قرع جدران الخزّان في غزة.. قصيدة حب تقاوم الإبادة الجماعية الاستيطانية
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
في خضمّ روايات شخصية وشهادات مُفجعة عن المحرقة والإبادة في قطاع غزة، يُقدّم كتاب حيدر عيد "قرع جدران الخزّان" رسالة أملٍ تتحدّى.
ويضم الكتاب مجموعة من التأملات والتحليلات والشهادات التي كتبها الأكاديمي والناشط الفلسطيني الدكتور حيدر عيد، على مدى 18 عامًا في قطاع غزة. ويقدم منظورًا من الداخل لحصار غزة منذ عام 2007، والحروب الإسرائيلية على القطاع أعوام 2009 و2012 و2014 و2021، ومسيرات العودة الكبرى، والإبادة الجماعية المستمرة التي ترتكبها دولة الفصل العنصري الإسرائيلية.
ومؤلف هذا الكتاب هو الدكتور حيدر عيد، أستاذ أدب مرحلة ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة، بجامعة الأقصى في غزة، فلسطين. ومستشار السياسات لدى شبكة السياسات الفلسطينية (الشبكة) وكتب على نطاق واسع في الصراع العربي الإسرائيلي.
وقدّم للمؤلف البروفسورُ ريتشارد فولك (95 عامًا) أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعتي برنستون وكاليفورنيا، ومقرر الأمم المتحدة الأسبق لحقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وأحد أقوى المدافعين عن حقوق شعب فلسطين، ومن أبرز المعارضين للسياسة الخارجية الأميركية الإمبريالية ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي.
وقد استقبل النقاد والخبراء الكتاب بكثير من الترحيب والتقدير نظرًا لصدوره في أكثر الأوقات حرجًا بالنسبة لقضية فلسطين ومصير قطاع غزة بعد عامين من الإبادة الجماعية التي لا تزال دائرة رغم مزاعم وقف إطلاق النار واتفاقية إنهاء الحرب وخطة ترامب.
تصف ليلى فرسخ، الأستاذة بجامعة ماساتشوستس، في بوسطن، الكتاب بأنه عاجل مؤثر واسع الاطلاع. ويقدم عيد تحليلاً ضرورياً للإبادة الجماعية في غزة والتي لم تبدأ في الواقع عام 2023، ويفسر لماذا يواصل الفلسطينيون قرع جدران سجنهم لتأكيد إنسانيتهم وحقوقهم غير القابلة للتصرف في الحرية والمساواة والعودة.
إعلانواستنادًا لمثال جنوب أفريقيا الذي شهد تفكيك نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) وتمكين الأغلبية، من بين أمثلة أخرى، تُقدم رؤى وتأملات عيد أقوى حجة لصالح حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل "بي دي إس" (BDS) وتعزيز التضامن الدولي مع فلسطين، ولماذا السبيل الوحيد للمضي قدماً هو دولة ديمقراطية واحدة بين النهر والبحر.
ويقول الشاعر والناقد عبد الرحيم الشيخ: في تقاريره من غزة، يُحوّل حيدر عيد سؤال غسان كنفاني (1936-1972) في روايته المحزنة والمؤلمة (رجال في الشمس): "لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟!" إلى صرخة تحدٍّ: "نحن نقرع جدران الخزان"!
فعلى مدى قرنٍ تقريبًا، لم يتوقف الفلسطينيون عن طرق الأبواب. والآن، مع تكشّف الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة أمام أعين العالم، لم تعد المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتقهم للصراخ، بل على الإنسانية جمعاء أن تصغي.
أما المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، مؤلف كتاب "التطهير العرقي في فلسطين" فيقول: يُقدّم هذا الكتاب منظورًا فلسطينيًا أصيلًا وقويًا حول "حقول القتل" في غزة، من خلال دمجٍ التحليل التاريخي بحكايات شخصية مؤثرة، على نحو مُبهر. ويظهر هذا الكتاب أهل غزة كما هي حقيقتهم: صامدون وشجعانٌ، بشكلٍ لا يُصدّق، في مواجهة حملة إبادة جماعية تُشنّ عليهم. ويتضح من هذه الرسائل المؤثرة أنه لا يُمكن محو غزة تمامًا، كما لا يُمكن محو فلسطين، كُلاً وفكرةً وأمةً وكيانًا. وهذا الكتاب لا غنى عنه لكلّ من يُريد أن يفهم تمامًا معنى أن تعيش في أكبر سجنٍ على وجه الأرض، مُعرّضًا باستمرارٍ لخطر الفناء.
وبدورها، اعتبرت جميلة غدّار، أستاذة دراسات الإعلام بجامعة أمستردام أن هذا الكتاب يعيدنا إلى ذواتنا، متواضعين غاضبين ومتذكرين لماذا تُمثل غزة كل فلسطين في آن واحد، ومركز العالم. ولمن راقبوا بحيرة وذهول صمت العالم، عامًا بعد آخر، إزاء المجاعة والحصار في غزة، والحرب تلو الأخرى، يُعيد كتاب عيد كل الذكريات. ولمن يتابعون للتو، فهذا الكتاب هو كل ما نحتاجه لفهم ما أوصلنا إلى هنا، والانتقال إلى مستقبل مُحرّر نتوق إليه. استمعوا إلى صوت غزة الثائر، إلى عمقه الناري وتحديه المؤلم. يمكن لغزة أن تُعلمنا كل ما يستحق المعرفة. كيف نكون أحرارًا. كيف نكون بشرًا.
ووجدت المؤلفة والصحفية فيكتوريا بريتين أن مقالات عيد من قلب الحصار وحروب إسرائيل على غزة في القرن الـ21 تُمثّل رحلةً مع كُتّاب فلسطين المخضرمين من أجل الحرية. فعنوان الكتاب مُقتبس من قصة كنفاني الشهيرة، عن 3 لاجئين فلسطينيين قضوا اختناقًا دون أن يُسمع لهم صوت في خزان شاحنة، وقصيدة حب لمحمود درويش "صمتٌ لغزة" التي تفتتح الكتاب، وكتابة عيد مُشبعة بأعمال إدوارد سعيد. وهذا كتابٌ لاكتشاف غزة اليوم.
ويستهل عيد مؤلفه بقوله "هذا الكتاب شخصي وسياسي في آنٍ واحد، فهو شهادة مني كلاجئ فلسطيني يعيش فيما يُوصف بأكبر سجن مفتوح على وجه الأرض، ولكنه أيضًا صوت من الداخل يُقدم مخرجًا من المستنقع المُصطنع في فلسطين".
إعلانوهكذا يبدأ الباحث الأدبي الفلسطيني كتابه "قرع جدران الخزّان: رسائل من غزة" وهو عملٌ يتسم بالتحدّي من بدايته، ويُجسد تمردًا فكريًا وثقافيًا، كُتب على مدى عقدين من المقاومة الدؤوبة والمُبدعة للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، والإبادة الجماعية، والحرب، والحصار على غزة في ظل النكبة الفلسطينية المستمرة.
وفي نداءٍ واستجابةٍ مُوَجَّهَين، يُواكِب الكتابُ إلحاحَ سؤالِ الروائي والصحفي والمناضل الفلسطينيِّ الراحل، كنفاني، في روايةِ "رجالٌ في الشمس": "لماذا لم تدُقّوا جدرانَ الخزّان؟" الذي استوحى عيد منه عنوانَه. ويُجيبُ الكتابُ بمقاومةٍ صامدةٍ، كما أشار الشاعرُ والناقدُ الفلسطينيُّ عبدُ الرحيمُ الشيخُ أعلاه "نحنُ نُدقّ جدرانَ الخزّان".
جو بلين، مناضلة يهودية جنوب أفريقية من أصل بولندي، وباحثة في الدراسات الدولية بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وناشطة مع منظمة "يهود أفارقة من أجل فلسطين حرّة". وترى بلين في أعمال عيد روحًا راسخة من الرفضِ الكتّابيِّ في الأشكالِ الجريئةِ والوجدانيةِ من الكتابة والإبداع، متأصّلةً ومبثوثة في كافة ثنايا الكتاب.
وفي مقاله المنشور عام 2009 بعنوان "ثقافة المقاومة في مواجهة الهزيمة" يستلهم عيد المفكر والثائر الفرنسي الجزائري الراحل من جزر المارتينيك فرانز فانون (1925-1961) ويتمثل تجربته النضالية، مستنطقًا إرثه حول دور المثقف في النضال، من خلال نقد لاذع للمثقفين المندمجين في الأوضاع القائمة، وتحذيرٍ استشرافي من النيوليبرالية واستسلام "يسار المُنظّمات غير الحكومية" و"منهزمي أوسلو". وهؤلاء النشطاء مهزومون سلفًا "لأنهم يريدون خوض المعركة بشروط إسرائيل".
وبهذا المعنى وفي هذا السياق، يُحاكي عيد المفكر والناقد الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد الذي كتب أن النقد "يتمثل في جوهره.. بتشكك بالمفاهيم الشمولية والأفكار المُعممة، وفي استيائه من الأمور المُجسّدة أو المُشَيأة، وفي نفاد صبره على النقابات والتشكيلات.. والعادات العقلية الأرثوذكسية التقليدية".
وبكلمات عيد "المقاومة.. ليست فقط القدرة على التصدي لعدوٍ أقوى عسكريًا، بل هي القدرة على مقاومة احتلال الأرض بإبداع". ويرفض عيد رفضًا قاطعًا خداع الاسترضاء الاستعماري وتقسيم البانتوستانات أو المعازل، لما يُطلق عليه حل الدولتين الذي هو في الواقع "حل السجنين". ويُذكّر القارئ بحتمية فلسطين الحرة عبر النضال، والمكونة من دولة واحدة تمتد من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط.
وإذا كانت المقاومة بأشكالها المتعددة خطًا أساسيًا في ثنايا الكتاب، فكذلك هي مركزية وأهمية مُناهضة الاستعمار تجاه حضور التاريخ، حيث يكتب النضال الطويل والواسع ضد الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، والدعاية الصهيونية، وحرب الإبادة الجماعية، مُتحدّيًا هيمنة محو التاريخ.
ويكتب "إنّ إنهاء الاستعمار في المقاومة الثقافية يُوجب الحق في النظر إلى التاريخ الفلسطيني ككيان شامل مُتماسك ومتكامل". ويَظهر ذلك في سياق الإبادة الجماعية المعاصرة والمقاومة، في روح الصمود الدائمة في الحاضر التاريخي الفلسطيني، وفي نشر مُقارناتٍ عابرة للحدود، وفي الإحباطات والانعكاساتٍ المُلحّة، وانعطافات النضال الفلسطيني والعدوان الإسرائيلي.
يستقي عيد من تجارب القهر والإبادة الجماعية، ومن النضال ضد هياكل الرأسمالية العنصرية لنظام الفصل العنصري السابق بجنوب أفريقيا، والنازية الألمانية، وقوانين جيم كرو العنصرية بالولايات المتحدة، وغيرها، ليموضع النضال الفلسطيني في موضعه الصحيح.
إعلانويتميز قلم عيد بالدقة والبراعة، إذ يتجنب إكراه المقارنة السهلة، بينما يُبرز التناقض الهمجي المتمثل في تشويه الحق الفلسطيني (والعالمي) في مقاومة الهيمنة الاستعمارية والحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير. وفي حين تصور الدعاية الصهيونية أن المقاومة الفلسطينية عبثية وتنشأ في فراغ، لا يترك عيد مجالًا مفتوحًا لهذه الرواية الكاذبة.
