لا يجب أن توسع إعادة إعمار غزة الاحتلال الإسرائيلي
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
يتردد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمضي قدما بخطط معيبة لإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية في غزة ترقى إلى إطالة أمد الاحتلال الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين. ومن أسف أن هذا هو الاتجاه القائم منذ أكتوبر 2023، إذ التزمت إدارتا ترامب وبايدن مرارا باستراتيجيات فشلت في معالجة الأزمة الإنسانية المستمرة في القطاع.
من سوء الحظ، أن إدارة ترامب تفعل العكس. ففي ما يتعلق بالتخطيط لإعادة الإعمار، يتردد أنها لا تدفع إلا نحو إعادة بناء الجانب الإسرائيلي في قطاع غزة الذي بات منقسما الآن، وتلجأ إلى إعادة تسمية مخططها المعروف بـ«المجتمعات الآمنة البديلة» (ASC) لقرابة 2.2 مليون فلسطيني. وقد وصف مناصرون لحقوق الإنسان وعمال إغاثة إنسانية وفلسطينيون من غزة بل ورؤساء وزراء إسرائيليون سابقون «المجتمعات الآمنة البديلة» هذه بأنها لا تعدو جهودا لوضع أهل غزة في معسكرات اعتقال، إذ سيعجزون عن الخروج بسبب حصار القوات الإسرائيلية أو بسبب قوة إحلال الاستقرار الدولية (ISF) المعتزمة التي أقرها أخيرا قرار صادر عن مجلس الأمن الأممي بدعم خطة ترامب للسلام في غزة المؤلفة من عشرين نقطة.
تحريا للوضوح، لا ينبع تحول واشنطن من الإيثار. فالضغط على حماس من أجل نزع السلاح هو الغرض المفهوم من إعادة بناء أجزاء في غزة لا تكون متاحة للفلسطينيين وتتركهم للمعاناة في أقل من نصف أرض القطاع وسط خراب وركام ومساعدات إنسانية محدودة لا تزال إسرائيل تمنع دخولها إلى حد كبير في انتهاك لوقف إطلاق النار والقانون الدولي. والأرجح هو أن ما تريده واشنطن وإسرائيل هو زيادة الضغط على الفصيل الفلسطيني في الشارع، مع تشديد القادة الإسرائيليين قبضتهم على الأراضي التي يحتلونها.
والحق أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن صراحة أن قواته لن ترحل إلا بعد نزع سلاح حماس، في انتهاك لوقف إطلاق النار. منذ أن بدأت إسرائيل «الخطة العامة» في أكتوبر 2024، كان التفكير ولا يزال هو فرض نزوح الفلسطينيين إلى مناطق غير خاضعة لسيطرة حماس باستعمال المساعدات الإنسانية والمأوى استعمال السلاح. وكانت «المجتمعات الآمنة البديلة» توسعة لذلك المفهوم. ثم حدث في الآونة الأخيرة أن رست الفكرة على عصابات مدعومة من إسرائيل تسيطر على ما يعرف بـ«المناطق الآمنة» بما يفتح المجال لمزيد من القصف العشوائي في الأرض التابعة لسيطرة حماس.
ولقد كان الافتراض القائم وراء نزوح الفلسطينيين إلى مناطق آمنة يتعلق دائما بنزع سلاح حماس والقضاء عليها. وقد استمرت في الأسابيع الأخيرة شائعات بأن الولايات المتحدة مترددة في نزع سلاح حماس، في ضوء صعوبة تكوين قوة إحلال الاستقرار الدولية (ISF) إذ تتخوف الدول محتملة المشاركة من فرض أي جهد لنزع الأسلحة. فمن شأن هذا في نهاية المطاف أن يؤدي إلى قتال مباشر مع حماس.
في ما يتعلق بتدفقات المساعدات الإنسانية، تشير تقارير جديدة إلى أن مقاول الأمن الذي يقف وراء مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) هو شركة يو جي سولوشنز [UG Solutions] في كارولينا الشمالية التي تقوم حاليا بتجنيد يستهدف توسيعا كبيرا لعملياتها في القطاع. ومن قبل، قال السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هابي إن مؤسسة غزة الإنسانية سوف تتوسع في ستة عشر موقعا للتوزيع. غير أن المجموعة أعلنت في الرابع والعشرين من نوفمبر أنها سوف توقف عملياتها في غزة مع البقاء بوصفها منظمة غير حكومية عاملة، بما يشير إلى أنها قد تستأنف العمل في القطاع في المستقبل، وذلك رهن بدافع مواز لتوظيف عناصر جديدة في صفوفها.
