أعطت الحكومة السورية التي تولت إدارة البلاد بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد عدة مؤشرات على رغبتها بانتهاج سياسية متوازنة قدر الإمكان، والتعاطي بإيجابية مع مختلف الفاعلين الدوليين.
وتهدف الحكومة وفق إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع خلال تصريحات صحفية في 13 سبتمبر/أيلول الماضي إلى تحقيق التوازن في علاقاتها وتجنيب البلاد الصراعات الدولية.
وفي إطار العمل وفق مبدأ التوازن، أوفدت سوريا وزير خارجيتها أسعد الشيباني لعقد مباحثات في بكين، بعد أقل من أسبوع على استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرع في واشنطن.
ويعكس ذلك رغبة الحكومة السورية في الاستفادة من هوامش المناورة التي يتيحها التنافس الصيني الأميركي لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
برزت على الساحة الدولية منذ سنوات طويلة التنافسية بين واشنطن وبكين، وكان الرئيس ترامب أعلن خلال فترته الرئاسية الأولى عام 2017 الحرب على الصين، في حين حدد خلفه الديمقراطي جو بايدن عام 2021 الصين منافسا إستراتيجيا للولايات المتحدة، وأكد وجود خطة من أجل مواجهة نشاطها غرب المحيط الهادي.
وبعد مضي قرابة 4 سنوات على إطلاق بكين لمشروع "الحزام والطريق" بمشاركة 150 دولة، الذي يهدف إلى ربط الصين بدول العالم خاصة مع الدول المنتجة للطاقة، والقارة الأوروبية، أعلنت الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2023 عن "طريق التوابل" الذي يجمع كبار مصدري ومستوردي النفط في العالم، ليكون منافسا لمبادرة "الحزام والطريق" الصيني.
وفي آواخر عام 2023 توصلت الصين إلى اتفاق شراكة إستراتيجية بينها وبين نظام الأسد، تشمل التعاون الثنائي في مشروع الحزام والطريق، ويندرج ضمنه أيضا مشروع الربط السككي الممتد من إيران إلى سوريا التي تمتلك موانئ على البحر المتوسط قريبة جدا من الأسواق الأوروبية.
إعلانوفي أبريل/نيسان 2025 اتهمت وزارة الخارجية الأميركية شركة "تشانغ كوانغ" الصينية بتزويد جماعة الحوثي بصور أقمار اصطناعية أتاحت للجماعة استهداف سفن أميركية في البحر الأحمر، ضمن الحملة التي أطلقتها الجماعة منذ مطلع عام 2024 تحت عنوان "مناصرة" غزة.
وفي الواقع فإن هذا التطور يعكس امتداد حالة التنافس بين واشنطن وبكين إلى الشرق الأوسط، خاصة على طرق الملاحة الدولية وممرات الطاقة.
ويغري موقع سوريا على البحر المتوسط الصين التي لا توفر الفرص لتطوير علاقاتها مع دول المنطقة، ومن ذلك دخولها على خط الوساطة بين الرياض وطهران التي انتهت بإعلان تطبيع العلاقات بين الجانبين صيف عام 2023.
الأهداف الأميركية بسوريانقلت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير نشرته في أبريل/نيسان الماضي أن قادة الحزب الجمهوري الأميركي لديهم قلق من تراجع نفوذ بلادهم في سوريا على نحو يتيح فرصة لكل من روسيا والصين.
في مطلع أغسطس/آب الماضي أعلن المبعوث الأميركي توماس براك ما عرف بورقة "براك" الخاصة بنزع سلاح حزب الله اللبناني بشكل كامل مع حلول نهاية عام 2025، وهذا يقتضي منع تدفق السلاح إلى الحزب مجددا عبر الأراضي السورية، مما يعني ضرورة التنسيق مع الحكومة السورية.
وبالفعل فقد طورت واشنطن هذا التنسيق مع دمشق بعد ضم سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، كما أعلن براك عقب زيارة الشرع إلى واشنطن أن سوريا ستساعد في تفكيك بقايا الحرس الثوري وحزب الله وتنظيم الدولة.
وأكد الرئيس الأميركي مرارا أن رفع العقوبات عن سوريا تم بناء على طلب تركيا والسعودية وقطر، مما يشير إلى أن جزءا من التعاطي الأميركي الإيجابي مع الملف السوري هو استجابة لرغبة حلفاء واشنطن التقليديين في إطار استعادة زخم التحالف مع هذه الدول بعد الاضطرابات التي شهدتها العلاقات بين واشنطن من جهة وأنقرة والرياض في حقبة الإدارة الديمقراطية.
تبقى مسألة تطوير العلاقة مع دمشق أمرا حيويا لبكين التي لا تزال تبحث عن تطوير مبادرة الحزام والطريق، وهنا تبرز أهمية سوريا التي تمتلك موقعا جغرافيا وموانئ على البحر المتوسط يمكن أن تربط الصين مع تركيا وأوروبا، بالإضافة إلى إمكانية تسهيل وصول الصين إلى دول شمال أفريقيا.
