صورة المعلم : النموذج الحالم والواقع الكئيب
تاريخ النشر: 22nd, November 2025 GMT
صورة المعلم : النموذج الحالم والواقع الكئيب
#شبلي_العجارمة
أنا مخضرم الوطنية الوظيفية ، فقد عشت الجندية ،وها أنا أعمل معلمًا، هناك كان يحدني ميدان وحرية محدودة ،وهنا يحدني صباح مكرر وجدران أربعة ، أتعايش مع مخرجات التعليم المشوهة ؛ طالب كوروني يكتب مثال جملة النحو ويرقمها بالإنجليزي ، ويكتب اسمه باللغة الإنجليزية على اختبار العربية لغتي الجديد ، لكنه في مادة اللغة الإنجليزية يجيب على الدوائر بأحجية ( حدرة بدرة) .
لي صديق من خارج رحم العملية التربوية ، شاء الله تعالى له أن يعمل آذنًا في إحدى المدارس ، وصديقي هذا مدخن شره ، ونظرًا لظروفة البرجوازية يقوم كل جمعة بالنزول إلى وسط البلد ليشتري دخان هيشي فاخر وعلبة لف سجائر من إحدى حانات عمان المختصة ، صديقي يستغل أوقات فراغه بلف العدد الكبير من السجائر ليدخنها في تعليلتنا على إبريق الشاي الذي يحبه حد العشق ، وحين قلت ذات تعليلة : لي أخ رأيته يدخن لف مثلك تمامًا ، فضحك صديقي بعد أخرج السيجارة العاشرة من علبته المعدنية اللامعة ليشعلها وقال : يا صديقي أنا في المدرسة ثلاثة أرباع المعلمين يدخنون مثلي لف سجائر عندما يجلسون في استراحتهم بعيدًا عن الطلبة.
قبل عدة أيام ذهبت لأفرغ إجازة مرضية حقيقية في مركز البنيات الصحي ، وأنا أسأل عن مدير المركز لتعبئة نموذج ٨١ لإجازتي المرضية، التقطني على الباب شاب في الاستعلامات وقلب الباج الذي يحمل اسمه ، وناداني إلى لوحة تعليمات في آخرها بند يقول : يمنع تفريغ الإجازات المرضية للمعلمين ، فخرجت دون أن أجادله ، فمن كتب القرار هو مثل هذا الشاب الذي ينفذ تعليمات المعالجة، تلقى علمه على يد معلم وحين وصل إلى سدة الوزارة كافأ المعلم بتضييق حتى حرية المرض والألم متذرعًا بأن الظاهرة منتشرة باستخدام أساليب التمارض من قبل المعلمين .
للأسف تم تفصيل جميع القوانين التربوية لتحجيم دور المعلم ؛ تربويًا واجتماعيًا ، بالمقابل تم فرعنة الطالب ومنح السواد الأعظم من أولياء الأمور المزيد من المساحات لمنازلة المعلم المتخندق خلف وضعه المادي ، ووضعه التربوي ، ونموذجه الإنساني الجريح ، باختصار الحكاية : تم نزع العصا من يد المعلم ولم يتم كسرها ؛ بل تم منح عصوات أخرى لطالب وولي أمره.
المعلم الذي تتناهشه كلاليب الإدارة وكتب التعليمات وكل السياسات التعليمية غير المدروسة على أقل تقدير واقعيًا ، بات أقل حلقات المجتمع مكانةً حقيقية ، إلا من فرديات لا تتجاوز أصابع اليد .
أعجبتني عبارات لإحدى المشرفين الذين كنت بمعيتهم في إحدى المدارس الخاصة ، قال : نحن الاختصاص المشاع ، والذي بات ينتقده العالم وغير العالم ، فالميكانيكي لا يستطيع نقده إلا ميكانيكي مختص ضمن مجاله ، والمهندس لا أحد يجرؤ على أن يحط من قدر عمله إلا مهندس مثله ، إلا نحن المعلمين ، بتنا واجهة نقد لربة البيت التي تقوم بفرم البصل في المطبخ تنتقد الخط ، أو عدم وضوح الكتابة على السبورة ، وحين نعرف مستواها التعليمي تكون غير متعلمة ، وتتحدث عن جمال الخط ولونه لا أكثر .
المعلم قصة موجعة بين السرد الحقيقي لواقعه وبين الروايات الإعلامية ، والمعلم بات واجهة الفشل التعليمي والتربوي الافتراضية في كل أنحاء المدارس الحكومية ، والمعلم أصبح الشماعة المتهالكة لتعليق قمصان الأخطاء وثياب الخطايا ثم مسح السكين في رقبته النازفة منذ أن جردناه من سيفه الخشبي ولم نعطه درعًا فولاذية نضمن بها سلامته النفسية والجسدية !
المصدر
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود