الأسبوع:
2026-06-03@03:23:22 GMT

مهو عندنا

تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT

مهو عندنا

حين تسأل أي مصري عن سرّ تميزنا في مجال معيّن، يأتيك الرد سريعًا وواثقًا: «مهو عندنا». عندنا محمد صلاح في الكرة، ومجدي يعقوب في الطب، وأحمد زويل في العلم، وفاروق الباز في الفضاء، ونجيب محفوظ في الأدب، وأم كلثوم في الغناء.

لدينا دائمًا مثال لامع يؤكد أننا قادرون على الوصول إلى القمة كلما تهيأت الظروف، وكأن وجود واحد من هؤلاء يكفي دليلًا على امتلاكنا القدرة الكامنة.

لكن هذا النوع من الطمأنينة السهلة يخفي سؤالًا جوهريًا لا نطرحه على أنفسنا بما يكفي: كم واحد فعلاً عندنا؟ وهل يكفي أن يكون لدينا نموذج واحد في كل مجال؟

الحقيقة أن الأزمة ليست في وجود العبقري المصري، وإنما في ندرة المضاعفين له. نحن ننجح في إنتاج حالة استثنائية، ولكننا نعجز عن تحويلها إلى تيار عام أو منظومة مستدامة.

ونظل نعيش على وهج أسماء قليلة بينما تتسع الفجوة بين ما نظنه في أنفسنا وما نفعله بالفعل. من هنا جاءت أهمية الرسالة الواضحة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالية أكاديمية الشرطة حين قال إنه يريد «ستة آلاف محمد صلاح». لم يكن الرئيس يتحدث عن كرة القدم فقط، بل عن فلسفة بناء الكتلة الحرجة من الكفاءات، تلك التي ترفع قدرة الدولة والمجتمع معًا إلى مستوى جديد.

وعندما ننظر إلى واقعنا بإنصاف، سنجد أننا نمتلك الموهبة والذكاء والإرادة، لكننا ما زلنا نفتقد ثلاثة عناصر حاسمة: المنظومة، والفرص، وقواعد التنافس الحقيقي. فالكثير من شبابنا يمتلكون طموحًا لافتًا وقدرات مدهشة، غير أن الطريق بين الموهبة والفرصة لا يزال أطول مما ينبغي. ففي التعليم مثلًا، لدينا أوائل متفوقون، لكن النظام لا يزال يركز على القلة ويغلق المجال أمام الآلاف القادرين على التميز لو أتيحت لهم الظروف.

وفي الرياضة، نمتلك نجمًا عالميًا بحجم محمد صلاح، لكن أين منظومات صناعة النجوم التي تصدر لاعبين للعالم، على غرار أكاديمية الملك محمد السادس في المغرب؟ وفي البحث العلمي، نستحضر نموذج زويل، بينما تظل المختبرات والتمويل والبنية الداعمة دون المستوى الذي يسمح بإنتاج عشرات زويل جدد.وفي الفضاء والعلوم التطبيقية، لدينا اسم لامع مثل فاروق الباز، لكن أين المعامل ومراكز الابتكار القادرة على صناعة أجيال من رواد الفضاء وعلماء الاستشعار عن بُعد؟ أما في الفنون، فرغم امتلاكنا أسماء خالدة، فإننا لا نزال نفتقر إلى منظومة قوية لاكتشاف المواهب وصقلها وتسويقها عالميًا رغم العدد الكبير من المسابقات التي نسمع عنها يوميا.

التحول الحقيقي يبدأ حين ننتقل من ثقافة «الفرد المعجزة» إلى ثقافة «الجيل الكامل». عندما يصبح وجود محمد صلاح جديد مسألة طبيعية، وليس حدثًا استثنائيًا، وعندما لا نحتفي فقط بالاسم اللامع، بل بالمعمل الذي أنتجه، والمدرسة التي دعمته، والنظام الذي سمح له بالصعود.هذه النقلة تحتاج إلى استثمار من الدولة، ومشاركة من القطاع الخاص، وإيمان مجتمعي بأن بناء الكفاءات مشروع طويل النفس، لا يقوم على الحظ، ولا ينتظر المصادفة، ولا يعتمد على العبقرية الفردية وحدها.

اليوم، لدينا فرص تاريخية لصناعة هذا التحول. الاقتصاد الرقمي يفتح آفاقًا جديدة، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تشهد صعود شركات ناشئة مصرية تنافس بجرأة، والجامعات أصبحت أكثر انفتاحًا، وحركة تمكين الشباب تتوسع بقوة. لكن كل ذلك يحتاج مؤسسات تدريب فاعلة، ومسارات مهنية واضحة، ورؤية وطنية تجعل من اكتشاف المواهب وإطلاق طاقاتها مهمة دولة ومجتمع معًا.

نحتاج إلى مدارس رياضية حقيقية، ومراكز تميز علمي، وحاضنات للمبدعين في الأقاليم وليس فقط في العاصمة. فالعبقرية ليست حكرًا على مكان، لكنها تحتاج من يكتشفها ويمنحها الفرصة كي تظهر.

إن قوة أي دولة تُقاس ليس بعدد نوابغها الفرديين، بل بعدد الكفاءات التي تملك القدرة على المنافسة المتواصلة. وقدرة أي مجتمع على النهوض لا تُبنى على أسماء محفوظة في الذاكرة، بل على منظومة قادرة على إنتاج جيل بعد جيل. لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا ليس: «مهو عندنا؟» بل: «ازاي نخلي اللي عندنا يبقى عندنا كتير… وبشكل مستمر؟».

وفي النهاية، لا نحتاج إلى معجزة جديدة، بل نحتاج إلى أن نحول المعجزة إلى سياسة عامة، والنموذج الفردي إلى تيار وطني، والحلم إلى خطة عمل. وعندها فقط سيصبح وجود آلاف من صلاح وزويل وفاروق الباز ومجدي يعقوب ونجيب محفوظ وأم كلثوم… أمرًا طبيعيًا، وليس مجرد رد تلقائي نكرره بثقة هشّة كلما سُئلنا: «هو عندكم إيه؟»

يوسف ورداني «مدير مركز تواصل مصر للدراسات ومساعد وزيرَي الشباب والرياضة السابق»

اقرأ أيضاًالصورة الذهنية لمجلس النواب القادم

بعد التصنيف الدولي.. حان وقت تعديل قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان

أولويات العمل الشبابي في عام 2026

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: مجدي يعقوب فاروق الباز أحمد زويل احتفالية أكاديمية الشرطة محمد صلاح

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • رئيس بعثة منتخب مصر: رهبة مواجهة المنتخبات الكبرى لم تعد موجودة لدينا
  • وكيل صلاح مصدق: تواصلت مع مستشار الزمالك القانوني بشأن شكوى اللاعب وقالي «أنا معرفكش»
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • مرموش يطير إلى الولايات المتحدة للانضمام لمعسكر المنتخب
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • محمد صلاح يوافق على الانضمام للدوري السعودي بثلاثة شروط
  • محمد صلاح يحدد 3 مطالب للانتقال إلى الدوري السعودي
  • كواليس جديدة.. ماذا طلب محمد صلاح للانتقال إلى الدوري السعودي؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