٍ سَهوًا، سواءٌ كانت داخل سياقٍ مِهنيٍّ دقيقٍ أو خارج حديثٍ عابرٍ، هي بمثابةِ «مادَّةٍ خامٍّ ثمينةٍ» للعدوِّ، هناك دائمًا «المُلتَقِطُ اليَقِظُ» الذي يعملُ بـدهاءٍ وتحليلٍ مُتناهٍ، يلتقِطون هذه الشَّذَرات، يُحلِّلونَ دلالاتها الكامنةَ، ويربطونَها بخيوط المعلوماتِ المُبعثَرةِ، ليتَمكَّنوا في نهاية المطاف من إكمالِ نقاط النَّقص في مهمَّتِهم الاستخبارية.
إنَّ هذه الكلماتِ المُنبعثةِ هي جُسورٌ للعبور يستطيعونَ من خلالِها الوصولَ لأبوابٍ مُحكَمةِ الإغلاق واكتشافِ آخَرينَ يُشكِّلونَ هدفًا لمخططاتِهم، إنّها أهميةُ التأمُّل في المنطوقِ وَوَزْنِ الكلماتِ بميزانٍ من ذَهَبٍ.
وفي الختامِ يَبقى هذا النضالُ الشاقُّ، في لُغتِنا الأكثرِ بساطةً، هو ما يُعرَفُ بـ»الاستخباراتِ العكسيةِ» أو «الاستخباراتِ المُضادَّةِ»، وإنّها ليستْ مُجرَّدَ دفاعٍ، بل هي مُبادرةٌ استراتيجيةٌ تهدفُ إلى إحباطِ، تضليلِ، وتفكيكِ نشاطات أجهزةِ التجسُّس المعادية في معركةِ وَعيٍ شاملةٍ تتطلَّبُ يَقظةً مُتأصِّلةً، وفهمًا عميقًا لتغيُّراتِ العصرِ، وتطبيقًا صارمًا لمبدأِ التحصين اللغويِّ والرقميِّ.
فلنكن جميعًا الحُرّاس الأُمناءَ على سِرِّنا ومستقبلِنا، وكلُّ مِنّا جَبهةٌ لا تُخترَقُ.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

قوات الدفاع الشعبي والعسكري تنفذ عددا من الأنشطة والفعاليات خلال الفترة الماضية

نفذت قوات الدفاع الشعبي والعسكري بالتعاون مع محافظة جنوب سيناء مشروعا للتدريب العملى المشترك لإدارة الأزمات والكوارث بمشاركة الأجهزة التنفيذية وذلك للوقوف على مدى الجاهزية والاستعداد لمجابهة المواقف الطارئة باستخدام الإمكانيات المتاحة وكذا تنمية مهارات العناصر التخصصية.

وتنفيذا لإستراتيجية تنمية روح الولاء والإنتماء لدى شباب الوطن تم تنظيم عددا من الندوات التثقيفية بمديرية التربية والتعليم بمحافظة القليوبية وبجامعات دمنهور وبنها والأسكندرية وكذا ندوة تثقيفية بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة بمحافظة جنوب سيناء، بحضور عددا من المحافظين ورؤساء الجامعات وأعضاء هيئة التدريس والطلبة والطالبات.

وتم إلقاء الضوء على المخاطر والتحديات التى تحيط بالدولة المصرية فى ظل المتغيرات الحالية المعاصرة على المستويين الدولي والإقليمي كذلك الدور والجهود التى تقوم بها الدولة فى مختلف المجالات.

وخلال تلك الفعاليات نقل اللواء أح هشام حسني حسن قائد قوات الدفاع الشعبي والعسكري تحيات وتقدير الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة للحضور، مشيراً إلى أهمية تلك الفعاليات التى تسهم فى تعريف الشباب بالمخاطر والتحديات الراهنة وكيفية مجابهتها على نحو يعلى مصلحة الوطن فوق كل اعتبار .

تلى ذلك تكريم عدداً من أسر الشهداء وذوي الهمم.

كما نظمت قوات الدفاع الشعبي والعسكري عددا من الزيارات للعاملين بالوزارات والمديريات وطلائع مصر من طلبة الجامعات والمدارس إلى عدد من الوحدات العسكرية والمشروعات التنموية القومية لإطلاعهم على جهود وإنجازات الدولة المصرية وقواتهم المسلحة فى سبيل تحقيق رؤية مصر 2030.

يأتي ذلك فى إطار حرص القوات المسلحة على التعاون مع المجتمع المدني والتنسيق مع كافة أجهزة ومؤسسات الدولة.

طباعة شارك قوات الدفاع الشعبي والعسكري القوات المسلحة المجتمع المدني جنوب سيناء

مقالات مشابهة

  • قوات الدفاع الشعبي والعسكري تنفذ عددًا من الأنشطة والفعاليات خلال الفترة الماضية
  • قوات الدفاع الشعبي والعسكري تنفذ عددا من الأنشطة والفعاليات خلال الفترة الماضية.. صور
  • قوات الدفاع الشعبي والعسكري تنفذ عددا من الأنشطة والفعاليات خلال الفترة الماضية
  • بعد العصائب.. كتائب الإمام علي تقرر فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي
  • ترامب يختار بيل بولت لمنصب القائم بأعمال مدير وكالة الاستخبارات الوطنية
  • خلفًا لتولسي غابارد..ترامب يكلّف بيل بولتي بقيادة الاستخبارات الوطنية مؤقتًا
  • عصائب أهل الحق تباشر فك ارتباطها بالحشد الشعبي وتُشكل لجنة لحصر السلاح
  • مرقص تابع وبعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر استكمال آلية حماية الصحافيين أثناء الحروب
  • نتنياهو: ننفذ الآن عمليات في عمق لبنان.. وسنواصل حتى استكمال المهمة
  • خلية المطرية.. استكمال محاكمة 7 متهمين بتهم الإرهاب وتمويل الجماعات المتطرفة