الذكرى 57 لمحكمة الردة الأولى وتشكيل التحالف الديني العريض ضد الفهم الجديد الإسلام* (11-1)
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي
*الذكرى 57 لمحكمة الردة الأولى وتشكيل التحالف الديني العريض ضد الفهم الجديد الإسلام*
(11-1)
بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير
[email protected]
ختمت البروفيسور آمال قرامي تقديمها للطبعة الثانية التي ستصدر قريباً من كتاب: *الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف*، قائلة:
“يصدر المُؤلَف في فترة حرجة من تاريخ السودان استشرى فيها العنف وتفتت فيه النسيج الاجتماعي، وكثرت فيها الخيبات والمآسي وبرزت فيها علامات التراجع عن أهداف الثورة السودانية.
البروفيسور آمال قرامي
أستاذة الفكر الإسلامي والدراسات الجندرية بالجامعة التونسية، تونس
بتخطيط وتنسيق مسبق وبمؤامرة شارك فيها قطاع واسع ممن يسمون برجال الدين في الفضاء الإسلامي، والقضاة الشرعيين، وهيئة علماء السودان، وجماعة الإخوان المسلمين، وبعض رجال الطائفية والقادة السياسيين في السودان، ومشايخ جامعة أم درمان الإسلامية (السودان)، ومشايخ الأزهر (مصر)، كان انعقاد المحكمة المهزلة، محكمة الردة في مثل هذا اليوم، 18 نوفمبر من العام 1968. مثَّل انعقاد المحكمة وصدور حكمها الباطل، بداية المواجهة بين الفهم القديم للإسلام، و *الفهم الجديد للإسلام* كما طرحه المفكر محمود محمد طه. أتبع الأزهر شراكة مشايخه في مؤامرة المحكمة، بإصدار فتوى بكفر المفكر محمود محمد طه “الكفر الصراح”. كما لحق بالأزهر رابطة العالم الإسلامي حيث أفتى مجلسها التأسيسي وبالإجماع بردة محمود محمد طه عن الإسلام. يتكون المجلس التأسيسي للرابطة من ستين عضواً يمثلون مختلف دول العالم الإسلامي، وتتخذ الرابطة من المملكة العربية السعودية مقراً لها.
كانت محكمة الردة مؤامرة كبيرة، وراءها لحد كبير مصر الرسمية، ورجال الدين المصريين. وقد تحدث محمود محمد طه في مارس 1969، قائلاً: “نحن واثقون إنو مسألة محكمة الردة، مسألة سياسية وليست مسألة دينية. والمسألة السياسية وراها إلى حد كبير مصر. ونحن الحزب الجمهوري مواجهتنا لمصر بدأت مع الثورة المصرية، يعني سنة 1952 في 23 يوليو”. وفي رده على أحد السائلين في نفس المحاضرة عن دور مصر في محكمة الردة، أجاب محمود محمد طه، قائلاً: “بإيجاز الإجابة على الأخ عبدالله إنو طرف من كتاب الشرق الأوسط، رأينا في مشكلة الشرق الأوسط فيما يخص زعامة جمال للعرب هو السبب في محكمة الردة”. لقد فصلنا عن دور مصر الرسمية، ورجال الدين المصريين، ومشايخ الأزهر في محكمة الردة 1968، ضمن كتبنا المنشورة، ويمكن الرجوع لها. ولكن في هذه المساحة سنقف على قصة مؤامرة محكمة الردة، وكيف نُسجت خيوط المؤامرة؟ وقصة تشكيل المحكمة وانعقادها، في ظل نظام ديمقراطي تعددي. وسنقف كذلك على المسرحية الهزلية والهزيلة لسير المحاكمة، مع تسليط الضوء على تورط أعضاء مجلس السيادة السوداني، أوانئذ، في مؤامرة محكمة الردة. وسنقدم كذلك بعض النماذج التي تُعبر عن موقف الأكاديميا السودانية من محكمة الردة.
*قصة المحاضرة التي تصاعدت إلى مهزلة محكمة الردة*
“عنوان المحاضرة: (الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين)، عنوان مقصود بالذات، ولا يغني غيره غناءه.. وهو لم يقصد لغرابته، ولم يقصد ليثير الاهتمام، وإنما لأنه هو العنوان الدال على المحتوى الذي قيل تحته ونحن نعلم أن المحتوي الذي أنبنت عليه المحاضرة غريب.. غريب على الشريعة الاسلامية، ولكنه ليس غريبا على الاسلام وهو إنما لم يقل من قبل لأن وقته لم يجيء.. وإنما جاء الآن”.
