الطليعة الشحرية
لم تكن كارثة عائلة يونس حادثًا عرضيًا يُمكن تجاوزه أو التعامل معه كبقية الأخبار اليومية، فقد كشفت الفاجعة حجم الفجوة التي تراكمت بين احتياجات الناس الفعلية وبين المنظومات التي يفترض بها أن تحميهم.
أن تُفقد أسرة كاملة- 6 أفراد- بسبب انقطاع الكهرباء، والأب مُسرّح من عمله، يعني بوضوح أن سلسلة طويلة من التقصير المؤسسي والمجتمعي تركت هذه الأسرة في مواجهة ظروف لا يمكن للبشر احتمالها؛ فالأسرة التي كانت تعيش أصلًا على هامش القدرة الاقتصادية وجدت نفسها فجأة بلا دخل، وبلا سند، وبلا أي آلية حماية تستوعب صدمتها أو تخفف عنها عبئها!
ويزداد المشهد وضوحًا عندما نضع في الاعتبار أن الحد الأدنى للأجور المحدد بـ325 ريالًا فقط، أصبح غير قادر على تغطية احتياجات الحياة الأساسية؛ حيث إن تكلفة الكهرباء والمياه والطعام ارتفعت إلى مستويات تجعل هذا الدخل عاجزًا حتى عن تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، بينما ترتفع تكلفة الخدمات والإيجارات عامًا بعد عام.
ولعلّ أحد العوامل التي عمَّقت هشاشة الوضع الوظيفي والاقتصادي في البلاد هو غياب الأمان الوظيفي لكثير من العاملين، خصوصًا أولئك الذين يعملون بعقود مؤقتة دون تثبيت واضح أو مسار مهني مضمون؛ فهذه الفئة- التي تضم موظفين وخريجين وباحثين عن عمل- تعيش في حالة دائمة من القلق، لأنها ليست محمية فعليًا من التسريح، ولا تملك الضمانات الكافية التي تحفظ استقرارها المالي والاجتماعي.
ومع تطبيق نظام “إجادة” وما يرتبط به من آلية تقييم صارمة قد تؤدي إلى الاستغناء عن الخدمات بمجرد حصول الموظف على مؤشريْن سلبييْن، أصبح كثير من العاملين تحت وطأة ضغط مستمر، يخشون فيه أن يفقدوا وظائفهم لأسباب قد لا تعكس دائمًا أداءهم الحقيقي أو ظروفهم العملية. هذا التهديد المستمر- بالاستغناء أو عدم التجديد أو التقييم الجائر- لا يخلق بيئة عمل صحية، ولا ينسجم مع رغبة الدولة في تعزيز الاستقرار الأسري وزيادة المواليد ورفع الإنتاجية؛ بل يدفع كثيرين نحو القلق والبحث عن بدائل غير مستقرة، ويترك آخرين على حافة البطالة. ولذلك نقول إن منظومة عمل قائمة على الهشاشة والعقود المؤقتة قد تُنتج التزامًا قصير الأمد، لكنها بالتأكيد لا تُنتج استقرارًا مجتمعيًا ولا أمنًا نفسيًا، ولا يمكن أن تُعطي نتائج تنموية طويلة المدى.
وفي الوقت نفسه، يشير تدنّي نسبة المواليد إلى صورة مُقلقة تتجاوز الاقتصاد إلى البنية المجتمعية ذاتها، فحين يتردد المواطن في إنجاب الأطفال بسبب الخوف من المستقبل المعيشي، أو لعدم قدرته على تحمّل تكاليف السكن والخدمات؛ فهذا يعني أن السياسات القائمة لم تعد مُتصلة باحتياجات الفرد ولا بطموحات الأسرة العُمانية. والمجتمع الذي تخشى فيه الأسر التوسع أو الصرف على أطفالها، هو مجتمع يعاني من خلل عميق في أولوياته وطرق إدارته.