وعلى نقيض ذلك، تتموضع المقاومة الفلسطينية، من جهة، في سياق مسارات عالمية لمقاومة القمع العنصري الاستعماري. ومن جهة أخرى، في سياق المقاومة الفلسطينية طويلة الأمد لبنية الاستعمار الاستيطاني الإبادي الإسرائيلي والغربي، والقائمة منذ ما قبل حصار الكيان الصهيوني لقطاع غزة منذ عام 2007، وتأسيس دولة الكيان عام 1948، وترسيخ نظام الفصل العنصري بعد عدوان واحتلال عام 1967، وخيانة اتفاقية أوسلو في التسعينيات، والعودة إلى وعد بلفور عام 1917، وهيكلة النكبة التي تطارد أنقاض غزة، والسلب المميت والاقتلاع في الضفة الغربية والشتات.
ويوضح عيد أن كلاً من العنف الإسرائيلي المدمر والمقاومة الفلسطينية له لم يبدآ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو توضيحٌ ضروريٌّ وحتميٌ ضد تصوير حركات المقاومة الفلسطينية وإسرائيل القوة النووية، باعتبارهما تتمتعان بتكافؤ في القوة والتسلح، فيما يصفه بـ"تحليل مُجرّد من سياقه لدى وسائل الإعلام الغربية، التي تصادف أنها بيضاء واستعمارية، وتميل إلى إقرار الرواية الإسرائيلية بالكامل".
وضد هذا المحو في غرف الأخبار واستديوهات الإعلام بالغرب، والذي يُرسّخ الترسانة الثقافية للإبادة الجماعية، يكتب عيد أن طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 كان بمثابة هروب من السجن الكبير، في حوار مع تاريخ المقاومة ضد الاعتقال وضد الاستعمار. ويكتب "بدلاً من انتظار كرم إسرائيل عندما تقرر، من خلال وسطاء، فُتحت إحدى البوابات السبع لأكبر سجن مفتوح على وجه الأرض، قرر السجناء -بعد أن تعلموا من انتفاضات وارسو ضد الاحتلال النازي عام 1944- تدميره بأنفسهم"، وأن حركات المقاومة "منحت النضال الفلسطيني زخمًا جديدًا، ووجهةً واضحةً نحو التحرير وإنهاء الاستعمار".
وبصفتها حفيدة يهوديات، من غيتو أو حارة اليهود في وارسو عاصمة بولندا، ترعرعن على التمرد وبعض المؤن، تقول جو بلين إنه لا يسعها إلا أن ترى خيوطًا تربط بين المحرقة ومعسكر الاعتقال تحت احتلال المجال الحيوي الصهيوني (كما كان الاحتلال بواسطة المجال النازي) وقمع المقاومة المناهضة للاستعمار، وهو أمرٌ مشترك في كلٍّ من المحرقة النازية في أوروبا والمحرقة الصهيونية في فلسطين.
وكلما قرأت بلين كلمات عيد، تتذكر كلمات أغنية "Zog Niet Keyn Mol" وتعني "لا تقل" كأول جملة من أغنية انتفاضة غيتو وارسو التي كانت جدتها تُغنيها لها باللغة اليديشية:
"ستأتي الساعة التي نتوق إليها حتمًا // سترعد الأرض تحت أقدامنا لأننا هنا!".
وفي خضمّ رواياتٍ شخصيةٍ مُفجعة عن هذه المحرقة، وإجلالاً لغزة المُدمّرة وشعبها، بمن فيهم شهداء من أفراد عائلته وأصدقائه ورفاقه، يُقدّم عيد رسالة أملٍ مُتحدّية. ويروي المؤلف قصصًا عن قوّة الاحتجاج الشعبيّ العالميّ اليوميّ المُتصاعد، وعن القوّة التي تحملها هذا الاحتجاجات في قلب اليأس.
يكتب عيد عن مُقاتلي المقاومة، من أحفاد لاجئي قرية "هوج" الفلسطينية، التي طُهّرت عرقياً على يد المليشيات الصهيونيّة عام 1948، وسُميت مستوطنة "سديروت". وقد نجح هؤلاء المقاومون في دخولها يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، وعادوا "ليس كزوارٍ مُصرّح لهم من المُستعمِر، بل كمُحرّرين يُؤكدون حقّهم في أرض أجدادهم". يحتفل عيد بدعوته لنا إلى تكثيف الخناق الاقتصاديّ على آلة حرب الإبادة الجماعيّة الصهيونيّة، من خلال حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات "بي دي إس" (BDS) على إسرائيل.
يُذكّرنا بأنّ هذه الجهود المُتراكمة، سواءً داخل فلسطين وكذلك خارجها، قد شهدت يومًا "كانت فيه إسرائيل على وشك الانهيار". فاستمرارها طويلاً بات موضع شك ليس في الغرب فحسب، بل في إسرائيل نفسها. وفي هذا الوقت من الثورة والشك، وفي ظل فترة فاصلة "غرامشية" عالمية، فإن عمل عيد العميق يقدّم وضوحًا ونداءً صريحًا. ويدعونا جميعًا للانضمام إلى الملايين في قرع جدران الخزان.
إعلان"قرع جدران الخزان" شهادة بليغة قوية على إنسانية عيد الشجاعة وتحليله اللاذع. وتنبعث من الكلمات دعوة للعمل من خلال غنائية ووجدانية وتفاؤل التاريخ.
وفي النهاية، كانت بلين تقرأ هذه الكلمات وكأنها في حوار مرة أخرى مع المناضل الراحل كنفاني الذي كتب "كل شيء في هذا العالم قابل للنهب والسرقة، إلا شيئًا واحدًا، هو الحب الذي ينبع من إنسان نحو التزام راسخ بقناعة أو قضية". بكل ما فقده ووجده، يُذكرنا عيد بالمقاومة بطرق أكثر جرأة تُجسد حبًا واقتناعًا لا يزولان.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات المقاومة الفلسطینیة الإبادة الجماعیة الفصل العنصری ة الصهیونی هذا الکتاب ا الکتاب من خلال عید من فی غزة ة التی من الم
إقرأ أيضاً:
كهوف الحرب وذاكرة الظلمات اليابانية الغارقة تحت الأرض في قصيدة سينمائية
أمستردام- بعد ثلث ساعة من مشاهد بصرية مفككة للكهوف والأنفاق والمياه لا تفصح عن معناها المباشر، كنتُ على وشك مغادرة القاعة والخروج لألحق بفيلم آخر في قاعة مجاورة بالمسرح الدولي الذي يستضيف مهرجان إدفا للأفلام الوثائقية وسط العاصمة الهولندية.
لكن ما أن بدأ الراوي ينتقل للحديث عن تحول تلك الملاجئ تحت الأرض إلى مسارح لمآس إنسانية مروعة، حتى اعتدلت في جلستي وقررت الاستمرار مأخوذا بقوة سرد الراوي الذي حكى كيف لقي كثيرون حتفهم جماعيا داخل كهوف أوكيناوا التي شهدت أحد أقسى فصول الحرب العالمية الثانية في الأشهر الأخيرة من الحرب، حينما احتمى آلاف المدنيين اليابانيين في كهوف أوكيناوا الطبيعية (التي تُعرف محليا في اليابان باسم غاما) هربا من الجنود الأميركيين.
شهود المأساةعبر إحياء روايات الناجين والمآسي المنسية، يسهم الفيلم في نقاش الحرب في الوجدان الياباني، فلا يكاد يبدأ باستكشاف البلدة الغارقة، حتى يوثق قصص انتحارات جماعية قسرية حدثت في تلك الكهوف خلال المراحل الأخيرة من حرب المحيط الهادي عام 1945.