وبوصفها آلية خاصة للمساعدة لها دعم أمريكي وإسرائيل أدارها مقاولون أمريكيون بجانب رجال أعمال إسرائيليين ومسئولين عسكريين سابقين، لم تنشئ مؤسسة غزة الإنسانية إلا أربعة مواقع لتوزيع المساعدات في أواخر مايو متذرعة بمنع حماس من نهب المساعدات. وكان نظام المساعدات التابع للأمم المتحدة يدير أكثر من أربعمائة موقع توزيع في أرجاء غزة ويعد نظاما فعالا في الجملة.
لم تكن مؤسسة غزة الإنسانية منظمة إنسانية من قبل، ولا هي كذلك اليوم. فهي لا تحترم المبادئ الجوهرية للعمل الإنساني حسبما يوضحه القانون الدولي: أي الإنسانية والحياد والنزاهة والاستقلال. ولقد وجهت منظمات إنسانية رائدة ومسؤولون أمميون ومدير تنفيذي سابق لمؤسسة غزة الإنسانية وموظفون سابقون في شركة يو جي سولوشنز-وجهوا جميعا اتهامات للمؤسسة بعدم العمل وفقا لهذه المبادئ الجوهرية. والحق أن بعض التقارير تبرز انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان من جانب مقاولي الأمن الداعمين لمؤسسة غزة الإنسانية.
وبالعمل من خلال تنسيق وثيق مع الجيش الإسرائيلي في مناطق عسكرية مغلقة ـ يتعرض فيها أي شيء متحرك للتدمير ـ انتهكت مؤسسة غزة الإنسانية المبادئ الإنسانية الأساسية بوضعها الفلسطينيين في طريق الأذى، وبتبنيها المنطق الإسرائيلي في ما يتعلق بالمساعدات، ويجمعها بيانات وجوه الفلسطينيين باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع أجهزة الدفاع والاستخبارات الإسرائيلية. ويتردد أن شركة يو جي سولوشنز قد وظفت العديد من مقاولي الأمن المرتبطين بعصابة راكبي دراجات نارية معادية للإسلام في الولايات المتحدة.
لقد قتلت إسرائيل أكثر من ألفي فلسطيني قرب المواقع، وبررت مؤسسة غزة الإنسانية هذا القتل بقولها إنه غير مرتبط بعملياتها في حين ألقت اللوم فيه على حماس. وليس هذا بحياد أو نزاهة، وإنما هو تعاون على حساب حياة المدنيين.
ولم تقدم المؤسسة أيضا العون اللازم للفلسطينيين. إذ استهدفت ثلاثمائة مليون «وجبة» في أول تسعين يوما لها، بما يعادل قرابة 1.6 وجبة للفرد في غزة. وبرغم عدم كفاية ذلك، فإن قولها إنها وزعت مائة وخمسة وثلاثين مليون وجبة بحلول الثالث والعشرين من أغسطس ـ أي في غضون تسعين يوما منذ بدء عملها ـ يشهد بالفشل. وليست المجاعة التي تجتاح غزة إلا نتيجة لكارثية هذه الآلية.
هذه عيوب أصيلة، ولا تختلف عن عيوب عمليات رصيف المساعدات التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أو استمرار استخدام الإنزال الجوي الخطير. فالمحاولة الأولى لم تأت بأي مستوى مؤثر من المساعدات للقطاع وأدت إلى إصابة العديد من الجنود الأمريكيين ومهدت الطريق لتجاهل أنظمة المساعدات المحايدة في غزة وتهميشها.
والمحاولة الأخيرة قتلت العديد من الفلسطينيين مع عجزها عن إحداث تأثير جدي في أزمة الجوع في غزة، التي تطورت إلى مجاعة في ظل مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من إدارة ترامب.
