أن تكون إنسانًا.. تلك هي المعجزة الحقيقية
تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT
د. مجدي العفيفي
(1)
في زحمة الأيام، وبين صخب الحياة، تتسابق العيون وراء الخوارق.. تُسحر بالطيران، تتعجب من من يمشي فوق الماء، وتختزل المفاجآت في قدرات تبدو خيالية، لكن الحكيم، الذي يرى ما وراء السطح، له رؤية أعمق، ورؤيا أقوى: «الذباب يطير، واللوح يطفو.. فما قيمة ذلك أمام نور القلب الذي لا يقيده مكان، ولا يحده زمان».
حين سُئل عن معجزة شخصٍ قادر على الطيران، فأجاب ببساطة: «هذا أمر غير مهم، فالذباب والبعوض يطيران».
وعندما أُشير إليه بأن فلانًا قادر على السير فوق الماء، قال: «وهذا أيضًا غير مهم، فلوح الخشب يطفو على الماء».
وعند سؤالهم له فما هي المعجزة؟ كانت إجابته مفاجئة لكنها صادمة في بساطتها: «أن تمشي بين الناس وتصبر على أذاهم، ولا تفقد مبادئ الأخلاق، فلا تكذب، ولا تسرق، ولا تغش، ولا تغتب، ولا تخون ثقتهم واعتمادهم عليك، ولا تكسر قلوبهم».
(2)
المعجزة ليست في كسر قوانين الطبيعة، ولا في إظهار القوة الجسدية، ولا في الخوارق التي تدهش العيون.. المعجزة الحقيقية هي ما ينبعث من داخل الإنسان: صدق القلب، صفاء الروح، حكمة العقل، وثبات المبادئ وسط فوضى العالم وضغوطه.
(3)
أن تكون إنسانًا يعني أن تصبر على أذى الآخرين، وأن تبقى صادقًا حين يغريك الكذب، وأن تحافظ على نزاهتك حين يسهل عليك الغش، أن تفي بوعودك رغم الصعاب، وأن تحمي قلوب الآخرين حين يكون كسرها أسهل من الصبر.
كل هذه الأفعال، مهما بدت صغيرة، تتراكم لتصبح شعاعًا من النور يضيء حياة الآخرين.
(4)
نور الصمت.. في صمتك، حين لا يراك أحد، حين تختار الابتسامة بدل الغضب، حين تمنح من دون أن تنتظر المقابل، حين تصبر على القسوة ولا تردّ الإساءة، هناك يولد نور المعجزة، شعاع صغير لكنه خالد، يتسلل إلى القلوب، ويترك أثرًا لا يزول.
(5)
المعجزة في الحياة اليومية
كل صباح جديد هو فرصة لمعجزة صغيرة: كلمة صادقة، ابتسامة تهدي قلبًا حزينًا، صمت يحمي كرامة الآخرين، عون لمن يحتاج، حماية للقلوب من الكسر.
المعجزات اليومية، رغم صغرها، تتجمع لتصبح نورًا مستمرًا، يفوق كل خوارق الطبيعة، وأعظم من كل قدرات مادية.
(6)
المعجزة ليست مبررًا... المعجزة ليست ذريعة لتجاوز الأخلاق، ولا سببًا للإساءة، ولا مبررًا للخطأ.
المعجزة معيار، ودعوة للنظر إلى القوة الداخلية، القدرة على الصمود، على التسامح، على الحب في مواجهة القسوة، قدرة لا تقدر بالمال، ولا تُقاس بالسلطة، ولا تُرى بالعين، لكنها تشع نورًا داخليًا يغير العالم ببطء، ويصنع حياة.
(7)
الإنسان الذي يضيء الطريق.. الإنسان الحقيقي هو الذي يحافظ على مبادئه وسط الفتن، ويصمد أمام الإغراءات، ويضيء الطريق للآخرين بهدوء، قدرته على الثبات في الخير، على الصبر في مواجهة الشر، على الحب حين يكون الكره سهلًا، تفوق أي خوارق يعرفها البشر.
المعجزة هي أن تظل أنت، رغم كل شيء، إنسانًا كاملًا.
(8)
ابحث عن المعجزات، لا في السماء أو في البحر؛ بل في الصبر، في الوفاء، في الحب الذي لا يعرف حدودًا، في الكلمة الصادقة، الابتسامة التي تريح قلبًا حزينًا، الصمت الذي يحمي كرامة الآخرين، الرحمة التي لا تنتظر شكرًا، والعطاء الذي لا يطلب مقابلًا.
كل هذا نور، وكل هذا حياة، وكل هذا معجزة تتجلى يوميًا.
(9)
في كل صباح، حين تفتح عينيك، اعلم أن كل اختيار بين الصواب والخطأ، كل كلمة تقولها، كل موقف تتصرف فيه بنزاهة وصدق، هو شعاع من نور المعجزة.
الحياة مليئة بالتحديات، والناس يخطئون، والألم موجود، لكن يمكنك أن تكون المعجزة في عيون من حولك، أن تكون قلبًا صافيًا، يدًا ممتدة، ونورًا يسير بين الظلال.
(10)
المعجزة ليست في الطيران، وليست في السير على الماء، وليست في المظاهر التي تدهش العيون، المعجزة هي أن يبقى قلبك صافيًا، وروحك نقية، ونواياك صادقة، وأن تمشي بين البشر محملًا بالحب والخير والرحمة.
أن تكون إنسانًا، بكل ما تعنيه الكلمة من ضوء ونقاء، هو أعظم المعجزات، المعجزة التي تتجاوز السماء والأرض، المعجزة التي تترك أثرًا خالدًا في حياة من حولك، المعجزة التي تضيء كل الظلام وتزرع السلام في النفوس.
(11)
كل يوم فرصة للمعجزة..
فلنعتبر كل يوم فرصة لنكون المعجزة التي يراها الناس في قلوبنا قبل أعينهم.
لنغمر حياتنا بالكرامة، لنحب بلا شروط، لنغفر بلا حدود، ولنصبر بلا كلل.
كل لحظة نعيشها بصدق، كل قرار نتخذه بنزاهة، كل ابتسامة نرسلها بصدق، كل موقف نثبت فيه على الأخلاق، هو شعاع من نور المعجزة.
(12)
المعجزة الكبرى ليست فيما نراه؛ بل فيما نصنعه: نور في قلب الآخرين، شعاع في دروب الحياة، مثال حي للإنسانية، وجود يضيء العالم بلا مظاهر أو بهرجة.
أن تكون إنسانًا هو المعجزة الحقيقية، وما عداه مجرد وهم زائل، ضوء يختفي مع أول نسمة صمت.
أما الإنسان، فبقدر نوره، يخلّد المعجزة ويجعل منها حقيقة أبدية.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.