إيران: استراتيجية التفاوض والحرب
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
أعاد قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ملف التفاوض النووي الإيراني إلى الساحة مرة أخرى، رغم العديد من الأزمات التي يعانيها النظام الإيراني، والتي كان أخرها أزمة المياه الشديدة وأزمة تلوث الهواء في طهران، فقد قدّمت الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب دول الترويكا الثلاثة (بريطانيا- فرنسا- ألمانيا) مشروع قرار إلى الوكالة الدولية يلزم طهران بالتعاون الكامل والفوري مع مفتشي الوكالة ويشدد كذلك على ضرورة تزويد إيران للمنظمة بمعلومات مفصلة عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وتمكينها من الوصول إلى مواقعها النووية.
بالنظر إلى قرار وكالة الطاقة الذرية قبل حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو الماضي، حينما أعلنت عدم إلتزام إيران بتعهداتها النووية، فأخبار عيمكن قراءة قرار الوكالة الذرية هذه المرة أيضاً كذريعة للولايات المتحدة وإسرائيل إذا أرادتا تكرار الهجوم على إيران، خاصة مع توارد أخبار عن قيام إيران بأنشطة سرية في موقع بيك إكس بجبل كلنج (الفأس)، وهو موقع ترفض طهران السماح بالوصول إليه.
يمكن تفسير مشاركة دول الترويكا في تقديم مشروع القرار هذا للوكالة الذرية ضمن محاولات الترويكا إيجاد دور لها، بعدما أصبح دورها باهتاً مقارنةً بالدور الإسرائيلي الأكثر تأثيراً على الولايات المتحدة، ويمكن تفسير تمرير هذا القرار هذا في إطار ممارسة الحد الأقصى من الضغوط على إيران لدفعها إلى التفاوض ضمن ما يعرف سياسياً بالتفاوض باستخدام القوة. وإن كان ما أذاعته قناة i24 الإسرائيلية عن مشاورات بين أمريكا وإسرائيل حول القدرات الدفاعية في إيران تمهيداً لشن هجوم واسع مشترك، يمكن تفسيره في إطار الحرب النفسية لإرغام إيران على الاستسلام وقبول الإملاءات، لكن ما جاء في وثيقة برنامج السياسات الإيرانية في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي(JINSA) بعنوان "البناء على أساس النصر: استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران بعد حرب الـ12 يومًا، والتي من بين محاورها، الضغط العسكري لمنع إعادة بناء القدرات، عبر التفوق العسكري ومنع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية عبر الجاهزية العسكرية العالية والإجراءات الاستباقية لإحباط أي محاولة إيرانية للعودة إلى المسار النووي، يؤكد أن استخدام القوة العسكرية يمثل خياراً مطروحاً لإثناء إيران عن استكمال برنامجها النووي.
تعرف إيران جيداً أنها الطرف الأضعف والأكثر تضرراً في الصراع الإيراني- الأمريكي، فإيران هي المحاصرة اقتصادياً وسياسياً بشكلٍ أرهق اقتصادها وانعكس على معيشة شعبها، ولهذا فهي تلهث وراء اتفاق متكافئ يحل لها الكثير من مشكلاتها الاقصادية والسياسية على المستويين الداخلي والخارجي ولكن دون إملاء شروط، وهو ما ورد على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي "نحن مستعدون للمفاوضات، ولكن ليس لفرض المطالب". ورغم أن إيران لا تزال ترفض طلب ترامب بالتخلي عن البرنامج النووي، لكن عراقجي يشير إلى إمكانية طمأنة الغرب بعدم استخدام البرنامج النووي لإنتاج أسلحة نووية؛ حيث قال: "إن التخصيب الصفري غير ممكن، لكن الوصول إلى صفر [أسلحة نووية] ممكن". كما أكد عراقجي أن تخصيب في إيران توقف الآن، نتيجة الأضرار البالغة التي ألحقتها هجمات النظام الصهيوني والولايات المتحدة خلال حرب الأيام الاثني عشر بالعديد من المواقع النووية الإيرانية.
تسعى إيران بكل الطرق للحد من تأثير الحصار الاقتصادي عليها، عبر شراكات مع دول شرقية أبرزها الصين، التي تتعامل مع إيران ببراجماتية واضحة، وتستفيد من أزماتها في خفض سعر النفط واستثمار عائداته في تنفيذها مشروعات بنية تحتية في إيران، وكذلك تحاول إيران تفعيل مبادرة وزير الحارجية التي تسمى "ديپلماسی استانی" (دبلوماسية المحافظات) والتي تسعى إلى تعزيز التعاون التجاري بين المحافظات الحدودية الإيرانية مع الدول المجاورة، لكن هذه المحاولات لا تكفي وحدها لمواجهة آثار العقوبات الغربية على إيران، خاصة في محاولات التعقب الأمريكي للأشخاص والمؤسسات التي تحاول إيران من خلالها التحايل على العقوبات.
في ظل هذه الأوضاع الوخيمة التي تعاني منها إيران، فإن الاتفاق النووي يمثل لها مفتاحاً للخروج من أغلب أزماتها، لكنها لم تعد تثق في التفاوض الذي لم يمنع الغرب من مهاجمتها سابقاً، ولهذا فكما ورد على لسان وزير الخارجية الإيراني فإن لدى دولته استراتيجية مزدوجة تشمل التفاوض والحرب، حيث تسعى لاتفاق عادل يحفظ لها حقوقها المشروعة، ولكن كما يتضح أيضاً من حديث وزير خارجيتها: "أفضل سبيل لمنع الحرب هو الاستعداد لها، ونحن على أتم الاستعداد"، فإنها تتجهز أيضاً للحرب المحتملة.
أستاذ الدراسات الإيرانية، كلية الآداب، جامعة عين شمس
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: د قرار مجلس محافظي الوكالة
إقرأ أيضاً:
وكالة الطاقة الذرية: لا اتفاق مع إيران دون رقابة صارمة على برنامجها النووي
شددت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أن أي اتفاق مستقبلي بشأن البرنامج النووي الإيراني لن يكون قابلاً للتنفيذ أو موثوقاً من دون آلية رقابة وتحقق صارمة تضمن التزام طهران بتعهداتها النووية، في ظل استمرار الخلافات حول مستوى التعاون الإيراني مع مفتشي الوكالة.
وأكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن دور الوكالة في أي تسوية محتملة بين إيران والقوى الدولية يعد «لا غنى عنه»، مشيراً إلى أن التحقق المستقل من الأنشطة النووية الإيرانية يمثل الركيزة الأساسية لأي اتفاق. وقال غروسي إن «أي اتفاق من دون تحقق ورقابة لن يكون اتفاقاً حقيقياً، بل مجرد وعود لا يمكن التأكد من تنفيذها».
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لتفاهمات جديدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، وسط مخاوف دولية من تنامي مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. وتؤكد الوكالة أن قدرتها على التحقق من الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني تتأثر سلباً بسبب القيود المفروضة على عمليات التفتيش وعدم حسم عدد من الملفات العالقة المتعلقة بالضمانات النووية.
وأشار غروسي خلال إحاطة لمجلس محافظي الوكالة إلى أن المؤسسة الأممية ستكون الجهة المسؤولة عن التحقق من أي التزامات قد تتضمنها اتفاقات مستقبلية، مؤكداً أن الرقابة الفنية المستقلة تمثل الضمان الوحيد للمجتمع الدولي بشأن تنفيذ البنود المتفق عليها.
وفي الوقت ذاته، أوضحت الوكالة أنها لا تملك أدلة على وجود برنامج منظم وفعّال لتصنيع سلاح نووي في إيران، لكنها أعربت عن قلقها من استمرار تخصيب اليورانيوم بمستويات مرتفعة ومن محدودية الوصول إلى بعض المنشآت والمعلومات الضرورية للتحقق الكامل من الأنشطة النووية.