مزاريب الوطن… حين تُصرَف الخيرات خارج البلاد
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
#مزاريب_الوطن… حين تُصرَف الخيرات خارج البلاد
#معاذ_الشناق
ناشط نقابي وسياسي أردني
ما إن هطلت أولى شتويات الموسم حتى غرقت شوارع عمّان وعدد من المحافظات، لا بالمطر وحده، بل بحقائق ثقيلة تجاهلناها طويلًا. الأمطار كشفت ما خبّأته الطبقات الإسمنتية وما غطّته الوعود السريعة؛ كشفت حجم الفجوات في الإدارة، وعمق الخلل في البنية التحتية، وثقل الإهمال الذي يتراكم سنة بعد أخرى.
“لو كل مسؤول أو فاسد وصل مزرابه مع مزراب البلد، لفاضت الخيرات والبركات، ولكن كلّ له مزرابه ويصب خارج الوطن.”
هذه العبارة ليست مجرد تعليق عابر، بل مرآة تكشف أصل المشكلة. فالمزراب الحقيقي للوطن هو منظومة العمل العام، التي يجب أن تصبّ فيها جهود كل مسؤول دون استثناء. وعندما تُفتح “مزاريب” جانبية تخدم مصالح خاصة أو شبكات خارجية، يتوقف تدفق الخير نحو الناس، وتبدأ الشوارع بالغرق، والمشاريع بالترنّح، والثقة بالتآكل. الفساد ليس خطأً إداريًا بسيطًا؛ بل ثقبًا وخرقًا واضحًا في قلب الحكومة، كلما اتسع خسرت البلاد أعوامًا من التنمية.
مقالات ذات صلة مؤسسة غزّة الإغاثية نهاية الإجرام 2025/11/25في هذه المرحلة الحسّاسة، لا يمكن التعامل مع ما حدث كحادثة عابرة أو “شتوية قوية”. ما جرى رسالة واضحة بأن البنية التحتية ليست مجرد خطوط إسمنت وأنابيب، بل انعكاس مباشر لسنوات من التخطيط، والرقابة، والمتابعة. المطلوب اليوم مصارحة وطنية شجاعة تُعيد ضبط البوصلة، وتضع معيارًا واحدًا لا يُساوَم عليه: المصلحة العامة فوق كل مصلحة. الشفافية في طرح الحقائق، والمحاسبة الفعلية المبنية على التحقيق المهني، ليست ترفًا؛ بل واجبًا وطنيًا لحماية ثقة المواطن وإعادة الاعتبار للعمل العام.
كما أن أحداث الشتوية الأخيرة تُعد فرصة لتصحيح المسار، لا لتبادل اللوم. الأردن يملك مؤسسات راسخة وكفاءات قادرة، وكل ما يحتاجه هو أن تُفتح الأبواب أمام العمل النزيه وأن تُغلق نوافذ الفساد قبل أن تتّسع. إعادة بناء الثقة تبدأ بإنجازات ملموسة، وبخطط واضحة، وبقرارات لا تسمح للهدر أو التجاوز. وعندما تتوحد الإرادة، وتعود “مزاريب” الوطن لتتصل ببعضها، يصبح الأردن قادرًا على تحويل كل قطرة مطر إلى حياة، وكل تحدٍّ إلى بداية جديدة تليق بأبنائه.
الوطن لا يطلب الكثير. يطلب فقط أن يصبّ الجميع في مزرابه، وأن تكون أولويته الأولى والأخيرة هي خدمة الناس. عندها وحدها ستفيض الخيرات كما يفيض المطر، وسيأتي الشتاء القادم ليغسل الطرق لا ليكشف العيوب، وتلمع معه وجوه الأردنيين وهم يدركون أن قوة الوطن في جعل النفع العام هو البوصلة، وأن المواطن هو أغلى ما نملك، وأن مصلحة البلد فوق كل اعتبار.
المصدر
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.
في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.
ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.
داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.
تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.
لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.
فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟
ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.
وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.
ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .
ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.
ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.
القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.
إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.
من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.
أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.