علي جمعة: التكامل أراده الله لصلاح الناس وإصلاح الأرض وإعمارها
تاريخ النشر: 23rd, November 2025 GMT
قال الدكتور علي جمعة، مفتى الجمهورية السابق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن التكامل هو الذي يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة مآلَها إلى السكن والسكينة، وإلى المودة والرحمة، وإلى التعاون وعمارة الأرض بالنسل الصالح القوي.
واستشهد بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
التكامل
واشار عبر صفحته الرسمية على فيس بوك ان ذلك التكامل هو الذي يجعل الحاكمَ والمحكومَ في خندقٍ واحد أمام كيد الكائدين، ويجعل الحاكم رفيقًا رحيمًا بالمحكومين، راعيًا لشؤونهم، قائمًا بمسؤوليته على أكمل وجه، حيث يتمثّل كلُّ حاكمٍ وصيةَ الإمام علي بن أبي طالب لمالك بن الحارث الأشتر حين ولاه مصر، عندما قال له: «وأَشْعِرْ قلبَكَ الرحمةَ للرعية، والمحبّةَ لهم، واللطفَ بهم، ولا تكوننَّ عليهم سَبُعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صِنْفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق، يَفْرُطُ منهم الزَّلَلُ، وتعرض لهم العلل، ويُؤتَى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطِهِمْ من عفوك وصفحك مثلَ الذي تحبُّ أن يعطيكَ اللهُ من عفوه وصفحه». والتكاملُ يجعل المحكوم متعاونًا متفهّمًا لحاكمه، معرضًا عمّا لا فائدة من ذكره، مقبلًا على صالح بلاده ونمائها.
وتابع: إنه التكامل الذي يجعل صاحبَ العمل يتعاون مع العمال، وصاحبَ رأس المال يتكامل مع القوة البشرية التي تدير المشروع، فلا يكون هناك نَهَمٌ من صاحب المال بحيث يطمع ويستغلّ ظروفَ سوق العمل، ولا يكون هناك ضغطٌ من العمال لأخذ ما لا يستحقون، بل يتعاون الجميع على تنمية اقتصاد البلاد وصلاح أحوالهم المعيشية بما يرضي الله.
إنه التكامل الذي يجعل صاحب البناء متعاونًا ومتفهمًا مع المستأجرين، فيتعاون الجميع على نظافة وجمال بنايتهم، فيصبح الحي كله نظيفًا جميلًا، ومن ثَمَّ يكون البلد كله متحضّرًا، وعنوانًا على نظافة المسلمين وتعاونهم.
ذلك التكامل هو الذي يجعل الغنيَّ يساعد الفقير، ويجعل الفقيرَ منتجًا ويتخلّص من فقره، ويجعل الشعورَ السائد بين الأغنياء والفقراء هو الحبَّ والتعاون؛ فلا يرى الغنيُّ في نفسه فضلًا على الفقير، ولا يرى الفقيرُ في نفسه دناءة.
هذا التكامل الذي إذا ما تمّ في كل تلك المجالات يتحقّق فينا وصفُ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول: «تَرَى المؤمنين في تَراحُمِهِم وتوادِّهم وتعاطفهم كمَثَلِ الجسدِ؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائرُ جسده بالسهر والحمّى» [أخرجه البخاري ومسلم].
هذا التكامل الذي أراده الله لصلاح الناس وإصلاح الأرض وإعمارها، رزقنا اللهُ فَهْمَ سنّةِ التكامل وتطبيقَها على الأرض.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: علي جمعة التكامل العلاقة بين الرجل والمرأة السكن المودة عمارة الأرض صلاح الناس إصلاح الأرض التکامل الذی الذی یجعل علی جمعة
إقرأ أيضاً:
مفتاح العلاقة بين العبد وربه.. علي جمعة يحذر العصاة من 5 أفعال
لاشك أن مفتاح العلاقة بين العبد وربه تعد من أهم المفاتيح التي ينبغي علينا جميعًا أن نعرفها بل ونغتنمها، لأن مفتاح العلاقة بين العبد وربه من شأنه فتح كل أبواب الخيرات والرحمات والأرزاق، ولهذا ينبغي ادراك هذا المفتاح الذي يتعلق به كثير من الأحلام والآمال والحوائج ، وبه يفوز العبد بنعيم الدنيا وجنة الآخرة.
قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن مفتاح العلاقة بين العبد وربه إحسان الظن بالله ؛ منوهًا بأن حسن الظن بالله هو حقيقة الإيمان ، وهذا الكلام موجه للعاصي قبل الطائع.
وأضاف «جمعة» عن مفتاح العلاقة بين العبد وربه، قائلاً: أيها العاصي لا تيأس من روح الله ، أيها العاصي أحسن الظن بالله ، وأن الله سبحانه وتعالى عفو ورحيم ، إياك أن يعطلك عن التوبة خجلك من ذنبك .
