منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين، ازداد عدد الأجانب المقيمين في مصر من 32 ألفًا عام 1860 إلى 140 ألفًا في 1907، وارتفع عدد التجار الأجانب من 133 عام 1891 إلى 2800 في 1917.

وكانت مصر في تلك الحقبة تحت وطأة نفوذٍ أجنبي ثقيل، فالأجانب يتمتعون بحماية ممتدة وامتيازات واسعة، لا تطبق عليهم القوانين والتشريعات المصرية.

ومع بداية القرن الجديد حاول المصريون التخلص من الاحتلال البريطاني، واندلعت ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول كثورة سياسية أعقبها ثورة اقتصاية بقيادة طلعت باشا حرب، الرجل الذي لم يرَ الاستقلال كلمة ترفع في الميادين فحسب، بل مشروعًا اقتصاديًا وثقافيًا يعاد به بناء وطنٍ أنهكته الامتيازات الأجنبية والاحتلال.

الاقتصاد أساس الازدهار

وُلد طلعت حرب في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1867 في حي الجمالية العريق بالقاهرة، تعلم طلعت حرب في مدرسة التوفيقية الشهيرة بمصر القديمة قبل أن يلتحق بكلية الحقوق ليتخرج عام 1889.

لم يكتف الشاب الصغير بدراسة كلية الحقوق بل قرأ عن الاقتصاد والعلوم الإنسانية كما أتقن اللغة الفرنسية.

بدأ حياته العملية، بالعمل مترجمًا في قلم القضايا بالدائرة السنية، وهي الجهة المسؤولة عن إدارة الأراضي الزراعية المملوكة للدولة.

وأظهر طلعت حرب كفاءة رائعة في إدارة أقلام القضايا، لينتقل بعدها للعمل مديرا لشركة كوم أمبو ومنها إلى إدارة الشركة العقارية المصرية، وعمل على تمصيرها حتى أصبحت أغلبية الأسهم للمصريين.

كان طلعت حرب يرى أن ازدهار الاقتصاد أحد العوامل الأساسية لنهوض أي دولة، وكان يؤمن أن المؤسسات الوطنية عليها أن تدعم الشركات الصغيرة ولا تتركها فريسة للتقلبات الاقتصادية.

طلععت حرب

وأسس طلعت حرب شركة التعاون المالي لتقديم القروض للعاملين وأصحاب رؤوس الأموال المتعثرين، وبعد تراكم المعرفة والخبرات لديه، كتب أول كتاب له في عام 1911 بعنوان «علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين»، وقدم تصورا رائعا للنهضة الاقتصادية تعتمد فيها على المصريين وليس الأجانب.

وفي عام 1912، كتب كتابه الثاني «قناة السويس» الذي أبطل فيه مزاعم إنجلترا وفرنسا بشأن ضرورة تمديد امتياز القناة 40 عامًا جديدة بعد انتهاء مدته في 1968، وكان لهذا الكتاب أثر كبير في إفشال خطة الدولتين.

اهتم طلعت حرب بحقوق الفلاحين كما اهتم بحقوق العمال وصغار التجار، فحين شرعت الدولة في تصفية أملاك الدائرة السنية سعى بإصرار إلى أن تؤول الأراضي إلى أيدي من يفلحونها ويعيشون منها، لا إلى كبار الملاك، ونجح في ذلك نجاحًا يعكس رؤيته الاجتماعية الصادقة.

البنك الوطني

عرف السياسيون المصريون حاجة البلاد إلى ضرورة إنشاء بنك وطني، لذلك انعقد مؤتمر وطني عام 1911 من أجل مناقشة الفكرة، إلى أن الحرب العالمية الأولى أوقفت الخطوات العملية لإنشائه.

وبعد سنوات قليلة، اندلعت ثورة 1919 بقيادة الزعيم سعد زغلول، ليطالب طلعت حرب بتفعيل فكرة البنك وضرورة مقاومة السيطرة المالية الأجنبية.

وفي 7 مايو 1920، شهدت الأوبرا السلطانية احتفالاً كبيرًا بتأسيس بنك مصر برأس مال بلغ 80 ألف جنيه ليترفع إلى نصف مليون جنيه بعد 5 سنوات، ووصل إلى مليون جنيه عام 1932.

وكان شعار بنك مصر «صورة كليوباترا» له قصة وتاريخ، إذ أخذه طلعت حرب من كتاب وصف مصر، ولأن هدفه كان بناء استقلال اقتصادي شامل، أنشأ سلسلة مؤسسات مترابطة مثل شركة مصر للسياحة لخدمة الحجاج، شركة النقل البحري، وفندق مصر في جدة.

وفي 14 يناير 1934، أسس طلعت حرب أول شركة تأمين وطنية، مصر للتأمين، لكسر احتكار الأجانب لقطاع التأمين.

