"يخلق التعاون والمودة والرحمة".. فضل التكامل بالإسلام
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
تحدث الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، عن مفهوم التكامل، موضحًا أنه هو الذي يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة مآلَها إلى السكن والسكينة، وإلى المودة والرحمة، وإلى التعاون وعمارة الأرض بالنسل الصالح القوي.
فضل التكامل في القرآن الكريميقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
وأوضح فضيلته أن التكامل هو الذي يجعل الحاكمَ والمحكومَ في خندقٍ واحد أمام كيد الكائدين، ويجعل الحاكم رفيقًا رحيمًا بالمحكومين، راعيًا لشؤونهم، قائمًا بمسؤوليته على أكمل وجه، حيث يتمثّل كلُّ حاكمٍ وصيةَ الإمام علي بن أبي طالب لمالك بن الحارث الأشتر حين ولاه مصر، عندما قال له: «وأَشْعِرْ قلبَكَ الرحمةَ للرعية، والمحبّةَ لهم، واللطفَ بهم، ولا تكوننَّ عليهم سَبُعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صِنْفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق، يَفْرُطُ منهم الزَّلَلُ، وتعرض لهم العلل، ويُؤتَى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطِهِمْ من عفوك وصفحك مثلَ الذي تحبُّ أن يعطيكَ اللهُ من عفوه وصفحه».
التكامل يجعل المحكوم متعاونًا متفهّمًا لحاكمه
وأضاف أن التكاملُ يجعل المحكوم متعاونًا متفهّمًا لحاكمه، معرضًا عمّا لا فائدة من ذكره، مقبلًا على صالح بلاده ونمائها.
وأشار فضيلته أن التكامل الذي يجعل صاحبَ العمل يتعاون مع العمال، وصاحبَ رأس المال يتكامل مع القوة البشرية التي تدير المشروع، فلا يكون هناك نَهَمٌ من صاحب المال بحيث يطمع ويستغلّ ظروفَ سوق العمل، ولا يكون هناك ضغطٌ من العمال لأخذ ما لا يستحقون، بل يتعاون الجميع على تنمية اقتصاد البلاد وصلاح أحوالهم المعيشية بما يرضي الله.
وأكد فضيلة الدكتور علي جمعة أن التكامل الذي يجعل صاحب البناء متعاونًا ومتفهمًا مع المستأجرين، فيتعاون الجميع على نظافة وجمال بنايتهم، فيصبح الحي كله نظيفًا جميلًا، ومن ثَمَّ يكون البلد كله متحضّرًا، وعنوانًا على نظافة المسلمين وتعاونهم.
وقال إن التكامل هو الذي يجعل الغنيَّ يساعد الفقير، ويجعل الفقيرَ منتجًا ويتخلّص من فقره، ويجعل الشعورَ السائد بين الأغنياء والفقراء هو الحبَّ والتعاون؛ فلا يرى الغنيُّ في نفسه فضلًا على الفقير، ولا يرى الفقيرُ في نفسه دناءة.
قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول: «تَرَى المؤمنين في تَراحُمِهِم وتوادِّهم وتعاطفهم كمَثَلِ الجسدِ؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائرُ جسده بالسهر والحمّى» [أخرجه البخاري ومسلم].
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: التكامل أن التکامل الذی یجعل
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود