العامرات.. المأساة التي ما كان ينبغي أن تحدث
تاريخ النشر: 22nd, November 2025 GMT
صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد
مأساة حصلت في ولاية العامرات بتاريخ 19 نوفمبر 2025، بوفاة أسرة كاملة مكونة من 6 أشخاص؛ هم: زوج وزوجة وأربعة من أبنائهم، إضافة إلى جنين في بطن أمه بعمر 8 شهور، وذلك نتيجة لاستنشاقهم غاز أول أوكسيد الكربون أثناء نومهم، فيما قيل إنه ناتج عن تشغيل مولِّد كهربائي بديلًا عن الكهرباء المنقطعة عنهم.
في تلك الليلة هُدِمَت قلوب الكثيرين بهذه الفاجعة، وساد حزن قاتم ليس في العامرات وحسب، وانما في عُمان كلها.
سحابة سوداء خيَّمت على بيت المنكوبين في تلك الليلة والذين راحوا ضحية الأوضاع الإنسانية السيئة التي ما كان ينبغي أن يعيشوها والتي كانت سببًا في فقدانهم. فاجعةٌ أصابتهم في مقتل ولو كانت هناك تدابير أفضل للتعامل مع حالات العوز الإنساني لكان بالإمكان تفادي هذه الكارثة.
وهنا نطرح تساؤلًا: لماذا لا نستحدث مؤسسة "نماء الأسرة" تكون تابعة لوزارة التنمية الاجتماعية يُرصد لها الملايين من الريالات لدعم الأسر المحتاجة، لا سميا تلك التي لديها أطفال دون سن الثامنة عشر. ويكون من مهام هذه المؤسسة أن تنفذ زيارة واحدة كل شهر، لتفقُّد أحوال العائلات المُعسرة والتي من السهل رصدها ومعرفة مقر سكنها من الأحوال المدنية وملفات وزارة التنمية الاجتماعية.
ومثلما تأتي شركات الكهرباء أو المياه لقطع الخدمة عن المشتركين غير القادرين على دفع فواتيرها الشهرية، يمكن لمؤسسة "نماء الأسرة" المقترحة الوصول إلى هؤلاء المشتركين غير المقتدرين، لدعمهم دون اشتراطات تعجيزية أو تعقيدات إجرائية.
على أن يتضمن ذلك تقديم الدعم المالي الفوري وتزويدهم بـ"الراشن" شهريًا، وتوفير الاحتياجات الاخرى المطلوبة لضمان سلامتهم من المعاناة والألم الناتجين عن نقص المال، مع التأكد- من خلال مستشار متابعة اجتماعي لحالتهم- أن هذه الأُسر فعلًا تستحق المساعدة الاستثنائية، وإلّا غرقت من سوء الحال المستمر. كما يمكن معرفة تطور أوضاعهم المعيشية من خلال الزيارات المتكررة لهم، وخاصة الأسر التي تعول أطفال صغار. والتأكد مما إذا ما كان هؤلاء الأطفال لديهم طعام يكفي حاجتهم، أو أن سكنهم نظيف وآمن صحيًا للنوم والإقامة من عدمه، وما إذا كانت خدمات الكهرباء والمياه متوفرة لديهم، وإذا ما كانت هناك أخطار تقع عليهم من أي وضع غير صحي أو شخص في الأسرة.
إنهم أطفال وبحاجة للرعاية والاهتمام، والمعيل المُعسر أو المُسرَّح من عمله لا يستطيع توفير هذا الاهتمام لهم، لذا لا بُد لجهةٍ رسميةٍ أن تزورهم شهريًا تتفقد أحوالهم وتتخذ الإجراءات اللازمة، حتى يقف هؤلاء على أرجلهم براحة وخير، وحتى لا يقع أطفالنا ضحية الألم والمعاناة في وطنهم.
حين يعجز رب الأسرة عن تأمين المياه والكهرباء والمسكن الآمن لأسرته، يتطلب الأمر تدخُّل الجهات المختصة، وتقديم الدعم والمعونة المالية العاجلة، وتوفير الإرشاد الأسري، وتخفيف العبء المعيشي حتى تجاوز الأزمة.
إنَّ صعوبة العيش ليست اختيارًا، والمعيل الذي يقف عاجزًا أمام تلبية متطلبات أسرته ليس مُقصِّرًا دائمًا؛ بل هو إنسان يواجه ظروفًا أكبر من قدرته على التحكم فيها، وهنا تأتي أهمية التدخل الحكومي للإغاثة.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..