د. عبدالله الغذامي يكتب: الذاكرة الفطرية.. الذاكرة الصناعية
تاريخ النشر: 22nd, November 2025 GMT
للذاكرة وظيفتان تشتغلان معاً فيما تختزنه الذاكرة وما تتخلص منه، فهي مثل الإناء من حيث الامتلاء والإفراغ في تعاقب مستمر، فالإناء كلما امتلأ فرّغ بعض مخزونه كي يتقبل مزيداً من الامتلاء، وكذا الذاكرة كلما أثقلناها بمعطياتنا فليس لها إلا أن تحيل بعض ما لديها للنسيان. ويظل المكتوب عليه التناسي في طي النسيان ولكنه نسيانٌ مراوغ، فبعضه يتعصى على الزوال ويظل يعاودنا أو يسلم نفسه لحالات الاستدعاء، وتقابله عناصرُ تذوب وتتلاشى إلا بعد تصنعٌ للاستذكار، وذلك حينما يسعى أحدٌ ما أو حدث ما لتحريك مخبوءاتنا لنستعيدها، وقد نجدها غريبةً بسبب نسياننا لها وقد نسخط من تذكيرنا بها ونؤثرها منسيةً.
ويزداد ذلك سلبيةً إذا كانت المظلومية جماعيةً حيث يتكاثر ضجيج الوجع ويأخذ صيغاً عنفيةً تحاصر سبل التصالح مع الغير، وهذا الغير سيكون كل من لا يتفاعل مع أوجاع المظلومين أو من يقع حظه في الموقع الخطأ في حبكة المظلومية، مثل ما يحدث بين اليهود والفلسطينيين، من حيث إن، الفلسطينيين أصبحوا هدفاً مستهدفاً من المظلومية اليهودية، وهي الهولوكوست النازي الذي راح اليهود ضحيةً له، ليجد الفلسطينيون أنفسهم هم المسؤولين عما حدث لليهود. وهي حبكة غير عقلانية ولا منطقية ولكنها حبكةٌ صلبة ٌ ومتحدية وتتبدى غير قابلة للحل، لأن الحلول منطقيةٌ بينما الحالة غير منطقية. وهي تتصل بالذاكرة نفسها، تلك الذاكرة التي تيقظت على وعد من سياسي بريطانيا بوطنٍ قومي لليهود في فلسطين، وهنا تفتحت ذاكرة مظلومية اليهود، والذي فجرها هو وعدٌ لهم بالخلاص. وهنا اشتبكت الذاكرة مع خيط نجاة سيكون كل من وقف في طريقه هو الظالم الباغي، وسيتصرف المظلوم هنا بروح انتقامية من ظالمه (الذي لم يظلمه) لأن ذاكرة المظلومية مشوهةٌ ومكلومة ولن تفهم المنطق. وهنا تأتي الذاكرة الصناعية لتلغي الذاكرة الفطرية ويحل غير الطبيعي محل الطبيعي، وغير العقلاني محل العقلاني. وهذه صفة الذاكرة المأزومة والهوية المأزومة، وكل ذلك من فعل الذاكرة حين تنسى وتستبدل في آن واحد وتلتبس المعاني هنا دون بارقة انفكاك.