ويمثل الفيلم محاولة جادة لإنقاذ ما غرق من التجارب الإنسانية عبر الفن السينمائي، مؤكدا أن الكاميرا ذاكرة بديلة تحفظ الماضي من الضياع.
وعلى سبيل المثال، شهد أحد الكهوف -المعروفة باسم "تشيبيتشيري غاما"- موت ما يزيد على 80 شخصا من المدنيين دفعة واحدة في حادثة انتحار جماعي مأساوية، وعندما بحثت عن تلك الظاهرة فهمت أن هذا المصير لم يكن حتميا، فعديد من تلك الانتحارات الجماعية جاءت نتيجة الضغط النفسي الذي مارسته السلطات والمجتمع على المدنيين لإقناعهم بأن الاستسلام للعدو أسوأ من الموت.
لا تتبع سردية الفيلم حبكة تقليدية بقدر ما تنساب مع تدفق حر للأحداث والصور، وتوثق المخرجة اليابانية كاوري أودا في الفيلم موضوع الحرب عبر الغوص -حرفيا!- في عالم الكهوف تحت سطح اليابان، بما في ذلك قصص انتحارات جماعية قسرية حدثت في تلك الكهوف خلال المراحل الأخيرة من حرب المحيط الهادي عام 1945.
إعلانيتبدى عنوان الفيلم كدعوة هادئة للنزول تحت السطح، نحو عالم تحت الأرض يسكنه ما تبقى من أثر البشرية، وكأنها رحلة وجودية في طبقات الوعي الجمعي الياباني.
تنطلق قصة "تحت الأرض" (Underground) من شرارة بصرية خاطفة عندما تصادف امرأة صورا قديمة أو لقطات فيلمية في إحدى دور العرض، فتقودها تلك المشاهد إلى السعي وراء حقيقتها.
تكتشف بطلة الفيلم -التي لا تتحدث طوال الفيلم- أن تلك اللقطات تعود إلى بلدة اختفت حرفيا تحت مياه بحيرة تشكلت خلف سد شاهق، فتشد رحالها بدافع من الفضول إلى ذلك المكان الغارق ولعله الحنين إلى ماض لم تعرفه.
هكذا تبدأ رحلة البحث، رحلة تقودها عبر الزمن وآثار الماضي، الشخصية الرئيسية هنا بلا اسم محدد، وتظهر كظل بشري أو شبح يتجول بحرية عبر المشاهد وأحيانا عبر يد تمتد من جانب الصورة وتكتفي ببصمتها وحضورها الحالم، تغدو هذه المرأة دليلنا في دهاليز تحت الأرض.
وسرعان ما يتجاوز الفيلم مهمة العثور على البلدة الغارقة حرفيا، لينخرط في استكشاف أوسع للأماكن الخفية والمكبوتة في الذاكرة الجمعية، متنقلا بين مواقع تحت الأرض متعددة.
جماليات الظلماتتنتقل الكاميرا من أنفاق إسمنتية مهجورة تحت مدينة حديثة، إلى كهوف طبيعية في أوكيناوا شهدت مآسي حرب دامية، وصولا إلى أطلال القرية الغارقة نفسها في قاع البحيرة، ولا يفصح لنا الفيلم مباشرة عن أسماء هذه الأماكن أو تفاصيلها، فالانتقالات مقصودة أن تكون ضبابية وكأنها حلم على ما يبدو.
تتداخل الأزمنة كذلك، إذ تُسقَط مشاهد أرشيفية ولقطات قديمة فوق المشاهد الحاضرة، من دون تسلسل سببي واضح أيضا، ولكن تربطها مجموعة من الرموز أو الأحاسيس رغم غياب الحوار والشرح المباشر، ويبدو الفيلم من هذه الزاوية "ما بعد حداثي" بامتياز، وذلك من جهة تقويض البنية السردية والأسلوب التسجيلي المألوف لدى المشاهد.
ورغم تلك الجماليات، فإن الفيلم بدا لي مربكا بالنظر لأسلوبه التجريبي الجريء، فالسرد المفكك والانتقالات المفاجئة بين المشاهد تربك من يفضلون الخط السردي الواضح، مما يجعل متابعة الفيلم أشبه برحلة تتطلب الصبر وهو ما كدت أفقده عدة مرات خلال المشاهدة.
وقبل أن ينجذب المشاهد لخوض هذه الرحلة التأملية، جامعا فتات الحكاية عبر الإيحاءات البصرية والسمعية، يظهر المرشد ماتسوناغا ميتسوو ليكون راويا لمعاناة الحرب، حيث يقود الزوار داخل الكهوف ويحكي لهم بالتفصيل ما وقع فيها من مآس، ثم يدعوهم في نهاية الجولة إلى تجربة ظلام الكهف الدامس كما عاشه من اختبأ فيه قبل عقود.
قبل أن ينجذب المشاهد لخوض هذه الرحلة التأملية، جامعا فتات الحكاية عبر الإيحاءات البصرية والسمعية، يظهر المرشد ماتسوناغا ميتسوو ليكون راويا لمعاناة الحرب، حيث يقود الزوار داخل الكهوف ويحكي لهم بالتفصيل ما وقع فيها من مآس، ثم يدعوهم في نهاية الجولة إلى تجربة ظلام الكهف الدامس كما عاشه من اختبأ فيه قبل عقود.
يطفئ المرشد مصباحه اليدوي لبضع دقائق في عمق الكهف حتى يختبر الزائرون إحساس العتمة والخوف الذي كابده أسلافهم، وتظهر المخرجة هذا المشهد وكأن الظلام يساعد على استحضار الذكريات وتأمل فداحة ما جرى.
وكثير من المشاهد تغرق في عتمة حالكة داخل كهوف وأنفاق لا يبدد ظلمتها سوى بصيص ضوء صادر عن مصباح يدوي أو فتحة بعيدة.
ويقول نقاد إن هذا التباين بين العتمة والنور يحول الكاميرا إلى ما يشبه النحات الذي يستخدم الضوء ليكشف ملامح الفضاء الخفي عبر تكوينات بصرية مدهشة، حيث نرى ظلالا تتراقص على جدران الصخور، وكيانات بشرية تظهر كخيالات باهتة ضمن مشاهد طبيعية مطموسة المعالم.
هذا التباين بين العتمة والنور يحول الكاميرا إلى ما يشبه النحات الذي يستخدم الضوء ليكشف ملامح الفضاء الخفي عبر تكوينات بصرية مدهشة، حيث نرى ظلالا تتراقص على جدران الصخور، وكيانات بشرية تظهر كخيالات باهتة ضمن مشاهد طبيعية مطموسة المعالم.
وتتساقط طبقات من الصُوَر فوق بعضها بعضا، بحيث يتماهى الاصطناعي، مثل ضوء المصباح وهياكل الإسمنت، مع الطبيعي من أشكال الصخور وانعكاسات الماء.
إعلانوالصمت أيضا عنصر أساسي في لغة الفيلم السينمائية، فمع قلة الحوار البشري ترتفع أصوات البيئة الطبيعية مثل تقطّر الماء في السكون، وحفيف الرياح عبر الممرات الضيقة، وصدى الخطوات في الفراغ تحت الأرض.
كما تتخلل الفيلم لحظات من السكون التام تقريبا، تمنح المشاهد مساحة للتفكير والتفاعل الشخصي مع ما يراه، ويختم الفيلم بمشاهد تأملية للمياه والسدود.