وفي نهاية المطاف، فإن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية السامة هي التي تستمر في دفع واشنطن إلى هذه السياسات. وعدم إدراك الطبقة السياسية لأن مصالح الولايات المتحدة ـ لا المصالح الإسرائيلية ـ هي التي يجب أن تقود السياسة الخارجية الأمريكية. ولقد جبنت الإدارات الأمريكية على مدى عقود فلم تدرك أن الخضوع لأهواء شريك صغير في صراع كان ينبغي أن ينتهي منذ أمد بعيد قد ورط أمريكا في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وشوه سمعتها وأهدر مواردها، وكل هذا لا يضاهي ما مر به الفلسطينيون ولا يزالون يعانون منه كل يوم.
يجب ألا تستثمر الولايات المتحدة أموال دافعي الضرائب في أي جهود تعجز عن تحقيق الهدف المستقر المتمثل في وقف إطلاق نار مستدام مضمون، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتحقيق سلام أوسع في غزة، ناهيكم بأي جهد يعزز مصالح دولة أخرى على حساب كل ما عداها بما في ذلك حياة الأبرياء. إن الحل الحقيقي هو الضغط على إسرائيل للامتثال لوقف إطلاق النار واحترام خطة النقاط العشرين. وحتى هذا النهج يقصر عما يلزم حقا من أجل إنهاء الصراع: وهو الانسحاب الإسرائيلي الفوري والشروع في إقامة دولة فلسطينية دونما شروط مسبقة.
وليس ترسيخ الخط الأصفر الحالي الذي يقسم بين المناطق الخاضعة لسيطرة حماس والمناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل في غزة إلا وصفة لحرب مستمرة، وليس هذا في صالح الولايات المتحدة. فهو سيعمق التورط في الشرق الأوسط، ويلهي واشنطن عن مشاغل كبيرة داخلية وفي مناطق أخرى من العالم. وأي قرار بتعميق المشاركة الأمريكية في غزة في دعم سافر لإسرائيل، وبخاصة حينما يناصر هذا الجهد سياسات فاشلة وغير مشروعة تقتل الأبرياء، لا ينم عن سلوك رئيس له اهتمام جدي بالسلام.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: مؤسسة غزة الإنسانیة الولایات المتحدة إطلاق النار فی غزة
إقرأ أيضاً:
وزير الخارجية يبحث مع نائب الرئيس الفلسطيني إعادة إعمار غزة
أجرى د. بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، يوم الخميس ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٥، اتصالاً هاتفياً مع حسين الشيخ نائب رئيس دولة فلسطين، في إطار التنسيق المستمر بشأن تطورات الأوضاع في قطاع غزة، والتصعيد المتزايد في الضفة الغربية.
وصرح السفير تميم خلاف المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية أن الوزير عبد العاطي أكد ثوابت الموقف المصري الداعية إلى أهمية تثبيت وقف إطلاق النار فى غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والعمل على إطلاق مسار سياسي قائم على المرجعيات الدولية ومبدأ حل الدولتين، وذلك تجسيداً لكافة ركائز ونتائج قمة شرم الشيخ للسلام.
وأضاف المتحدث الرسمى أن الجانبين تناولا اعتماد مجلس الأمن للقرار ٢٨٠٣ المتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، بما في ذلك دعم الترتيبات المطروحة إتصالاً بتدشين القوة الدولية للاستقرار، للقيام بدورها في مراقبة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتدفق المساعدات علي النحو المأمول، مؤكداً أن الترتيبات الأمنية يجب أن تتسم بالطابع المؤقت والانتقالي تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من ممارسة كافة أدوار الحوكمة والأمن، وفقاً لمبدأ الاتصال الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما أكد الوزير عبد العاطي خلال الاتصال علي أهمية مواصلة التنسيق بشأن المؤتمر الدولي للتعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية بقطاع غزة، وسبل حشد الدعم الإقليمي والدولي لضمان تنفيذ خطط إعادة الإعمار بكفاءة وفاعلية.
واتفق الجانبان على مواصلة التشاور الوثيق خلال الفترة المقبلة دعماً للحقوق الفلسطينية وجهود تحقيق السلام الدائم والعادل في الأراضي المحتلة.