وتوسعت الشركة في مصر والعالم العربي حتى أصبحت تسيطر على 60% من السوق، و99% من تأمينات البترول، 99% من تأمينات الطيران، وأصبحت ركيزة أساسية للاقتصاد المصري.

ويعد تأسيس بنك مصر حدثًا تاريخيًا غيّر وجه الاقتصاد المصري، كما غيّرت ثورة 1919 وجه الحياة السياسية، وبالتوازي وولدت السينما المصرية، ونشأ معهد الفنون، وتأسست جامعة القاهرة.

طلعت حرب ستوديو مصر

كانت السينما حاضرة دائمًا في عقل ووجدان طلعت باشا حرب، إذ كان يدرك تماما قيمة الفن وقدرته على تشكيل الوعي للشعب.

وبعد أن فرغ من تأسيس بنك مصر وشركاته الكبرى، قرّر إنشاء استوديو مصر ليكون نافذةً للفن المصري.

وافتتح الاستوديو في منطقة المريوطية بالجيزة عام 1935، وأرسل طلعت حرب بعثات فنية إلى أوروبا لتعلم فنون التصوير والإخراج والديكور والمكياج.

وفي العام نفسه، أنتج فيلم «وداد» لأم كلثوم، الذي كان بداية سلسلة من النجاحات التي لا تنساها ذاكرة الفن المصري.

ومع مرور الوقت، تطور الاستوديو بشكل كبير من حيث معامل الطبع والتحميض، واستديوهات الصوت، وبلاتوهات التصوير، حتى أصبح الاستوديو صرحًا فنيًا مميزًا.

وشهد الاستوديو حفلات لكبار المطربين، وحضر العديد من النجوم أمثال سراج منير وزوجته ميمي شكيب، سليمان نجيب، تحية كاريوكا، فوزي الجزايرلي، حسين رياض، فؤاد شفيق، زكي رستم، توفيق المرديني والكثير.

كما قدّم الاستوديو وجوهًا جديدة أصبحت نجومًا لامعة مثل: ليلى فوزي، مديحة يسري، أمينة شريف، وغيرهن.

صاحب مصنع الزجاج

بالعودة إلى مشروع طلعت باشا حرب وهو بنك مصر، تحدّث اثنان من أحفاد طلعت حرب خلال لقاء تلفزيوني عن ذكريات الأسرة وعن أثره الذي ما زال حيًا.

وأوضحا أنّ طلعت حرب كان له أربع بنات، لذلك لا يحمل أحفاده اسمه، لكنهم جميعًا تربوا على قصصه وأفكاره منذ الصغر، وكان البنك جزءًا من حياة الأسرة، إذ ظلّ بيتًا اقتصاديًا لكل أبنائها.

روى الأحفاد كيف كان طلعت حرب شديد الالتزام بعاداته الشرقية، وكيف كان يجمع أصدقاءه ليلعبوا الدومينو لا للترفيه، بل لاستقاء الأخبار الاقتصادية ومعرفة أحوال التجار والعملاء.

وأشاروا إلى مواقف كثيرة عكست نزاهته وذكاءه الاقتصادي، مثل دعمه لصاحب مصنع الزجاج الذي رهن بيته لإقامة مشروعه، فاعتبر ذلك دليلاً على صدقه واستحقاقه للثقة.

كما تحدّثوا عن نشأته لأولاده وأحفاده في بيت العباسية، وعن أن جده كان يُسمى داخل المنزل “بابا الكبير” لقيامه بدور الأب والجد معًا.

طلعت حرب المؤامرة على بنك مصر

نشبت أزمة اقتصادية كبيرة خلال ثلاثينات القرن الماضي بسبب الحرب العالمية الثانية سنة 1939، وانعكس اضطراب الاقتصاد العالمي على مصر.

أما الصراعات السياسية والاحتلال البريطاني فلم يكونا مرحِّبين باستمرار بنك مصر كصرح وطني مستقل، فتعمد الأجانب على سحب الودائع.

تمثال طلعت حرب

كان بالإمكان إنقاذ البنك بسهولة من تلك الأزمة الاقتصادية، ورفضت الحكومة تقديم قرض إنقاذي، رغم عرض طلعت حرب حصص البنك في الشركات كضمان.

وكان الشرط الوحيد لنجاة البنك هو تنحي طلعت حرب، فوافق قائلاً عبارته الشهيرة: «يذهب ألف طلعت حرب ويبقى بنك مصر».

بعد استقالته من إدارة بنك مصر آثر طلعت حرب الابتعاد عن صخب الحياة العامة، فانتقل إلى قرية العنانية بمركز فارسكور في محافظة دمياط، ليقضي أيامه الأخيرة في هدوء بعيدًا عن الأضواء.