من هنا يقوم الفرق بين الظلم والمظلومية، فالظلم جنحةٌ تحدث من ظالم على مظلوم، وحلها حقوقي وقانوني. أما المظلومية فهي زلزال ينفجر في الذاكرة وبه يتم (تصنيع الذاكرة) لحرفها من ذاكرةً فطرية إلى ذاكرة مصطنعة، مما يجعل مظلومية المظلوم تقوده ليظلم من لم يظلمه أصلاً ويرى ذلك دفاعاً عن النفس. وهذا هو منطق وعد بلفور الذي يعتمد نزع أرض وطرد أهلها ليحل شعبٌ آخر محلهم، وسيكون قتل الغير وطردهم عملاً أخلاقياً لأنه عدالةٌ للمظلوم من ظالميه دون سؤال عن الظالم من هو وما هو، وهنا تتحرك الذاكرة المصطنعة لتمنح التبرير غير الأخلاقي، وبالمقلوب سيكون غير الأخلاقي هو الحق والقانون الذي تدار فيه المعاني رغم زيفها الواضح لكل ذي بصيرة. نتيجةً لتزوير الذاكرة.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض أخبار ذات صلة
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: الغذامي عبدالله الغذامي
إقرأ أيضاً:
بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
كل إنسان في الدنيا عنده خطوط حمراء لا يسمح لاحد بتجاوزها وعنده نوع معين من العلاقات يراه مقبولا ونوع اخر يراه مرفوضا تماما ولذلك ظهرت فكرة العلاقات المحظورة التي تختلف من شخص لاخر ومن بيت لاخر ومن مجتمع لاخر ايضا فما يراه البعض امرا عاديا قد يراه غيرهم خيانة او قلة احترام او تجاوزا لا يمكن السكوت عنه
العلاقات المحظورة ليست دائما مرتبطة بالحب او الخيانة كما يعتقد البعض لكنها اوسع من ذلك بكثير فهناك اشخاص يعتبرون التدخل الزائد في حياتهم نوعا من العلاقات المرفوضة وهناك من يرفض الصداقة القائمة على المصلحة فقط وهناك من يرفض ان تتحول العلاقة بين الناس الى استغلال او تحكم او ضغط نفسي مستمر
في بعض البيوت تعتبر الصراحة المطلقة شيئا مزعجا بينما يراها اخرون اساس اي علاقة ناجحة وهناك من يرفض فكرة السيطرة داخل العلاقة ويرى ان الحب الحقيقي يقوم على الحرية والثقة وليس على المراقبة والشك والخوف الدائم وهناك اشخاص لا يقبلون ان يدخل احد في خصوصياتهم مهما كانت درجة القرب بينهما لانهم يعتبرون الخصوصية حقا لا يجب المساس به
ومن اخطر العلاقات المحظورة تلك التي تجعل الانسان يفقد نفسه بالتدريج عندما يعيش شخص في علاقة تجبره كل يوم على التنازل عن كرامته او مبادئه او راحته النفسية فهنا تتحول العلاقة من مساحة امان الى عبء ثقيل حتى لو كان الطرف الاخر قريبا او محبوبا فالانسان يحتاج الى احترام وتقدير اكثر من حاجته الى الكلمات الجميلة
هناك ايضا من يرى ان العلاقات القائمة على الكذب محظورة مهما كانت الاسباب لان الثقة عندما تنكسر يصبح من الصعب اعادتها كما كانت والبعض يرفض العلاقات التي تقوم على المقارنة الدائمة او التقليل من الطرف الاخر لان ذلك يقتل المشاعر بالتدريج ويحول الحياة الى منافسة مرهقة بدلا من ان تكون دعما واحتواء
وفي زمن مواقع التواصل اصبحت العلاقات اكثر تعقيدا فهناك من يعتبر نشر تفاصيل الحياة الخاصة امرا عاديا بينما يراه اخرون تعديا على الخصوصية وهناك من يرى ان التواصل المستمر مع الغرباء بدون حدود نوع من العلاقات المرفوضة بينما يعتبره غيرهم حرية شخصية لا تستحق النقاش
الحقيقة ان العلاقات المحظورة ليست قائمة ثابتة يلتزم بها الجميع لكنها انعكاس لطبيعة كل انسان وتجاربه وقيمه وما عاشه في حياته ولذلك لا يمكن الحكم على مشاعر الناس بسهولة لان لكل شخص حدوده التي يشعر بعدها بالراحة او الاذى
وفي النهاية تبقى العلاقة السليمة هي التي تمنح الانسان شعورا بالامان والاحترام والراحة دون خوف او ضغط او استنزاف نفسي فاي علاقة تجعل الانسان يفقد نفسه او كرامته او سلامه الداخلي هي علاقة يجب التوقف امامها مهما كان اسمها او شكلها