وتابع: إياك أن يعطلك عن التوبة اعتقادك أن الله لن يغفر لك ، إياك أن ترى أن الله المنتقم الجبار ولا ترى أن الله الرحمن الرحيم ، ولا ترى أن الله عفو تواب ، منوهًا بأن هناك ثلاث قواعد لتنظيم العلاقة بين العبد وربه أولهم الإخلاص.
ودلل بما قال تعالى: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }، وأساسها "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ،ومن كانت هجرته إلى دنيا يريدها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وأفاد بأن هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا من أبواب الفقه، وهو ثلث الدين، وهو الذي يعبر عن موقف القلب من رب العالمين .. فلابد من النية، ولابد من الإخلاص فيها.
وأشار إلى أن ثاني هذه القواعد التي تنظم هذه العلاقة بين العبد وربه الدوام مصداقا لقوله تعالي عز وجل "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ".
واستطرد: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" "يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل وتركه" وعائشة رضي الله تعالى عنها تصف عمله صلى الله عليه وآله وسلم "كان عمله ديمة" أي كان دائمًا لا ينقطع.
ونبه إلى أن حسن الظن بالله سبحانه وتعالى هو ثالث هذه القواعد ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه: (أنا عند ظن عبدي بي) فإن أحسنت الظن فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب لك على حسن ظنك.
وأردف: وإن أساءت فلا تلومن إلا نفسك، مشيرًا إلى أن حسن الظن بالله تعالى يستلزم الثقة بما في يد الله سبحانه وتعالى، ويستلزم حسن التوكل عليه؛ والله سبحانه وتعالى يحب المتوكلين عليه، ويستلزم التسليم والرضا بقضائه وقدره في أنفسنا، ويستلزم الالتجاء إليه بالدعاء ؛والدعاء هو العبادة.
علاقة العبد بربهلا شيء أعظم من تعلّق قلب المؤمن بربّه عز وجل، فلا إيمان ولا عبودية إلا بتعلق العباد بالله من جهة ربوبيته وإلاهيته، ويتضمن ذلك معنى الافتقار والحاجة إليه سبحانه، فيحصل الخشوع والخضوع والتوكل والغِنى بالله سبحانه، والغاية من خلق الله للناس هي العبادة، وتكون عبادة الله بتوحيده وجعل العبودية له وحده لا شريك له.
ونفي تعلّق القلب بأي شيء سِواه، والمتعلّق بالله يجد ألطاف الله وكرمه وعنايته؛ فلا يخذله الله في المواقف الشديدة، ويفرّج ضيقه، ويوسّع عليه مخارجه، ويحفظه ويتولّاه، لكن من تعلّق بغيره فمصيره الخذلان والحرمان، والأهم من اعتناء الإنسان بعلاقته مع الناس هو اهتمامه بالعلاقة الأصل، وهي علاقته مع الله، حيث أن العلاقات الأخرى لا يمكن لها أن تكون ثمارها صالحة إلا إذا صلحت العلاقة مع الله.
ولما طلب معاوية بن أبي سفيان من عائشة أم المؤمنين أن توصيه، كتبت إليه أنها سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: (منِ التمسَ رضا اللَّهِ بسَخطِ النَّاسِ كفاهُ اللَّهُ مؤنةَ النَّاسِ، ومنِ التمسَ رضا النَّاسِ بسخطِ اللَّهِ وَكلَهُ اللَّهُ إلى النَّاسِ).
ونرى الكثير من الناس مَن إذا حضر أقبل عليه الناس، وإذا ذُكر أثنوا عليه، تحبه قلوبهم وتمدحه ألسنتهم، وربما لم يلتقوا به، ولو تم البحث عن السبب في ذلك لكانت علاقته مع الله، والعكس من ذلك صحيح، فمن أحبه الله نادى جبريل أن يحبه، ثم أمر ملائكة السماء أن تحبه، فيحبه أهل السماء وينشر محبته بين أهل الأرض، وعليه فإن المسلم إن كانت علاقته مع الله صالحة؛ كانت أموره ميسّرة، ودعواته مستجابة، وأحواله صالحة.
و حين يكون الإنسان مع الله في الرخاء يكون الله معه في الشدة، فسيدنا يونس مثلاً؛ لو أنه لم يكن من المسبحين لأبقاه الله في بطن الحوت إلى يوم البعث، وفارق كبير بين من تكون علاقته مع الناس قوية وسمعته بينهم طيبة، وعلاقته مع الله هشّة ضعيفة، ولو احتاج أمراً كان الناس هم خياره وملجأه الأول، وبين من يوقن أن النفع والضر كلّه بيد الله تعالى.
