عربي21:
2026-06-03@04:33:07 GMT

حساب المثلثات في الثورات العربية.. مشاتل التغيير (46)

تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT

في حساب المثلثات فيما يتعلق بالفعل الثوري في ذاته وتوابعه؛ يجب أن نأخذ في اعتبارنا ثورات ثلاث تتحرك وتتقاطع في وقت واحد وعلى الصعيد ذاته؛ وهي الثورة الأساسية وحمايتها، والمضادون للثورة وتربصهم، وثورة التوقعات؛ ثورة التوقعات من الثورات المغفلة والمهملة رغم أنها تتعلق بالشعوب وما أسميناه آنفا وعد الثورة.



الثورات في هذا المقام تقع بين حالين؛ حال الإجهاد، وحال الإجهاض، وثورة التوقعات وتقاطعها مع الثورات الأخرى تعد حملا خارج الرحم يحتاج لشروط عدة يمكن أن تؤثر على صحة الأم الحاضنة والجنين الثوري المحتضن برعايتها، فتقاطع الثورات الثلاث شيء مهم جدا في إدراكه والعمل له ضمن استراتيجيات كبرى تسير فيه الحركة وميزانها وتوازنها، ضمن عملية التقاطع التي تشكل إدراكا معقدا لفعل الثورات ومراعاة تقاطعاتها وتفاعلاتها.

مع ثورة التوقعات ومعاش الناس (السياسة معاش الناس) فإن الثورة الحقيقية الأساسية تحتاج لأدوات لحماية نفسها، حتى لا يتم الالتفاف عليها أو محاولة حصارها، أو المبادرة إلى فعل التربص لإجهادها. رصد القوى المضادة للثورة التي تشكل مصالح النظام القديم والقوى التي تحاول استغلال الأوضاع؛ أمر يحتاج إلى رصد لخرائط هذه القوى، ذلك أن الثورات المسماة بالمضادة قد تنحني لريح الثورات وتدخل جحورها بصورة مؤقتة، إلا أنها في أول فرصة تخرج من جحورها بعد تربص للانقضاض على قوى الثورة المختلفة بأشكال شتى ضمن أجهزة الدولة العميقة القادرة على تبديد الحالة الثورية أو تشتيت انتباهها وتشتيت الأهداف، وتشتيت المواقف ضمن صناعة الفوضى والفرقة.


المثلث الثاني يتعلق بماذا حدث في الثورات العربية؟ مثلث زلزال الثورات/ زلزال المضادين للثورة، زلزال المواجهات وإجهاض الثورات/ زلزال الإنسانية، (خريطة الثورات العربية بين تزاحم القضايا وإرهاق الثورات: مخاطر الاجهاد والإجهاض)


من المهم أن نؤكد بعد مرور أكثر من عقد على الثورات العربية أن الزلازل التي رافقت الثورات وأعقبتها، تؤكد أن حدث الثورة لايزال في حاجة إلى النظر العميق والتحليل الدقيق.

كما أن أخطرها تلك الرومانسية التي جعلت عملية التعاطي مع الحالة الثورية على نحو قد يفتقر إلى اعتبار الواقع وإلى التقدير الصائب لأمور تفاعلت وتراكمت وتشابكت. بعض هذه الرؤى جعلت هؤلاء من شباب الثورة وأهلها يتركون ميادين التأثير، كان ذلك أول خطأ تاريخي لهؤلاء الذين حملوا هَمّ الثورة وأهدافها. إن هيمنة المجلس العسكري على سلطات الدولة كان في ذلك الوقت هو الأمر الخطير الذي فتح الباب واسعا للتحكم في مجريات الأمور، كما أن هذه الحالة الرومانسية انفتحت على نخبة تصورها البعض بشكل أو بآخر وكأنها تتبنى تلك الحالة الثورية، ولم يكن بعض هؤلاء إلا من راكبي موجة الثورة، استطاعوا بشكل أو بآخر أن ينحرفوا بمسارها وأن يجعلوا مساحات الثورة ميدانا لتصفية الحسابات فيما بينهم، وظهر الاستقطاب وفيروساته في ساحات الحياة السياسية والحركة الثورية، ما أحدث قابليات لفرقة مقيمة وانقسام عميق. ومن جملة انحطاط هذه الحالة أنها صدّرت خلافاتها واستقطاباتها إلى قاعدة المجتمع وشبكة علاقاته الاجتماعية، فأصابتها في مقتل ونالت من تماسك الجماعة الوطنية.

