كيف نكون دولة رقمية ومسؤولينا خارج الشبكة؟
تاريخ النشر: 19th, November 2025 GMT
صراحة نيوز ـ بقلم محمد القرعان
في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة راية “التحول الرقمي” في كل مناسبة، وتعد الأردنيين بقفزة نوعية نحو المستقبل، تختار — وبلا تردد — أن تدير هذا التحول بذات الوجوه التي أرهقها تدوير المناصب واستُهلكت أفكارها… وجوه تعتبر “فتح اللابتوب” إنجازًا إداريًا، و“تغيير كلمة السر” تحديًا وطنيًا يستحق اجتماع لجنة وزارية!
فكيف يمكن أن نتحدث عن مشروع وطني ضخم يحتاج إلى سرعة ومرونة ومهارات رقمية، بينما تُسند إدارته إلى قيادات تتعامل مع العالم الرقمي كأنه “مهمّة موظف في الأسفل”، لا أنه العمود الفقري للإدارة الحديثة؟
كيف نطالب بمؤسسات قادرة على العمل بذكاء اصطناعي وتحليل بيانات وأتمتة خدمات، بينما لا يزال بعض من يقود تلك المؤسسات يطلب من موظفيه تحديث التطبيق أو إنشاء كلمة سر جديدة؟
المشكلة ليست في العمر بحد ذاته، بل في العقلية التي ترفض أن تتغير.
فالتدوير المستمر للأسماء ذاتها، من موقع لآخر، لا ينتج خبرة تراكمية بقدر ما ينتج شبكة مغلقة تمنع دخول أي دم جديد.
والأدهى أن الحكومة تتحدث بثقة عن “تمكين الشباب”، بينما تُقصي الكفاءات الشابة عن المراكز التي تحتاج لعقولهم، وتصرّ على الاحتفاظ بمفاصل القرار لدى أشخاص لا علاقة فعلية لهم بالعصر الرقمي.
التحول الرقمي ليس بيانًا ولا شعارًا ولا مؤتمرًا مليئًا بالمصطلحات.
إنه ثورة في طريقة التفكير والإدارة والعمل والخدمة.
والثورة تحتاج إلى جيل يفهم سرعاتها، يعيش لغتها، ويستطيع اتخاذ قرار تقني دون الرجوع إلى “آخر من يعرف”.
لا يمكن لدولة أن تدخل المستقبل بينما تُبقي أبوابه بيد أشخاص يعيشون ذهنية الماضي.
ولا يمكن أن نطالب بنتائج مختلفة ونحن نُعيد تدوير القيادات نفسها التي لم تستطع تحقيق نتائج في مواقعها السابقة.
إن كانت الحكومة جادة في التحول الرقمي — لا في استخدامه كشعار — فعليها أن تكسر دائرة التدوير، وأن تفتح المجال لقيادات شابة متخصصة، تعرف التكنولوجيا لا من خلال العروض التقديمية، بل من خلال الممارسة اليومية والفهم العميق.
فالمستقبل لا ينتظر أحدًا،
والتحول الرقمي إما أن يُدار بعقول تؤمن به…
أو يظل مجرد عنوان جميل معلّق على جدار حكومي، لا يغيّر شيئًا في حياة الناس.
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام التحول الرقمی
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..