انطلقت اليوم الحملة السنوية "16 يومًا من النشاط لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي" في لبنان، كما في دول أخرى، محمّلة هذا العام برسالة بارزة: إنهاء العنف الرقمي ضد جميع النساء والفتيات. فما الذي جعل هذا الملف يتصدّر الاهتمام؟

في السنوات الأخيرة، تحولت منصّات التواصل إلى مساحة يتكرر فيها الأذى بحق النساء والفتيات.

ومع غياب حماية قانونية واضحة، يتزايد القلق من اتساع ظاهرة العنف الرقمي ومن أثرها النفسي والاجتماعي العميق.

لا يتخذ العنف الرقمي في لبنان شكلًا واحدًا، بل يمتدّ عبر طيف واسع من الممارسات التي تبدأ أحيانًا بتعليق جارح أو رسالة مهينة، وتتدرّج لتصل إلى ابتزاز صريح أو تهديد مباشر بالفضيحة. في هذا الفضاء المفتوح، تتعرّض نساء وفتيات لاختراق حساباتهن، أو مراقبة أجهزتهن.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع انتشار التنمر الإلكتروني والتشهير، وانتحال الهوية بواسطة حسابات مزوّرة تستغل صور النساء ومعلوماتهن. وفي كثير من الحالات، تتحول هذه الممارسات إلى ضغط نفسي خانق يترك أثرًا طويل الأمد، ويجعل الحدود الفاصلة بين الإيذاء الافتراضي والعنف الواقعي أكثر هشاشة مما يبدو للوهلة الأولى.

Related تقرير:97% من الشباب الإسباني عانوا من العنف الجنسي عبر الإنترنت حين كانوا دون ال18قتلٌ عشوائي وعمليات خطف.. العنف يتزايد في ريف اللاذقيةالإباحية الانتقامية و"التزييف العميق": الظاهرة العالمية للعنف الرقمي ضد المرأة 300 حالة شهريًا.. وما خفي أعظم

في لبنان، تُسجَّل نحو 300 حالة عنف رقمي شهريًا، 80% منها تطال نساء وفتيات، بحسب منظمة "فيمايل".

تقول مريم ياغي، ناشطة في قضايا المرأة وعضوة في منظمة "فيمايل"، إن هذا الرقم يبدو صادمًا لكنه لا يعكس الواقع الكامل. فهذه الأرقام تمثل التبليغات فقط، أي الحالات التي شعرت فيها النساء بالأمان الكافي للتواصل مع جهة رسمية أو منظمة حقوقية. أما العدد الحقيقي، وفقًا لها، فهو أكبر بكثير، فالخوف من الحكم الاجتماعي، والعار، والقلق من ردود الفعل، ومحدودية الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تجعل كثيرات يترددن في طلب المساعدة.

الخوف من الحكم الاجتماعي، والعار، والقلق من ردود الفعل، ومحدودية الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تجعل كثيرات يترددن في طلب المساعدة مريم ياغي ناشطة في قضايا المرأة وعضوة في منظمة "فيمايل"

وتضيف ياغي في حديث لـ"يورونيوز" أن الملاحظة الميدانية تشير إلى واقع مختلف تمامًا. فعند سؤال النساء عن تجاربهنّ مع العنف الرقمي، غالبًا ما يذكرن تعرضهنّ لشكل واحد على الأقل من أشكاله، سواء كان تنمرًا على الرأي أو المظهر أو المواقف، أو استضعافًا يهدف إلى إقصاء النساء عن المساحات العامة. وهناك أيضًا أشكال أكثر خطورة بحسب ياغي: تهديد مباشر بالأذى، تحرش، ابتزاز، ملاحقة، انتحال شخصية، وسرقة حسابات.

ما الذي يجعل العنف الرقمي أولوية؟

في ظلّ تصاعد حالات العنف الرقمي، وما يرافقها من آثار نفسية واجتماعية خطيرة، أطلقت منظمة "فيمايل" حملتها الأخيرة بعنوان "البلوك المضمون… بكون بالقانون" بهدف دفع البرلمان إلى إقرار قانون وطني يعرّف العنف الرقمي ويوفر حماية حقيقية للنساء والفتيات.

View this post on Instagram

A post shared by Sharika wa Laken - شريكة ولكن (@sharikawalaken)

تؤكد ياغي لـ"يورونيوز" أن التركيز على العنف الرقمي لا يستبعد أشكال العنف الأخرى، بل يشكل جزءًا من سلسلة مترابطة، لأن الانتهاك الذي يبدأ على الشاشة قد يتطور إلى تهديد أو أذى واقعي. وتشير إلى أن خطورته تتمثل في قدرته على السيطرة على الضحايا عبر الابتزاز والملاحقة الرقمية وتهديد السمعة، ما يعيق طلب المساعدة ويفاقم الخوف.

16 يومًا من مناهضة العنف ضد المرأة

في إطار حملة الـ "16 يومًا"، تتجه أنظار منظمات المجتمع المدني نحو العنف الرقمي بوصفه أحد أكثر أشكال الأذى انتشارًا في الفضاء اليومي للنساء. ومن أجل التعمّق في كيفية التعامل معه، وما الذي يدفع المنظمات إلى تخصيص جزء واسع من جهودها في قضية العنف الرقمي، تواصلت "يورونيوز" مع جمعية "مفتاح الحياة" في سبيل فهم رؤيتها.

توضح لانا قصقص، مديرة الجمعية، أن العالم الرقمي بات اليوم ساحة إضافية يتكرر فيها العنف ضد النساء، من الابتزاز واختراق الحسابات إلى المراقبة والسيطرة واستعمال تقنيات التزييف العميق. وتشير إلى أن الجمعية تستقبل شكاوى متزايدة لنساء يتعرضن لأذى رقمي، غالبًا من قبل شركاء أو أزواج، أو من مصادر مجهولة تستغل المحتوى الرقمي للإضرار بهن. وتشدد على أن السخرية والتنمر واستخدام المحتوى المفبرك باتت أدوات مباشرة لإيذاء النساء، ما يجعل التعامل مع هذا الملف ضروري.

الجمعية تستقبل شكاوى متزايدة لنساء يتعرضن لأذى رقمي، غالبًا من قبل شركاء أو أزواج، أو من مصادر مجهولة تستغل المحتوى الرقمي للإضرار بهن. لانا قصقص مديرة جمعية "مفتاح الحياة"

أما في ما يتعلق بنشاطات "مفتاح الحياة" ضمن حملة الـ16 يومًا، فتتوزع على عمل رقمي وآخر ميداني. الحملة الإلكترونية تمتد حتى نهاية الشهر بالتعاون مع مؤثّرات ونساء متخصصات لتقديم رسائل توعوية حول حماية النساء من العنف الرقمي. وعلى الأرض، تنظم الجمعية ورش عمل بعنوان "Cyber Smart Mothers" لتمكين الأمهات من أدوات الأمان الرقمي، إضافة إلى ورش فنية تستخدم الإبداع كمساحة لطرح هذا الموضوع.

وتعمل الجمعية أيضًا على جلسات مع نساء وشابات، ومع مدربي رياضة وتغذية، للربط بين العناية بالجسد وتعزيز الشعور بالأمان الرقمي. كما ستنفذ ورشًا مخصصة للشباب ضمن منهجية "التعلم عبر الأقران" ليقودوا بأنفسهم نشر الوعي داخل محيطهم.

Related باحثون: صور الذكاء الاصطناعي للجوع والعنف "عنصرية وتعيد إنتاج التحيز الاستعماري"اندلاع العنف في مظاهرة مؤيدة لفلسطين في برشلونةفي اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد النساء: عن المرأة العربية وصنوف المعاناة النفسية والجسدية كيف نواجه العنف الرقمي؟

توضح ياغي أن معالجة العنف الرقمي لم تعد ممكنة بالأدوات التقليدية، فالعالم الرقمي بات جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ومعه ظهرت أشكال جديدة من السيطرة والابتزاز تتطلب مقاربة سياسية وقانونية مختلفة. وتشدد على أن القضية ليست حدثًا فرديًا، بل ظاهرة مجتمعية متصاعدة تحتاج إلى قانون واضح يحدد المسؤوليات ويوفر حماية فعلية للنساء والفتيات، لذلك تواصل "فيمايل" الضغط من أجل إقرار قانون وطني لمكافحة العنف الرقمي، إلى جانب توفير الدعم النفسي والاجتماعي والاستشارات القانونية للناجيات.

وفي موازاة المسار القانوني، تشير قصقص إلى أن المواجهة تحتاج أيضًا إلى تغيير ثقافي وتربوي، فالأسرة مطالبة ببناء علاقة ثقة مع الأبناء، تقوم على الحوار بدل اللوم، وتعليمهم مفهوم الخصوصية وضرورة التبليغ عند أي تهديد. وفي المدرسة، يصبح إدماج التربية الرقمية وتدريب الطلاب على التفكير النقدي ومكافحة التنمر الإلكتروني خطوات أساسية لبناء بيئة آمنة. أما على مستوى المجتمع، فتدعو قصقص إلى التوقف عن تداول المحتوى المسيء أو المفبرك، ودعم النساء بدل توجيه اللوم إليهن، وتعزيز ثقافة التبليغ.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: إسرائيل الصحة دونالد ترامب الذكاء الاصطناعي حروب غزة إسرائيل الصحة دونالد ترامب الذكاء الاصطناعي حروب غزة العنف ضد المرأة عنف جمعيات لبنان نساء إسرائيل الصحة دونالد ترامب الذكاء الاصطناعي حروب غزة تغير المناخ فولوديمير زيلينسكي الأمم المتحدة الصين لبنان الحرب في أوكرانيا العنف الرقمی العنف ضد ما الذی

إقرأ أيضاً:

نائب: التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات الدولة المصرية

أكد النائب إيهاب إمام، عضو مجلس النواب، أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي وتحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتميز الأكاديمي والبحثي، تعكس رؤية استراتيجية شاملة تستهدف بناء الإنسان المصري باعتباره الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة الدولة المصرية في مختلف المجالات.

وأوضح إمام أن القيادة السياسية تولي اهتمامًا غير مسبوق بقطاعي التعليم والبحث العلمي، إدراكًا لأهميتهما في صناعة المستقبل ودعم الاقتصاد الوطني القائم على المعرفة والابتكار، مشيرًا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت طفرة كبيرة في تطوير منظومة التعليم العالي من خلال التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية والدولية، إلى جانب تحديث البنية التحتية للمؤسسات التعليمية والبحثية ورفع كفاءتها بما يتماشى مع المعايير العالمية.

الرئيس السيسي: التعليم العالي والبحث العلمي ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامةالرئيس السيسي يستعرض مع ماكرون جهود مصر للتهدئة بالمنطقة وفرنسا تطالب بفتح مضيق هرمزفي اتصال هاتفي.. الرئيس السيسي وماكرون يبحثان أزمات المنطقة والوساطة بين واشنطن وطهراننائبة تشيد بتوجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي وربط البحث العلمي بسوق العمل

وأضاف أن الدولة نجحت في تعزيز الشراكات والتعاون مع كبرى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الدولية، وهو ما يسهم في نقل الخبرات والتكنولوجيا الحديثة، ويدعم جهود إعداد كوادر بشرية مؤهلة تمتلك المهارات والمعارف اللازمة لمواكبة متطلبات سوق العمل المتغير، وقادرة على المنافسة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وأشار عضو مجلس النواب إلى أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي يعد من أهم الاستثمارات الاستراتيجية التي تضمن استدامة التنمية وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، لافتًا إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي حققت نهضات حقيقية كانت تعتمد في المقام الأول على تطوير منظومات التعليم وتشجيع الابتكار والبحث العلمي وربط مخرجاته بخطط التنمية الشاملة.

وأكد إمام أن توجيهات الرئيس السيسي تمثل رسالة واضحة تؤكد أن الجمهورية الجديدة تُبنى على أسس العلم والمعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وأن الدولة تسعى إلى توفير بيئة تعليمية وبحثية متطورة تتيح للطلاب والباحثين فرص الإبداع والابتكار، بما يسهم في إنتاج المعرفة وتحويلها إلى مشروعات تنموية تخدم المجتمع وتدعم الاقتصاد الوطني.

واختتم النائب إيهاب إمام تصريحاته بالتأكيدأن دعم منظومة التعليم والبحث العلمي هو استثمار حقيقي في مستقبل الأجيال القادمة، وخطوة محورية نحو بناء دولة عصرية قادرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص، وتعزيز مكانة مصر بين الدول الرائدة في مجالات الابتكار والبحث العلمي والتنمية المستدامة، بما يتوافق مع أهداف رؤية مصر 2030 وطموحات الجمهورية الجديدة.

طباعة شارك منظومة التعليم العالي والبحث العلمي التنمية المستدامة الاقتصاد الوطني الجامعات الأهلية والتكنولوجية والدولية تحديث البنية التحتية

مقالات مشابهة

  • نشرة المرأة والمنوعات | عادات يومية تسبب تساقط الشعر المُبكّر للنساء.. ماذا يحدث عند وضع ملعقة زبادي على كوب الحليب قبل شربه؟
  • المنتخب الأول لكرة القدم.. يكون أو لا يكون
  • ليبيات: منح المرأة دورًا أكبر في مبادرات الوقاية من النزاعات يزيد من فعاليتها
  • خليل الرحمن يفوز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة
  • انتخاب العراق نائباً لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة
  • الصحة العالمية: 190 هجوما إسرائيليا استهدفت القطاع الصحي في لبنان خلال 3 أشهر
  • وزير العمل اللبناني يؤكد أهمية استعادة بلاده كامل حقوقها داخل منظمة العمل الدولية
  • خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • حيدر سلّم منظمة العمل الدولية تقريراً بخسائر القطاع العمالي جراء العدوان
  • نائب: التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات الدولة المصرية