أما زلزال الانقلاب، فقد توج لهؤلاء المضادين للثورة، ودشن سياسات غاية في الخطورة ضمن منظومة انقلابية حاولت أن توجد لها أرضية جديدة، وتحاول تشويه الثورة الحقيقية وأهدافها، وتحت دعوى حماية الدولة مع جوقة فريق الدولتية الذين يكررون على مسامع الناس أن الدولة ومؤسساتها في خطر، ولم يتفهم هؤلاء أن الخطر الحقيقي لم يكن إلا في سيطرة العسكر على مجمل الحياة المدنية والسياسية وعلى ساحات ومساحات المجال العام، ومصادرة الفعل السياسي واغتصابه، وتقويض كل أشكال المقاومة والاحتجاج.

كان كل ذلك وفق خطة ممنهجة تحول ذلك الانقلاب إلى نظام، وتحول كل ذلك إلى حالة فاشية بوليسية، تزرع الخوف في كل مكان وتصنع حالات الكراهية بين كل مكونات المجتمع والجماعة الوطنية، وبات كل شيء تحت السيطرة من نظام حاول شرعنة وجوده فلم يجد إلا بوابتين، بوابة الشفرة الإرهابية، والبوابة الصهيونية التي تتمثل في حماية الكيان الإسرائيلي، بين هذا وذاك فرض نظام الثالث من تموز/ يوليو في مصر شرعنته في محاولة لإضفاء حق على غصبه وممارساته الباطشة القائمة على قاعدة الطغيان والاستبداد وفي دول عربية أخرى كانت محلا لفعل ثوري؛ كانت هناك انقلابات مدنية كما في تونس، وصراعات داخلية وفرقة اتخذت أشكال الحروب الداخلية في العديد من الثورات الأخرى.

كان أهم مآلات وتوابع زلزال الانقلاب هي حالة الخوف التي شاعت، وتكميم الأفواه والاعتقالات والمطاردات التي مورست بشكل يومي حتى صنعت جمهورية الخوف والبلطجة، وكانت محاولة شيطنة تيار الإسلام السياسي وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين، بصناعة كراهية متعمدة لكل ما هو إسلامي تحت دعوات شتى. تعلق ذلك بالمجازر التي حدثت في رابعة وأخواتها وما تبعها من سياسات للترويع والتخويف، مما شكل حالة لا إنسانية خطيرة، وبدت بعض تبعات هذا الظلم تمتد؛ حيث تعرضت القوى المختلفة -مدنية كانت أم إسلامية- لذلك البطش.


كل ذلك كان له من التوابع الخطيرة والتي تمثلت في أمرين: الأول يتعلق بحالة الفرز الإنساني التي زلزلت كثيرا من ركائز المجتمع، ومن هؤلاء الذين ظن كثير من الناس أنهم ضمن الطاقة الثورية فإذا بهم ينقلبون عليها، مؤيدين هذا النظام الفاشي ومبررين له كل ما يتعلق بقتله وظلمه واستبداده وازدياد مساحات طغيانه، فبات هؤلاء جميعا ضمن حالة كراهية متبادلة وضمن أحوال من التحريض معلنة، تؤكد أن "إنسانية المجتمع" ذاته صارت على المحك وأصبحت على حافة الخطر وفوهة الخراب والتخريب. أما الأمر الثاني فيتعلق بإلقاء بعض هؤلاء المسؤولية فيما نحن فيه؛ لا على العسكر ولكن على الشعب ذاته، وصارت هذه اللعبة التي تتعلق بهجاء الشعب وسبه لعبة مشتركة بين كافة الاتجاهات؛ وباعتبار أن التوابع التي أعقبت هذه الزلازل قدمت حالة من حالات التخويف وخطاب مسكون بروح الانتقام وعمليات التحريض على العنف من جانب النظام الفاشي في مواجهة معارضيه، ومن جهة أخرى انزلق بعض هؤلاء إلى مواجهة عنف النظام بمحاولات عنف من جانبهم.

هذه هي بعض التوابع للزلازل الثلاثة الكبرى التي أحدثت شروخا في الأبنية، بل وتهديم بعضها، وأسهمت في تكريس بعض الأمراض النفسية الجماعية بين عناصر الجماعة الوطنية، وهو ما أدى إلى حالة الإحباط التي نرى والجمود والركود الذي شاع، وهو ما حقق لنظم انقلابية رغم ضعفها مكنة جعلتها تخرج رغم سياسات الفشل وحالة الضعف التي فيها؛ أقوى من ذي قبل، ولا يزال تتقوى وتتمدد في مساحات فرقتنا وفراغنا في النشاط الحقيقي والفاعلية السياسية.

