يشكّل ياروسلاف ميخايلوف، المواطن الروسي الذي وجد نفسه في قلب واحدة من أخطر العمليات التخريبية المنسوبة لموسكو في أوروبا، محور صراع استخباراتي محتدم بين روسيا وعدد من الدول الأوروبية.

ورد ذلك في تقرير حصري مطول نشرته واشنطن بوست قالت فيه إن وثائق التحقيق وشهادات مسؤولين أمنيين غربيين، تحوّل ميخايلوف إلى لاعب أساسي في شبكة عمليات سرّية تعتمد عليها الاستخبارات العسكرية الروسية، مستفيدة من قدرته على التنقّل المتكرر داخل أوروبا باستخدام هويات مزوّرة وجوازات سفر مزيفة، بعضها صادر باسم أوكرانيا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2هآرتس: قرار الأمم المتحدة الأخير شديد الغموض بشأن الدولة الفلسطينيةlist 2 of 2صحيفة إيطالية: 4 خيارات على طاولة ترامب للتخلص من مادوروend of listزار 10 دول

وأوضح التقرير، الذي أعده، غريغ ميلر وكاثرين بولتون وماري إليوشينا، أن سجلات الهواتف وتحقيقات الأجهزة الأمنية تظهر أن ميخايلوف زار ما لا يقل عن 10 بلدان خلال العام الماضي، من بينها ألمانيا والنمسا وبولندا، وتركيا، ورومانيا، وبيلاروسيا.

وأضاف أن هذا النشاط الواسع وفّر له الغطاء والتنقل اللازمين لتنسيق عملية شحنات الطرود المفخخة التي هزّت أوروبا في يوليو/تموز 2024، والتي اعتبرتها أجهزة الأمن الأميركية والأوروبية إحدى أكثر العمليات الروسية تهوّرا منذ بدء الحرب في أوكرانيا.

وتشير المعلومات الاستخباراتية، وفقا للتقرير، إلى أن ميخايلوف لم يكن مجرد ناقل للأوامر، بل كان مشاركا في تحديد مواصفات الأجهزة المتفجرة التي استخدمت في المخطط، وهو ما يوحي بامتلاكه خبرات تقنية دفعت "الاستخبارات العسكرية الروسية" إلى تكليفه بهذه المهمة الحساسة.

ياروسلاف ميخايلوف (شبكة الأخبار الليتوانية)روسيا مصدر المكونات

فقد جاءت المكوّنات من روسيا، مركّبة من إلكترونيات ومواد قابلة للاشتعال متاحة تجاريا، لكنها خضعت لتعديلات دقيقة أثّرت في قدرتها على المرور عبر أنظمة التفتيش الأمني، حسب واشنطن بوست.

وجرى تهريب الطرود إلى أوروبا بواسطة ضباط غواصات روس سابقين، أحدهم يدير شركة شحن تربط سان بطرسبورغ بدول البلطيق. وبعد سلسلة معقّدة من عمليات التسليم بين وسطاء، وصلت الأجهزة إلى المنفذين داخل ليتوانيا، إذ تولّى مواطن ليتواني نقلها إلى مكتب "دي إتش إل" في العاصمة الليتواني فيلنيوس في 19 يوليو/تموز العام الماضي.

إعلان

وعلى مدار 3 أيام، اندلعت حرائق في منشآت الشحن في ألمانيا وبولندا وإنجلترا. ولم يتسبب الهجوم في خسائر بشرية، لكن طبيعة الأجهزة -التي تعمل بمؤقّتات وتحتوي على مكوّنات قابلة للاشتعال- دفعت مسؤولين أوروبيين للتحذير من أن انفجارها في الجو كان كفيلا بإسقاط طائرات شحن كبيرة، وهو ما كان سيقود إلى كارثة بشرية واسعة.

تحول ميخايلوف من مجرد عنصر عملياتي إلى نقطة تقاطع بين أجهزة الاستخبارات وصراعات النفوذ، ومؤشر على مدى تعقيد "الحرب الهجينة" التي تخوضها موسكو ضد خصومها في الغرب. كشف خيوط أساسية

ويرى التقرير أن فشل أحد الأجهزة في الانفجار وفر للسلطات البولندية نافذة مهمة لتحليل بنيته الداخلية، الأمر الذي سمح بكشف خيوط أساسية في التحقيق.

أما ميخايلوف، فقد تمكّن من الإفلات من حملة مطاردة واسعة عبر استخدام وثائق هوية مزيفة سمحت له بمغادرة بولندا نحو تركيا، ثم إلى أذربيجان، حيث أوقف لفترة قصيرة بسبب الاشتباه في حمله وثائق سفر مزيفة.

وعلى الرغم من نجاحه في الوصول إلى إسطنبول، يبقى عدم إكماله طريقه إلى روسيا لغزا، خصوصا أن الهروب إلى موسكو كان سيضمن له الحماية من الملاحقة الأوروبية.

 

خطورة العملية

ويرى مسؤولون غربيون، حسب التقرير، أنه ربما كان يخشى من أن تعاقبه موسكو نفسها، نظرا لخطورة العملية التي نفّذها ولأن تنفيذ هجوم قادر على إسقاط طائرة شحن فوق أوروبا قد يجرّ روسيا إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي قد يضعه في دائرة الاتهام داخل بلده.

وقالت معدو التقرير إن هذا التفسير ينسجم مع تقديرات استخباراتية أخرى تشير إلى أن فاعلية العملية ومدى خطورتها كانت أكبر من أن تُنفذ من دون علم أجزاء معينة من الاستخبارات الروسية، لكن من المحتمل أن بعض مستويات القيادة العليا في الكرملين لم تكن على دراية كاملة بكل تفاصيلها قبل وقوع الحرائق، ما يفسّر رغبة موسكو اللاحقة في احتواء تداعياتها.

وفي الوقت الذي يُنظر فيه إلى ميخايلوف كمجرد عنصر ضمن شبكة واسعة تستغل المجرمين والوكلاء منخفضي المستوى لتنفيذ أعمال تخريبية، يكشف الصراع الدولي على تسلّمه أن دوره كان أكبر بكثير من مجرد منفّذ ثانوي.

مصدر لمعلومات حساسة

فبعض التقارير تصفه بأنه حلقة الوصل الحيوية بين الضباط الروس في الداخل وعناصر التنفيذ في أوروبا، وهو ما يجعله مصدرا محتملا لمعلومات حساسة قد تُحرج موسكو بشدة إذا مثل أمام محكمة أوروبية أو تحدّث إلى محققين غربيين.

وبينما تستمر أذربيجان في إبقائه داخل حدودها من دون أن تسمح بنقله إلى أي دولة، تظل القضية مفتوحة على احتمالات متعددة: امتناع باكو عن تسليمه لموسكو أو وارسو، ضغوط متزايدة من الدول الغربية، واحتمال أن يصبح ميخايلوف ورقة تفاوض مستقبلية في ملفات أكثر حساسية على مستوى العلاقات بين روسيا وأوروبا.

بهذا، يقول التقرير، إن ميخايلوف يتحول من مجرد عنصر عملياتي إلى نقطة تقاطع بين أجهزة الاستخبارات وصراعات النفوذ، ومؤشر على مدى تعقيد "الحرب الهجينة" التي تخوضها موسكو ضد خصومها في الغرب.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • واشنطن بوست تحذر من قمع الحريات في بريطانيا بعد حظر دخول مؤيدين لفلسطين
  • عمدة موسكو: الدفاع الجوي أسقط 11 طائرة مسيرة
  • عمدة موسكو: إسقاط 4 مسيرات أوكرانية
  • تاس: استئناف المفاوضات مع أوكرانيا مرتبط بنهاية الصراع حول إيران
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الخارجية الروسية تتهم بريطانيا بدفع أوروبا نحو مواجهة عسكرية مع موسكو
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • عن عودة السلاطين ومشروع الفوضى