وراء الأبواب المغلقة.. متلازمة الـهيكيكوموري تكشف عن جيل يهرب من العالم
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
في عالمنا السريع وحياتنا الصاخبة المملوءة بالمشتتات، قد يميل كثير من الناس إلى الرغبة في الانعزال والوحدة ولو مؤقتا، بحثا عن الهدوء أو عن مساحة شخصية خالية من التوقعات والمقارنات.
هذا الميل إلى الانعزال لا ينبع دائما من الضعف، بل أحيانا ينبع من إرهاق عاطفي وتعب ذهني مزمن يجعل الفرد يختار الصمت والعزلة وسيلة للدفاع عن نفسه من التوتر المستمر وضجيج التواصل الدائم.
ومع أن هذه الرغبة قد تبدأ كطريقة مشروعة لاستعادة التوازن الداخلي، فإنها قد تتحول لدى البعض إلى اضطراب نفسي قائم على الانسحاب والانقطاع عن المجتمع والرغبة الدائمة في الانعزال، في ما بات يُعرف بظاهرة "هيكيكوموري".
ظاهرة العزلة الاجتماعية "هيكيكوموري"ظاهرة "هيكيكوموري" (Hikikomori) تُعرَف بوصفها حالة اجتماعية ونفسية ظهرت في العقود الأخيرة في اليابان، ثم سرعان ما تحولت إلى ظاهرة لها حالات مماثلة في بلدان أخرى من العالم.
والمقصود بها حالة من "الانغلاق المدمر للشخص داخل المنزل، وفقدان الرغبة أو القدرة على المشاركة في الحياة المدرسية أو العملية والاجتماعية لمدد طويلة، عادة 6 أشهر أو أكثر، مما يخلق مشكلات متراكبة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع".
ومع ذلك، بدأت "هيكيكوموري" كظاهرة ثقافية في اليابان، حيث يبقى الناس معزولين ومنعزلين ويقيمون في منازل آبائهم. وكان هؤلاء الأفراد، ومعظمهم من الشباب، غير قادرين على الذهاب إلى العمل أو المدرسة، أو يرفضون ذلك لأشهر أو حتى لسنوات طويلة قد تمتد عقودا.
وقد صاغ الطبيب النفسي الياباني سايتو تاماكي هذا المصطلح ووُصف في كتابه "هيكيكوموري: مراهقة بلا نهاية" الصادر عام 1998. وهي تعني حرفيا في مقطعها الأول "هيكي": الانطواء أو الانسحاب، و"كوموري" التي تعني الانغلاق أو البقاء في الداخل. وهو مشابه للمفهوم الغربي المتمثل في "الفشل في الانطلاق – Failure to launch".
إعلانوقد وجدت دراسة أجريت عام 2010 في اليابان أن 1.2% من السكان اليابانيين الذين تراوح أعمارهم بين 20 و49 عاما أفادوا بتعرضهم لها. ومنذ ظهورها، ناقش علماء النفس ما إذا كان ينبغي تصنيف "هيكيكوموري" كاضطراب نفسي أم متلازمة ثقافية. اشتبه علماء النفس في البداية في أن الاضطراب نما نتيجة ظروف اجتماعية وثقافية خاصة باليابان، مثل نظام التعليم الياباني أو الظروف الاقتصادية. ومع ذلك، فقد وُثّقت حالات "هيكيكوموري" منذ ذلك الحين في العديد من البلدان ذات الاختلافات الثقافية الواسعة، بما في ذلك الهند وكوريا الجنوبية ونيجيريا والولايات المتحدة وإسبانيا وكندا، وغيرها.
يهرب الفرد المصاب بمتلازمة "هيكيكوموري" عاطفيا وينسحب من العلاقات الشخصية، ثم ما يلبث أن ينفصل تدريجيا بشكل تام عن العالم المادي وينغمس بالكامل في العالم الافتراضي.
ومع ذلك، لا تُعد متلازمة "هيكيكوموري" اضطرابا في الصحة النفسية، ولم تُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية والعقلية. كذلك لا تتوافق أعراض "هيكيكوموري" بدقة مع أي اضطراب نفسي مُحدد، مثل الاكتئاب أو القلق أو الرهاب الاجتماعي.
ويرجع ذلك إلى أن الفرد المصاب بالمتلازمة قد يظل على اتصال بالآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الإنترنت، كما لا يكون المصاب بالضرورة انطوائيا أو خجولا، بل إن هناك بعض الأدلة التي تشير إلى وجود علاقة محتملة بين هذه الظاهرة والاستخدام القهري للتكنولوجيا الرقمية.