وفي تلك الفترة أصيب بمرض اليرقان واشتد عليه حتى توفاه في 21 أغسطس عام 1941 وهو في الرابعة والسبعين من عمره.

اقرأ أيضاًبنك مصر يطلق موقعه التاريخي ويتيح تجربة استثنائية لزائريه

ذكرى رحيل مفجر ثورة 19.. أبرز المحطات في حياة «زعيم الأمة» سعد زغلول

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: استوديو مصر الحرب العالمية الأولى الحرب العالمية الثانية بنك مصر ثورة 1919 طلعت حرب طلعت حرب بنک مصر

إقرأ أيضاً:

سيامات كهنوتية وتكريمات إكليريكية خلال احتفالات عيد العنصرة ويوم الروح القدس

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

شهدت احتفالات عيد العنصرة المجيد ويوم الروح القدس في دير الثالوث الأقدس بالولايات المتحدة سلسلة من السيامات الكنسية والتكريمات الإكليريكية، برئاسة نيافة الأسقف لوقا أسقف سيراكيوز، وبمشاركة عدد من الأساقفة والكهنة والإكليروس.

سيامة شماس فرعي وتكريم كاهن مخضرم

خلال صلوات عيد العنصرة، ترأس الأسقف لوقا القداس الإلهي الحبري والاحتفالات الخاصة بعيد حلول الروح القدس. وقبل بدء القداس، تمت رسامة القارئ توماس لايل، طالب السنة الثالثة في برنامج البكالوريوس اللاهوتي، في رتبة الشماس الفرعي.

كما شهدت الصلوات تكريم الأرشمندريت سرج كوتار، أحد خريجي معهد الثالوث الأرثوذكسي اللاهوتي دفعة عام 1972، بمنحه شرف ارتداء التاج الكهنوتي «الميترا»، تقديرًا لعطائه وخدمته الطويلة للكنيسة.

سيامة الأب إيفان جولوفين كاهنًا

وفي أبرز محطات الاحتفال، تمت سيامة الشماس إيفان جولوفين إلى رتبة الكهنوت المقدس بعد ترتيلة الشاروبيم. ويُعد الأب إيفان من خريجي معهد الثالوث الأرثوذكسي اللاهوتي، حيث حصل على درجة البكالوريوس في اللاهوت عام 2023، ثم الماجستير في اللاهوت عام 2025.

وأكدت إدارة الدير أن الأب سرج سيواصل خدمته الرعوية والديرية، فيما سيستمر الأب إيفان والشماس الفرعي توماس في خدمة الدير خلال فترة دراستهما وتدريبهما الكنسي.

يوم الروح القدس وسيامة جديدة

وفي اليوم التالي، احتفل الدير بيوم الروح القدس، وهو العيد الشفيعي للدير، بمشاركة الأسقف ميخائيل أسقف بوسطن وعدد من كهنة وإكليروس المنطقة الشمالية الشرقية للولايات المتحدة.

وخلال القداس، تمت سيامة الشماس تيموثي زيلينسكي، خريج برنامج الماجستير اللاهوتي دفعة 2024، إلى رتبة الكهنوت المقدس. ومن المقرر أن يخدم الأب تيموثي كاهنًا مساعدًا في كنيسة ميلاد والدة الإله بمدينة ألباني بولاية نيويورك، مع استمراره في عمله مديرًا للمبيعات والتسويق بمنشورات الثالوث الأقدس التابعة للدير.

واختُتمت الاحتفالات وسط أجواء من الفرح والصلاة، مع تقديم التهاني للمُسامين الجدد وعائلاتهم وترديد الهتاف الكنسي التقليدي: «أكسيوس» أي «مستحق».

مقالات مشابهة

  • سيامات كهنوتية وتكريمات إكليريكية خلال احتفالات عيد العنصرة ويوم الروح القدس
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • محطة محمول تشعل خلافًا عائليًا بالبحيرة.. وإصابة أب مسن
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • في ذكرى ميلاده.. محطات بارزة في حياة الفنان محمود ياسين وأشهر أعماله الفنية
  • سياحة النواب: كشف إهناسيا الأثري يعزز مكانة مصر كأحد أهم المقاصد العالمية
  • في ذكرى ميلاده.. قصة زواج محمود ياسين وشهيرة
  • مشروع جديد لـ«طلعت مصطفى» في العراق يرفع محفظة أراضي المجموعة إلى 128 مليون متر مربع
  • مع استئناف العمل بالبنوك اليوم.. تعرف على سعر الدولار في البنك الأهلي وبنك مصر وCIB
  • في ذكرى ميلاده.. رحلة مرض مؤلمة أنهكت يونس شلبي وأجبرت أسرته على بيع ممتلكاتها للعلاج