أما حساب المثلثات الثالث فيقع فيما يسمى بالسياقات؛ السياقات كما أكدنا دائما وأبدا منهج مأمون ومضمون. ومحاولة تحليل أو تفسير الفعل لا يمكن أن يكون في فراغ أو مقتطعا من السياق؛ ومثلث السياقات الذي نشير إليه في فعل الثورات العربية يرتبط بمشاريع تتدافع في المنطقة على رأسها مشروع الشرق الأوسط؛ الذي أشرنا إليه ليس بكونه مفهوما جغرافيا عابرا؛ بل إنه مشروع حضاري متكامل تبنته الحضارة الغربية واحتضنته، وشكلت له من الأدوات الوظيفية وعلى رأسها الكيان الصهيوني الذي كان من صنيعتها وصناعتها. وبدا هذا المشروع يتجدد أو يتوسع أو يكبر ضمن مقاسات هذه الحضارة حتى ابتكرت ما أسمته صفقة القرن، في محاولة السيطرة والهيمنة وتصنيع القابليات لها.

وضمن هذا السياق أكدنا أننا أمام مشروعين الشرق الأوسط والأمة الوسط، ومن ثم كان حال الأمة هو الضلع الثاني في هذه المثلثات؛ الأمة وسياقاتها وعمليات التغيير، إنها أمة الحضور والشهادة والشهود وأمة الخذلان والغثائية بلا حدود؛ أمة التداعي وبما تمثله من قصعة، إلا أن السياقات في ضلعها الثالث لا تفقد بأي حال مستنفرات للنهوض ومسارات للمقاومة وأدوات للتغيير؛ كان طوفان الأقصى وسياقات المقاومة الحضارية الحية أهم صورها ومعامل قدراتها وممكناتها.



وفي النهاية علينا أن نتوقف في حساب المثلثات بزوايا نظر ثلاث لفعل الثورات، ماضية كانت أم حاضرة أم قادمة؛ أولها زاوية حادة وثانيها زاوية منفرجة وثالثها زاوية قائمة. أما الزاوية الحادة فهي ترفض النظر إلى فعل الثورات بأنه يتلاشى أو تضيق مساحاته، وأن الإحباط قد نال من أهلها وأن حال انزوائها عمل سيستمر ربما لعقود قادمة؛ زاوية حادة؛ حدتها في ضيقها ضمن زوايا النظر. وثانيها زاوية منفرجة تتمثل في خيال الثورات الحالم؛ فما لم نستفد من الخبرات الثورية السابقة ومراجعتها فإننا بذلك نهدر المزيد من الدروس والقدرة على التعلم من عالم الأحداث الذي يحيط بنا. إن انفراج الزوايا في النظر لا بد أن يسكن نفوسنا، مع إرادة التغيير واستلهام كل عناصر التغيير الإيجابي القادم والعمل بفاعلية واقتدار؛ فتنفرج الأوضاع التي ضاقت وتتسع الرؤية التي حبست. ويأتي الفرج بالوعي الدافق والأخذ بعالم الأسباب والسعي السديد في عالم الأساليب والمهارات والقدرات؛ ثم تأتي زاوية النظر القائمة بواجبات وموجبات التغيير الفاعل والراشد؛ القائم والرافع والدافع.



تبدو لنا في المحصلة من حساب مثلثات الثورات أننا في حاجة ماسة إلى رؤية تحاول تجميع عناصر متداخلة ومتعددة لتقديم رؤية شبكية للثورات العربية بعد مرور أربعة عشر سنة كاملة، ومن هنا ربما لا تجد المعلومات والأرقام والإشارات المباشرة إلى الثورات العربية المختلفة والمتنوعة في المنطقة، ولكن يمكن أن تجد رؤية تتعلق بمحاولة نظم ما يمكن تسميته "منهج النظر" للتعامل مع هذه الإشكاليات، وهو حتما يؤثر بعد ذلك في التعاطي مع منهج التعامل ومنهج التناول، الرؤية هذه تتبنى معنى التفكير المركب الذي يشير إليه "إدجار موران" حينما تحدث عن ضرورة التفكير بالمستقبل، وهي محاولة لمواجهة التفكير الاختزالي والتبسيطي الذي يتسم بعدم القدرة على تمثل الوصل بين الواحد والمتعدد والمشترك والمتنوع.

x.com/Saif_abdelfatah

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الثورة العربية الانقلاب انقلاب ثورة عرب مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد اقتصاد رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الثورات العربیة

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • صحيفة الثورة الثلاثاء 17 ذو الحجه 1447- 3 يونيو 2026
  • تسجيل هزة ارضية في إب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • قرقاش: الدول العربية تدفع ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • رئيس صناعة النواب: ندعم موازنة الدولة وقطاع الصناعة باعتباره قاطرة التنمية ولكن ليس على حساب زيادة الموازنة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