وبالنسبة للأسباب، يمكن أن تؤثر أي ضغوط على الشخص وتدفعه إلى الدخول في هذه المتلازمة، بما في ذلك الضغط الدراسي، وتوقعات الوالدين، والخوف من الفشل، أو المتطلبات الاجتماعية وضغوطات العمل. كما يمكن أن تلعب ديناميكيات الأسرة المختلة، على سبيل المثال، دورا في الانسحاب الاجتماعي، وتحديدا بين الأجيال الشابة من المصابين بهذا الانعزال، خاصة إذا تعرض الفرد للإساءة أو سوء المعاملة أو الصدمة في الطفولة.
اضطرابات نفسية تعزز فرص الإصابةقد تتقاطع بعض حالات المتلازمة مع اضطرابات أخرى مثل طيف التوحد، واضطرابات المزاج، وإدمان الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى بعض أنماط الشخصية التي قد تسهم في تفاقم العزلة.
على سبيل المثال، تُظهر الدراسات أن الرجال والنساء المصابين بالـ"هيكيكوموري" يسجلون درجات أعلى على مقاييس الشخصية التجنبية، وتشير بعض التقارير إلى أن اضطراب الشخصية التجنبية يُعد من الاضطرابات المصاحبة الشائعة لهذه المتلازمة. كما يرتبط اضطراب القلق الاجتماعي بالـ"هيكيكوموري" في عدد من الحالات. ومع ذلك، قد يعاني بعض الأفراد من انسحاب اجتماعي شديد من دون أن يكون لديهم أي اضطراب نفسي مُشخّص.
تشير التقديرات الحالية إلى أن نحو 1.5 مليون ياباني -أي ما يزيد قليلا على 1% من السكان- يمكن تصنيفهم ضمن حالات الـ"هيكيكوموري"، كما سجلت ظواهر مشابهة في دول عديدة في أنحاء العالم. ورغم اتساع نطاقها، لا يزال الاتفاق حول ماهية هذه المتلازمة وأسبابها محدودا، مما يجعل إيجاد علاج واضح لها مهمة معقدة.
إعلانومع ذلك، يؤكد خبراء الصحة النفسية في اليابان أن الخروج من حالة الـ"هيكيكوموري" لا يمكن أن يحدث من دون شبكة دعم متماسكة وعلاج متخصص. ويعد العمل على إعادة تنظيم العلاقة بين المريض ووالديه الخطوة الأولى نحو التعافي، خاصة أن كثيرا من المصابين يعتمدون على والديهم بوصفهما نافذتهم الوحيدة على العالم خارج الإنترنت. ولهذا، يجري أيضا تزويد الآباء والأمهات بإستراتيجيات تساعدهم على التواصل مع أبنائهم بطريقة أكثر صحة وفاعلية.
وعندما يصل الشخص المنعزل إلى مرحلة تسمح له بالحضور إلى العيادة، يمكن البدء في سلسلة من العلاجات تشمل العلاج السلوكي المعرفي المتخصص (CBT)، ومجموعات الدعم والمساعدة الذاتية، وبرامج تدريجية تشجع على التفاعل الاجتماعي والاندماج في المجتمع الأوسع.
وبذلك، يعتمد علاج متلازمة "هيكيكوموري" عموما على العلاج النفسي بدلا من الأدوية، على الرغم من استخدام الأدوية لعلاج الأمراض النفسية المصاحبة للحالة وفقا للحدّة والحالة المصاحبة.
قد يكون العلاج فرديا أو جماعيا أو عائليا، وغالبا ما يتبع اختصاصيو علم النفس أنواعا متعددة من العلاج في وقت واحد، مع سلسلة من التغييرات في نمط الحياة وممارسة الرياضة لتعزيز الصحة النفسية العامة، والتمهيد لدمج الشخص في المجتمع تدريجيا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات اجتماعي الصحة النفسیة اضطراب نفسی فی الیابان ومع ذلک
إقرأ أيضاً:
علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
أثبت العسل منذ قرون نفسه كخيار طبيعي للتحلية ومصدر سريع للطاقة، ومع تزايد الوعي بأهمية التغذية الرياضية، عاد ليبرز كخيار محتمل لدعم الأداء البدني أثناء التمرين.
وفي الأعوام الأخيرة، ازدادت شعبية العسل بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يرون فيه بديلاً طبيعياً لمشروبات الطاقة، خاصة عند تناوله قبل التمارين لأنه يمنح دفعة سريعة من النشاط.
وقد أشارت بعض الدراسات العلمية إلى أن للعسل تأثيرًا مشابهًا لمنتجات الطاقة التجارية التي تعتمد على الكربوهيدرات. ولكن فوائده قد تكون أوضح في مرحلة التعافي بعد التمرين مقارنة بتأثيره المباشر على الأداء.
