في عامها الـ103.. هل تصمد بي بي سي أمام أقوى أزمة منذ نشأتها؟
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
تطفئ هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي هذا العام شمعتها الثالثة بعد المائة، لكنها تجد نفسها في قلب أزمة تهدد مستقبلها.
فمن تهديدات قضائية أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومطالب بتعويضات بمليارات الدولارات، إلى موجة استقالات شملت أعلى المناصب، مرورا بانتقادات حادة من داخل المؤسسة نفسها، وصولا إلى مساع سياسية لوقف تمويلها.
في هذا التقرير، نستعرض أبرز محطات هذه الأزمة وتداعياتها على مستقبل عملاق الإعلام البريطاني.
بدأت فصول الأزمة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، حين نشرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية تقريرا تحت عنوان: "بي بي سي تلاعبت بخطاب ترامب".
واستندت الصحيفة إلى مذكرة مسربة أعدّها المستشار السابق للجنة معايير بي بي سي، مايكل بريسكوت، وصف فيها ما سماه "مشاكل منهجية مُقلقة في تغطية بي بي سي".
ومن الأمثلة التي ساقها ما اعتبره عملية تضليل استهدفت تشويه خطاب لترامب ضمن برنامج "بانوراما" الذي بثته الهيئة قبيل الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة.
وقد تضمن البرنامج دمجا لجزأين من خطاب ترامب في 6 يناير/كانون الثاني 2021، وهو اليوم الذي اقتحم فيه أنصاره مبنى الكابيتول، وقد أعطى ذلك الدمج انطباعا بأن ترامب يُشجع صراحة أعمال شغب.
فقد قال ترامب في خطابه: "سنسير إلى مبنى الكابيتول، وسنُشجع أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الشجعان"، بينما ظهر في برنامج بانوراما بي بي سي وهو يقول: "سنسير إلى مبنى الكابيتول.. وسأكون هناك معكم، وسنقاتل، سنقاتل بشراسة".
وكان الفاصل بين مقطعي الخطاب اللذين دمجا معا أكثر من 50 دقيقة، حيث تم اقتباس عبارة "سنقاتل بشراسة" من مقطع تحدث فيه ترامب عن "فساد" الانتخابات الأميركية.
تلقف ترامب الأخبار المتداولة عن التلاعب بخطابه بسرعة وشرع في إطلاق الانتقادات والتهديدات لبي بي سي، وطالب بالاعتذار إليه فورا وتعويضه بمبالغ ضخمة تراوح بين مليار و5 مليارات دولار، متوعدا باللجوء إلى القضاء إن لم تتم الاستجابة لطلباته.
إعلانحاول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مسك عصا القضية من المنتصف عندما سئل عنها في البرلمان، فلم يتعرض لتهديدات ترامب، لكنه طالب بي بي سي بترتيب أوضاعها الداخلية، معلنا في الوقت نفسه أنه يؤمن بهيئة الإذاعة البريطانية القوية والمستقلة على عكس بعض الحاضرين في إشارة إلى النواب المحافظين.
يذكر الصحفيان جين برادلي وطارق بانجا اللذان عملا نحو عقدين من الزمن في بي بي سي، في تقرير مشترك بصحيفة نيويورك تايمز، أن أعضاء مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين في بي بي سي انقسموا خلال اجتماع عقدوه في اليوم التالي لتسريب المذكرة حول طريقة التعامل مع الأزمة.
فرأى فريق أنه ينبغي التركيز فقط على الخطأ التحريري في برنامج بانوراما حول ترامب والاعتذار عنه، ووجد فريق آخر أنه من الضروري الاعتراف بثغرات أوسع في الخط التحريري.
وقد أدى هذا الانقسام إلى استقالة 2 من أكبر مسؤولي بي بي سي على رأسهم المدير التنفيذي العام تيم ديفي والرئيسة التنفيذية لإدارة الأخبار ديبورا تورنيس، كما أدى إلى عدم صدور أي رد من المؤسسة طوال أسبوع، وهو ما فاقم الجدل وأبان عن ارتباك وضعف في إدارة بي بي سي، حسب العديد من المحللين.