كيف أقوي علاقتي مع اللهالتوحيد: ويبدأ الإيمان بالاعتراف والإقرار بربوبية الله -عزَّ وجل- ووحدانيته، فالله هو الخالق البارئ ولا شريك له، فيكون التوحيد أول صلة للعبد بالله -تعالى-، من خلال الإيمان التّام بهذه الحقيقة، كما أنّ التوحيد سبب للنجاة والفوز بالخيرات؛ يقول -صلى الله عليه وسلم-: (أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ، أَنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ).الصلاة، وفي الصلاة يكون العبد أقرب ما يكون إلى ربه، فهو يلبي نداء الآذان، ويقف بين يدي الله -سبحانه-، وأقرب ما يكون العبد إلى ربه في السجود؛ "لأن العبد بقدر ما يذل من نفسه يقرب من ربه، والسجود غاية التواضع، ونهاية التكبر عن النفس؛ لأن النفس لا تأمر بالتواضع، فإذا سجد خالف نفسه، وبَعُدَ عنها فَقَرُب من ربه"؛ لهذا يقول -سبحانه-: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب).الصوم هو عبادة راقية وتقرّب كبير لله -عزّ وجل-، وقد وعد الله الصائمين بالأجر والثواب العظيم، كما أنّ للصائمين دعوةٌ لا ترد، وفي ذلك دلالةٌ على مكانة الصائمين عند الله -عزّ وجل- وقربهم منه، وذلك لأنّ في الصيام مخالفة للشهوات ورغبات النفس، والامتناع عنها امتثالاً لأمر الله -تعالى- يزيد من القوة والعزيمة، ونوع من أنواع التربية والتزكية؛ فتسمو النفس وتقترب من خالقها.الإحسان إلى عباد الله الإسلام هو دين المعاملة الحسنة، وقد وضع الله تشريعاته لينظّم حياة الناس، ويضمن حقوق كل فردٍ منهم، سواءً كان ضعيفاً أم قوياً، ولذلك يجب على المسلمين السير على هذا النهج والإحسان إلى الناس، من خلال أداء الحقوق إلى أصحابها، والانتصار للضعيف، وتقديم العون والمساعدة بجميع أشكالها، وطلاقة الوجه، وكفّ الأذى.برّ الوالدين أمرنا الله ببر الوالدين، وجعل رضاهما من رضاه؛ لما لهما من فضلٍ كبير على أولادهما، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (رضا اللهِ في رضا الوالدينِ وسخطُ اللهِ في سخطِ الوالدينِ)؛ فكم من دعوة صادقة استجابها الله ببركة دعاء الوالدين، وكم من إحسان للعبد كان نتيجة إحسانه لوالديه.النوافل قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: (وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحبَّه، فإذا أحببتُه: كنتُ سمعَه الَّذي يسمَعُ به، وبصرَه الَّذي يُبصِرُ به، ويدَه الَّتي يبطِشُ بها، ورِجلَه الَّتي يمشي بها، وإن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه).وفي هذا الحديث دليل قوي على أهمية النوافل؛ فكّلما زاد العبد من أداء النوافل زادت علاقته بالله -تعالى-، وزاد قربه منه، فبعد أن يزكي العبد نفسه بالتوحيد وأداء فرائض الله -عز وجل- يزكي نفسه بكثرة النوافل؛ والسبب في محبة الله -تعالى- لمن يقوم بها؛ لأنّ العبد يقوم بها طواعية ومحبة لله -تعالى-، بينما الفرائض قد يؤديها مخافة العذاب والعقاب.
ومن النوافل المستحبة: صيام الأيام الستة من شوال، وصيام الأيام التسعة الأولى من شهر ذي الحجة، وصيام الأيام البيض، والاثنين والخميس من كل أسبوع، والصلاة النافلة غير المفروضة.
الصدقة إنّ مالك المال والرزق والخير كلّه هو الله -جل في علاه-، ولذلك يجب على المؤمن إنفاقه بما يرضي الله، ومن هذه النفقات ما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل، وإن المؤمن عندما يتصدق لوجه الله بنيةٍ صادقةٍ، فإنّ هذا المال يقع بين يدي الله قبل يد الفقير، وكأن المؤمن يدّخر هذا المال لآخرته، والصدقة دليلٌ كبيرٌ على الإيثار والرحمة، ومقربة كبيرة إلى الله.قال -صلى الله عليه وسلم- في حقّ المتصدق: (فإِنَّ اللهَ يتقبَّلُها بيمينِهِ، ثُمَّ يُرَبيها لصاحبِها، كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ حتى تكونَ مثلَ الجبَلِ).
ذكر الله عندما يذكر المؤمن ربه؛ فإنّه يذكره في الملأ الأعلى عنده، وهذه الدعوة للمؤمن ليكثر من الاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتكبير خلال يومه وليلته ليذكره الله ويحبه.وثبت في الحديث القدسي عن الله -تعالى-: (أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في ملأ ذَكَرْتُهُ في ملأ خَيْرٍ منهمْ).