وعندما يستخدم الصوت الموسيقي، تأتي على هيئة نسيج سمعي تجريدي يكمل الصورة من دون أن يطغى عليها.
وصُمم الشريط الصوتي -على ما يبدو- بعناية ليخلق "سيمفونية" من الأصوات الطبيعية والإلكترونية، فتارة يعلو هدير غامض يبعث التوتر، وتارة أخرى يخفت كل شيء إلى همس بالكاد يُسمع.
شهد القرن الـ20 طفرة عمرانية هائلة في بناء السدود حول العالم، حملت معها وعدا بالكهرباء والري ومنع الفيضانات، لكنها حملت أيضا وجها آخر للتقدم: قرى وبلدات بأكملها اختفت تحت مياه بحيرات صناعية، وتشرد سكانها، وطُمست ذكرياتهم.
ولا يخفى على المشاهد أن الرحلة "تحت الأرض" تحمل أبعادا رمزية عديدة، كالحفر في طبقات العقل الباطن والذاكرة المكبوتة للمجتمع الياباني، وتأمل صدمات التاريخ وأشباحه الراقدة في الأنفاق والكهوف، وأعني أحداثا مأساوية دُفنت حرفيا تحت الأرض ولم تعد تطفو على سطح الوعي اليومي، لكنها رغم ذلك حية في وجدان من عايشوها.
ويطرح الفيلم تساؤلات ثقافية عن الثمن الذي تدفعه المجتمعات في سبيل التنمية الحديثة، فالسد يتحول رمزا للتضحية بقيمة التراث والهوية المحلية تحت عجلة التقدم، وهذه الثيمة تجد صداها في أفلام أخرى أيضا في المهرجان الوثائقي الأكبر عالميا، مما يدفع المشاهد للتأمل إذا ما كان التطور يستحق فقدان ذاكرة المكان واقتلاع الجذور.
طرح الفيلم تساؤلات ثقافية عن الثمن الذي تدفعه المجتمعات في سبيل التنمية الحديثة، فالسد يتحول رمزا للتضحية بقيمة التراث والهوية المحلية تحت عجلة التقدم، وهذه الثيمة تجد صداها في أفلام أخرى أيضا في المهرجان الوثائقي الأكبر عالميا، مما يدفع المشاهد للتأمل إذا ما كان التطور يستحق فقدان ذاكرة المكان واقتلاع الجذور.
والجميل أن تلك الأسئلة لن تجد لها إجابة وعظية أو مباشرة، بل يترك "تحت الأرض" وأمثاله من الوثائقيات الباب مفتوحا أمام تأويل المشاهد وتفكيره، فرحلة البطلة الشخصية تصبح استعارة لرحلة أمة بأكملها في تذكر ماضيها والتصالح معه.
يحمل الفيلم أيضا بعدا وجوديا إنسانيا يتجاوز السياق الياباني الخاص، فالمحلي هو الكوني كما عبر لي أحد أساتذة الوثائقيات في المهرجان؛ و"تحت الأرض" هو تأمل شاعري في علاقة الإنسان بالمكان والزمان وفي هشاشة الوجود البشري مقابل صلادة الطبيعة واستمراريتها.
يحمل الفيلم أيضا بعدا وجوديا إنسانيا يتجاوز السياق الياباني الخاص، فالمحلي هو الكوني كما عبر لي أحد أساتذة الوثائقيات في المهرجان؛ و"تحت الأرض" هو تأمل شاعري في علاقة الإنسان بالمكان والزمان وفي هشاشة الوجود البشري مقابل صلادة الطبيعة واستمراريتها.
البلدة تغرق وتفنى، لكن الجبال حولها تبقى راسية، والبشر يرحلون، لكن الكهوف والصخور تحمل نقوش ذكرياتهم على جدرانها، ووراء كل سد وخلف كل بناية شاهقة قد تكون هناك قرية غارقة وذكريات مطمورة تستحق الاستحضار والتأمل.