ونقل تقرير نيويورك تايمز عن الباحث السياسي آلان راسبريدجر أن هذه الاستقالات تمثل ردة فعل مبالغا فيها وأظهرت نوعا من الضعف والإذعان للضغوط، مضيفا أن "لدى هيئة الإذاعة البريطانية أعداء شرسين يضعونها تحت المجهر ويُضخّمون أي شيء تفعله".
وفي السياق ذاته، وضمن مقال عن القضية نشرته صحيفة الغارديان، يعتبر محرر الشؤون الإعلامية في الصحيفة مايكل سافاج أن هناك غيابا تاما لهيئة الإذاعة البريطانية في الدفاع عن نفسها في فترة حرجة، مما سمح للوضع بالتفاقم.
ويرى سافاج أن مقطع فيديو مُعدّلا بشكل خاطئ وبث نقاشات حرب الثقافة اليمينية كلها أمور تافهة لا تستحق هذه الضجة.
وبدورها، تنقل الغارديان عن الكاتبة جين مارتينسون قولها "إن هيئة الإذاعة البريطانية انتهى بها الأمر إلى أن تبدو "ضعيفة وجبانة عندما تطلّب الأمر قوة وشجاعة".
هل بي بي سي يسارية معادية لإسرائيل؟
بالإضافة إلى خطاب ترامب، سردت مذكرة بريسكوت ما وصفته بسلسلة من الإخفاقات التحريرية التي أظهرت تحيزا يساريا منهجيا في هيئة الإذاعة البريطانية، خصوصا في ما يتعلق بالحرب بين إسرائيل وحماس.
وحسب مراقبين، فقد وجد خصوم بي بي سي المتربصون بها من المحافظين واليمين البريطاني في المذكرة المسربة سانحتهم للانقضاض على الهيئة واتهامها بالانحياز للفلسطينيين والمطالبة بوقف التمويل عنها.
وكانت جهات يمينية قد شنت حملة واسعة على بي بي سي بعد بثها فيلما وثائقيا بعنوان: "غزة: كيف تنجو من منطقة حرب"، قيل إن الطفل الذي ظهر يتحدث فيه ابن لأحد قادة حماس، كما ثارت ثائرة اليمينيين أيضا لكون بي بي سي لم تقطع بث مهرجان غلاستونبري الموسيقي عندما هتف أحد الفنانين "الموت للجيش الإسرائيلي".
إعلانويتحدث منتقدو بي بي سي أن تغطيتها للحرب على غزة "صُممت لتقليل معاناة الإسرائيليين وتصوير إسرائيل بصورة المعتدي".
لكن مراقبين يستبعدون تهمة معاداة بي بي سي لإسرائيل، بل إن هناك من يرى العكس ويتهم بي بي سي بشيء من التغاضي عن حملة التجويع والإبادة التي تعرض لها الفلسطينيون.
فقد نقل تقرير رويترز عن الصحفي السابق في بي بي سي جون سوبيل قوله إن من يتحدثون عن شكاوى تتعلق بتحيز يساري في إنتاج بي بي سي يغضون الطرف عن تحيز يميني طالما اتهمت به المؤسسة بشأن تغطيتها للأحداث المتعلقة بإسرائيل.
وقال رئيس مجلس إدارة بي بي سي سمير شاه نفسه: "لا أعتقد أن هناك تحيزا منهجيا ضد إسرائيل في هيئة الإذاعة البريطانية، بل هناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى عكس ذلك تقريبا".
حسب محللين، فإن شكوكا كثيرة تحوم حول حقيقة الحملة الحالية ومصداقيتها، فبريسكوت الذي سربت مذكرته إلى التلغراف كان قد تم إنهاء عقده من دون تجديد مع مؤسسة بي بي سي في يونيو/حزيران الماضي.
وذلك إضافة إلى أنه حسب ما نقله تقرير نيويورك تايمز عن مديرين تنفيذيين في بي بي سي فإن تعيين بريسكوت أصلا جاء نتيجة ضغوط مارسها عضو مجلس الإدارة المحافظ روبي جيب.