كيف يزود العسل الجسم بالطاقة؟
يتألف العسل في الأساس من الغلوكوز والفركتوز، وهما نوعان من الكربوهيدرات البسيطة التي يُمتصان بسرعة داخل الجسم لتوفير طاقة فورية، هذا يجعله مثالياً لاستهلاكه خلال التمارين التي تتطلب مصادر سريعة للوقود.
يقوم الجسم بتخزين الكربوهيدرات كبنية تسمى الغليكوجين في العضلات والكبد، ويبدأ باستخدامها في التمارين المتوسطة إلى الشديدة، خاصةً عند التمارين المُطوّلة، ومع استنزاف هذه المخازن، يشعر الجسم بالتعب وينخفض الأداء، لذا فإن تناول الكربوهيدرات قبل التمرين أو أثناءه يساعد في الحفاظ على مستويات الطاقة وتجنب الإرهاق المبكر.
يمتاز العسل بقدرته على توفير الغلوكوز والفركتوز عبر مسارات امتصاص مختلفة، مما يتيح للجسم استخدام كلا النوعين من مصادر الطاقة بشكل متزامن، الأمر الذي يزيد من الكفاءة في إنتاج الطاقة دون إثقال عبء الجهاز الهضمي.
بسبب هذا التنوع، تعتمد بعض مشروبات الطاقة على مزج أنواع متعددة من الكربوهيدرات لتحقيق نفس الهدف.
تشير الأدلة العلمية كذلك إلى أن استهلاك مزيج من الغلوكوز والفركتوز يعزز قدرة الجسم على امتصاص الكربوهيدرات والاستفادة منها أكثر مما إذا استُهلك نوع واحد فقط، ومن هذا المنطلق، يُعتبر العسل خياراً طبيعياً يقدم فعالية مماثلة.
كل ملعقة كبيرة من العسل تحتوي على ما يقارب 20 غراماً من الكربوهيدرات، وتناول ملعقتين صغيرتين قبل التمرين، لا سيما في الصباح قبل الإفطار بعد فترة الصيام الليلية، يمكن أن يعزز مخزون الغليكوجين ويساهم في تحسين أداء الجسم أثناء النشاط البدني.
مدى تأثير العسل على الأداء الرياضي
رغم تقديم العسل طاقة سريعة وفعّالة للجسم، فإن الأدلة المتعلقة بتأثيره المباشر في تحسين الأداء الرياضي لا تزال غير قاطعة. أظهرت بعض الدراسات أنه حتى مع تناول العسل قبل التمرين أو أثناءه، لم يكن هناك فرق جلي مقارنة بشرب الماء فقط أو حتى بمشروبات الطاقة التي تحتوي على نسب متقاربة من الكربوهيدرات.
من ناحية أخرى، هناك أبحاث أفادت بأن تناول العسل على فترات متقطعة أثناء رياضات التحمل كركوب الدراجات أدى إلى تحسين أداء الرياضيين ومنحهم طاقة إضافية خلال المراحل الأخيرة من الجهد البدني.
كما تشير الدراسات إلى أن العسل يعتبر مكافئاً لمكملات الطاقة التجارية من حيث الأداء، دون أن يكون هناك تفوّق واضح لأي منهما.
أهمية العسل في مرحلة التعافي
يبرز دور العسل بشكل أكبر بعد التمارين الرياضية حيث يساعد على إعادة ملء مخازن الطاقة بشكل سريع من خلال محتواه من الغلوكوز والفركتوز.
وتظهر هذه الفائدة بشكل خاص خلال ممارسة الرياضة في ظروف صعبة مثل الطقس الحار أو أثناء القيام بتمارين متكررة في فترات زمنية قصيرة.
على سبيل المثال، أظهرت إحدى الدراسات أن تضمين العسل ضمن وجبات التعافي بين جلسات التمرين أدى إلى تحسين أداء العدّائين بنسبة تقارب 10% في الجلسة التالية.
إضافة إلى الكربوهيدرات البسيطة، يحتوي العسل على كميات ضئيلة من الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة مثل الفلافونويدات والأحماض الفينولية، التي تساهم في دعم الجهاز المناعي والتخفيف من التأثيرات السلبية للتدريب المكثف.
ورغم ذلك، يبقى تأثير العسل المباشر على الأداء الرياضي أقل وضوحاً ولا يتفوق بجلاء على البدائل التقليدية مثل مشروبات الطاقة. ومع ذلك، يظل خياراً طبيعياً وصحياً يمكن أن يكمل النظام.