وفي ظل هذا المناخ الضاغط، جاءت فاجعة عائلة يونس لتكشف غيابًا واضحًا لدور الجهات المعنية؛ فالتسريح من العمل يجب أن يُفعِّل منظومة حماية لا أن يقطعها. والجهات المختصة كان عليها أن تتابع وضع الأسرة بمجرد فقدان الأب لعمله، وأن تُوفِّر لها الحد الأدنى من الدعم الذي يمنعها من الانزلاق إلى هذا المستوى الخطِر من الهشاشة. لم يكن منطقيًا أن تُترك الأسرة بلا كهرباء، وبلا وسيلة آمنة للتعامل مع انقطاع التيار، وبلا زيارة واحدة من جهة مختصة تستطيع تقييم وضعها أو التدخل قبل أن تقع الكارثة. هذا النوع من الغياب لا يدل على ضعف إمكانيات؛ بل على ضعف في آليات المتابعة والتنسيق والتقدير.
أما المجتمع، فقد كان هو الآخر غائبًا بشكل ملحوظ، فالمجتمع العُماني- المعروف تاريخيًا بتماسكه وروابطه العائلية والإنسانية- بدا في هذه الحالة مُتباعِدًا عن جذوره. لم تُلتقط الإشارات المُبكِّرة التي كانت واضحة للجميع: الفقر المتزايد، والتسريح، وانقطاع الكهرباء المتكرر، والظروف المعيشية الضاغطة. لم يكن مطلوبًا من الجيران أو الأقارب تقديم حلول كبرى؛ بل مجرد متابعة وسؤال قد يكشف حاجة الأسرة أو يفتح الباب أمام مساعدة تمنع المأساة. لكن الصمت الذي أحاط بالأسرة جعلها في عُزلة لم تستطع احتمالها.
ورغم ذلك، فإنَّ الحلول ليست بعيدة ولا مُعقَّدة؛ فبإمكان مؤسسات الدولة، خلال فترة قصيرة، تنفيذ إصلاحات عملية تمنع تكرار ما حدث، مثل؛ إطلاق نظام دعم طارئ تلقائي للمسرّحين دون الحاجة لإجراءات طويلة، ورفع الحد الأدنى للأجور بما يعكس كلفة المعيشة الحقيقية، وربط البيانات بين الجهات لضمان عدم سقوط أي أسرة خارج شبكة الحماية، وفرض وقف مؤقت لقطع الكهرباء عن الأسر منخفضة الدخل حتى تقييم وضعها اجتماعيًا. ويمكن اعتماد برامج طاقة بديلة منخفضة التكلفة للأسر محدودة الدخل وتلك التي بلا دخل، وإطلاق فرق اجتماعية ميدانية تنفذ زيارات دورية، إلى جانب مبادرات مجتمعية بسيطة مثل "جار يقظ" تعيد إحياء قيم السؤال والمتابعة.
إنَّ فاجعة عائلة يونس ليست مجرد ذكرى حزينة؛ بل جرح مفتوح في الوعي العام، ومرآة تعكس هشاشة منظومة كاملة كان يُفترض أن تحمي الإنسان قبل أن يصل إلى هذه النهاية المؤلمة. لقد قالت هذه الحادثة بصوت عالٍ ما ظلّ الناس يهمسون به طويلًا: إن السياسات الحالية لم تعد تكفي، وإن الأمن الاجتماعي لا يقوم على الوعود؛ بل على أفعال ملموسة تُشعر المواطن بأنه ليس وحيدًا. ولا ريب أن حماية الأسر الهشّة، ورفع مستوى الدخل، وتوفير عمل مستقر، وإحياء قيم التضامن، ليست مطالب مثالية؛ بل حقوق أساسية لا يجوز التنازل عنها في دولة تسعى إلى مستقبل مستقر وآمن.
وإذا كانت هذه الأسرة قد رحلت في ظلام الليل، فإن مسؤوليتنا- حكومةً ومجتمعًا- أن لا يأتي هذا الظلام مرة أخرى، وأن نضمن ألا تُكتب مُجددًا قصة تشبه قصة يونس؛ فالمآسي التي يمكن منعها ليست قدَرًا، والسكوت عنها تواطؤٌ صامت، وترك الناس وحدهم نوع من الهدم البطيء لمقومات المجتمع.
كُلنا يونس حين نخشى على مستقبلنا.. حين نختبر هشاشة العمل والدخل.. حين نرى الفجوة بين الواقع والوعود تتسع. كلنا مسؤولون عن أن تكون هذه الفاجعة نقطة بداية لتغيير حقيقي لا يعود بنا إلى السؤال المؤلم: لماذا سقطوا؟ بل يدفعنا إلى الإجابة الحاسمة، كيف نمنع سقوط أحد بعد اليوم؟
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.