وكان جيب قد عُيّن في مجلس الإدارة عام 2021 من قبل رئيس الوزراء السابق المحافظ بوريس جونسون، والذي عرف بانتقاداته لهيئة الإذاعة البريطانية.
ويصف جيب نفسه بأنه "محافظ تاتشري أصيل"، في إشارة إلى مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء التي هيمنت على السياسة البريطانية خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وكان قد كتب قبل انضمامه إلى مجلس الإدارة مقالا في صحيفة التلغراف نفسها انتقد فيه مسار بي بي سي، وجاء فيه: "لقد أُسرت هيئة الإذاعة البريطانية ثقافيا من قِبل مجموعة من موظفيها المثقفين من ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المتشابهة، فهيمنوا عليها وطبعوها بطابع يساري".
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن أحد موظفي بي بي سي قوله: "ما دام روبي جيب موجودا في المؤسسة لا يُمكننا أن نثق حقا بأننا مؤسسة غير متحيزة".
أرسل محامو ترامب رسالة إلى هيئة الإذاعة البريطانية، يطالبونها فيها بسحب الفيلم الوثائقي فورا، وتقديم اعتذار لترامب وتعويضه، مهددين بأنه في حال عدم الامتثال فقد يرفعون دعوى قضائية "لمطالبة بتعويضات لا تقل عن مليار دولار".
أعلنت بي بي سي الجمعة الماضية اعتذارها لترامب، ووعدت بعدم عرض البرنامج مرة أخرى، لكنها رفضت مطالب التعويض، مجادلة بأن المقطع لم يُصمم للتضليل، بل فقط لتقصير خطاب طويل، وأن البرنامج تضمن أيضا العديد من الآراء المؤيدة لترامب.
ويرى مراقبون أنه من المتوقع أن يرفع ترامب دعوى قضائية على بي بي سي في ولاية فلوريدا الأميركية، حيث يقيم قانونيا.
ونقل تقرير لبي بي سي عن الخبير القانوني جوشوا روزنبرغ أن "احترام حرية التعبير في المحاكم الأميركية أكبر منه في المملكة المتحدة، ومن يشغل منصب ترامب يتعين عليه عادة إثبات أن الشخص الذي يتهمه تصرف بخبث تجاهه، كما سيتعين على ترامب إثبات تكبده خسائر فادحة بسبب البرنامج".
وبدوره، قال الرئيس التنفيذي لشركة نيوزماكس ميديا الإعلامية الأميركية وحليف ترامب، كريس رودي، إنه على دراية تامة بقوانين التشهير في فلوريدا، وهو "واثق جدا" من فوز بي بي سي إذا وصلت قضيتها إلى المحكمة.
تُموَّل بي بي سي من رسوم الترخيص التي تدفعها جميع الأسر التي تشاهد التلفزيون في بريطانيا، ويصدر كل 10 سنوات ميثاق ملكي يحدد تفاصيل هذا التمويل، ومن المقرر أن ينتهي الميثاق الحالي عام 2027.
إعلانوتواجه الحكومة صعوبة في حث البريطانيين على الاستمرار في تمويل الشبكة، خصوصا في ظل انتشار منصات ووسائط البث المتعددة الأخرى، إضافة إلى أن الحملات المستمرة ضد الهيئة قد تضعف موقف الحكومة.
لكن تقرير رويترز يؤكد أن استطلاعات الرأي البريطانية تُظهر أن بي بي سي هي مزود الأخبار الأكثر ثقة والأكثر استخداما في بريطانيا، إذ إن أخبارها تصل إلى 67% من جميع البريطانيين عبر التلفزيون والراديو والإنترنت.
ورغم أن بي بي سي واجهت أزمات سابقة متعددة، فإنه لم يسبق للهيئة أن استقال اثنان من كبار مسؤوليها في وقت واحد كما هو حادث الآن، وهذا يعني أن المؤسسة أمام أزمة حقيقية قد لا تقضي عليها، لكنها قد تتسبب في ظهور أضعف لها، وهو ما يمثل تحقيقا لهدف قديم لدى اليمين الذي يتزايد نفوذه حاليا في المجتمع البريطاني.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات هیئة الإذاعة البریطانیة نیویورک تایمز مجلس الإدارة فی بی بی سی
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.