وإضافة لهذا، فقد أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال لقائه نظيره السوري في بكين استعداد بلاده للنظر بإيجابية في المشاركة بإعادة إعمار سوريا، وتبقى الصين من ضمن الخيارات المهمة في هذا المضمار لما تمتلكه من قدرة على إنشاء البنية التحتية، بما فيها شبكات الاتصالات والتكنولوجيا.
وفي سياق آخر، فلدى الصين أيضا مخاوف أمنية من سوريا لا تخفيها، ومصدره مستقبل المئات من المقاتلين الإيغور المنحدرين من إقليم تركستان الشرقية الخاضع لسيطرة الصين، والذين قاتلوا طيلة الأعوام الماضية في سوريا ضد نظام الأسد إلى جانب المعارضة، وهم حاليا جزءا من الجيش السوري الجديد، وبالتالي فإن فتح قنوات التواصل بين الصين وسوريا سيكون ضروريا لبكين من أجل ضمان عدم تشكيل هؤلاء المقاتلين تهديد لها.
إعلانوأكدت التصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية السوري بعد زيارته بكين التوصل إلى تفاهمات أمنية مع الصين، إلا أن مصادر رسمية سورية نفت التقارير التي تحدثت عن نية دمشق تسليم المقاتلين الإيغور إلى الصين.
وأكدت مصادر دبلوماسية في دمشق لموقع الجزيرة نت أن بكين تبحث فقط عن ضبط هذه العناصر، وضمان أن دمشق تعمل على دمجهم الكامل وعدم ترك المجال لهم لإقامة معسكرات مستقلة تكون منطلقة لهجمات ضد المصالح الصينية.
يتصف الملف السوري بتعقيدات كبيرة نتجت عن 14 عاما من الصراع وتدخل أطراف دولية عديدة فيه، وقد استمرت هذه التعقيدات إلى مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، في ظل بلد مدمر يحتاج إلى مئات مليارات الدولارات من أجل إعادة الإعمار.
ويزيد من صعوبة الأمر استمرار تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية والأميركية على تحسين الاقتصاد، بالإضافة إلى بعض القرارات الأممية التي شكلت عائقا أمام تطبيع وضع الحكومة الانتقالية وأشخاصها.
من جهة أخرى، لا تزال بعض الأطراف الدولية تدعم منظومات ما دون الدولة، مما يبطئ عملية توحيد البلاد مجددا تحت سلطة واحدة، على غرار ما تفعله الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كما أن إسرائيل مستمرة منذ سقوط الأسد في الانتهاكات داخل الأراضي السورية.
ويدفع هذا الواقع السابق الحكومة السورية إلى الانفتاح على الأطراف الدولية بشكل عام من أجل حلحلة هذه التعقيدات.
في آواخر يونيو/حزيران الماضي أمر الرئيس ترامب بتوقيع أمر تنفيذي بإنهاء العقوبات على سوريا، مع إبقائها على الرئيس السوري الشرع ومساعديه وتنظيم الدولة ووكلاء إيران، ثم قادت واشنطن لاحقا جهود إزالة الشرع ووزير الداخلية السوري أنس خطاب من على قائمة العقوبات الأممية.
قرار صوّتت عليه 14 دولة.. الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب خارج قائمة العقوبات الدولية#ألبوم pic.twitter.com/b1n5PLskxm
— قناة الجزيرة (@AJArabic) November 6, 2025
ونجحت زيارة الشرع إلى واشنطن في عقد لقاء مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب برايان ماست الذي يصنف ضمن أهم المتحفظين على إلغاء قانون قيصر، مما أعطى دفعة تفاؤل كبيرة حيال إمكانية إلغاء القانون مع نهاية العام الحالي.
من جانب آخر، أشار المبعوث براك في مناسبات عديدة لاندماج قسد ضمن الدولة السورية، كما تسعى واشنطن من أجل التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل لوقف الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، مما يعزز فرص الحكومة السورية في توفير الاستقرار.
وساهم التعاطي الإيجابي السوري مع الصين ومن قبل زيارة الشيباني إلى بكين، في امتناع الصين عن تعطيل قرار مجلس الأمن الذي صدر في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، الذي ينص على إزالة اسم الرئيس أحمد الشرع، ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة العقوبات الدولية، كما أعطت التصريحات الصينية الرسمية مؤشرات على الرغبة في تطوير التعاون الاقتصادي مع دمشق.
ورغم تحقيق دمشق لمكاسب متعددة في ظل التنافس الصيني الأميركي، فإن من المحتمل أن تضيق هوامش مناورة دمشق مستقبلا، لأن واشنطن قد لا تتقبل منح سوريا المزيد من النفوذ للصين.
كما أن الحكومة السورية قد تجد أن مصالحها تقتضي تعزيز التحالف بشكل أكبر مع الولايات المتحدة، نظرا لما تملكه الأخيرة من تأثير سياسي دولي، ونفوذ في المنطقة خاصة على إسرائيل التي تعتبر أبرز تهديد لسوريا في مرحلة ما بعد الأسد، بالإضافة إلى النفوذ العسكري لواشنطن في سوريا، وما تملكه من قدرة على تعزيز وحدة الأراضي السورية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الحکومة السوریة الحزام والطریق بین واشنطن فی سوریا من أجل
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.