محمود محمد طه، يناير 1969
يرجع سبب الأزمة التي تصاعدت إلى محكمة الردة التي عُقدت يوم 18 نوفمبر 1968، إلى عنوان محاضرة كان قد قدمها محمود محمد طه، رئيس الحزب الجمهوري. جاءت المحاضرة بعنوان: “الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين”، وقدمها في ثمانية أماكن، كان أولها جامعة الخرطوم يوم 7 سبتمبر 1968. ثم بعد بشهرين، وبالتحديد يوم 11 نوفمبر 1968، أُقيمت المحاضرة في معهد المعلمين العالي. ثم في دار الحزب الجمهوري، بالموردة يوم 14 نوفمبر 1968 ثم اقيمت بمعهد شمبات الزراعي، ثم بالكلية المهنية، ثم بالمعهد الفني (الداخليات(. ثم، في خلال أيام عقد الحزب الجمهوري لمؤتمره العام، الذي أنطلق يوم 23 ديسمبر 1968 واستمر لمدة اسبوع، تحت شعار “مهرجان الفكر السياسي”، بمناسبة عيد الفطر المبارك بمدني، أقيمت المحاضرة بدار الحزب الجمهوري، وأقيمت بنادي موظفي الأبحاث الزراعية بمدني. ثم نشر نص المحاضرة في كتاب بنفس عنوان المحاضرة وصدر في يناير 1969.
واجهت المحاضرة حملة تشويه واسعة من رجال الدين، فقد استغلوا عنوان المحاضرة في استعداء السلطات وحشد المعارضين وتنظيم حملة التشويه. أكتفوا بالعنوان الذي أساءوا فهمه، ثم أنهم لم يهتموا بمتن المحاضرة. فقد ورد في متن المحاضرة أن بعض الناس فهموا من عنوان المحاضرة أن الحزب الجمهوري يعتقد أن الدين لا يصلح لإنسانية القرن العشرين، وهذا غير صحيح. وقد أوضح محمود محمد طه، قائلاً: ليس هناك موجب أو عذر ليفهم الناس مثل هذا الفهم من هذا العنوان وإلا لكان العنوان مباشرة: “الإسلام لا يصلح لإنسانية القرن العشرين”، لكن عندما يقول الإنسان: “الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين”، فهذا يعني أن عنده اعتماد على الإسلام لكن لديه فهم خاص للإسلام. كما أن مجرد الكلمات تدل على أن الاسلام هو العمدة في هذه المحاضرة.
كذلك قامت بعض الصحف بحملة مثيرة ضد المحاضرة. وقد تحدث ذو النون جبارة الطيب (1918- 1974)، عضو الحزب الجمهوري، عن تلك الحملة، قائلاً: “انجرفت بعض الصحف مع التيار وراحت تعلق على عنوان المحاضرة تعليقات مثيرة ملهبة للمشاعر”. وتساءل ذو النون، قائلاً: كيف يستطيع أحد أن يزن عملاً ادبياً أو سياسياً أو دينياً من العنوان؟! وهل العنوان الذي أسيء فهم مدلوله يعطي ذلك التفسير الذي ذهبوا إليه؟ هل يمكن أن يفهم منه أن الإسلام لا يصلح لإنسانية القرن العشرين؟ وهل يمكن أن يقول به رجل أنفق أعوام شبابه في تجويد الفكرة الإسلامية وتمحيصها وتبويبها؟ كانت صحيفة الرأى العام، من أكثر الصحف التي أساءت فهم المحاضرة مع سوء نية.
نلتقي في الحلقة الثانية والتي ستتناول المحاور الآتية:
صحيفة الرأي العام وسوء الفهم وسوء النية
قاضي القضاة يخاطب رئيس وأعضاء مجلس السيادة بشأن إقامة المحاضرة
المحكمة الشرعية وديوان النائب العام
نسخ المؤامرة في ساحة مجلس السيادة السوداني
مجلس السيادة ونداء الأمين داود “إلى ولاة الأمر في السودان”، 1 أكتوبر 1968
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الطبعة الثانية كتاب يصدر قريبا
إقرأ أيضاً:
العربي الناصري بالمنيا يناقش مكتسبات ثورة 23 يوليو في مائدة مستديرة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
نظم الحزب العربي الديمقراطي الناصري بمحافظة المنيا، مساء اليوم، مائدة مستديرة نقاشية بمقر الحزب الرئيسي، لمناقشة مكتسبات ثورة 23 يوليو وأثرها في بناء الدولة المصرية، وذلك بمشاركة نخبة من الأكاديميين والقيادات الحزبية والمهتمين بالشأن العام.
ثورة 23 يوليو 1952 تمثل نقطة تحول في تاريخ مصروافتتح اللقاء علي عبد المنعم، الأمين العام للحزب بالمنيا، مؤكدًا أن ثورة 23 يوليو 1952 تمثل نقطة تحول في تاريخ مصر الحديث، بعدما نجحت في إنهاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية، وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وإقرار مجانية التعليم، وتنفيذ قانون الإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، إلى جانب دعم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي وأفريقيا، بما عزز من مكانة مصر الإقليمية والدولية.
وشهدت المائدة المستديرة محاضرتين للدكتور محمد البدري نبيه، أستاذ الجغرافيا، والدكتور إيهاب أحمد، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، حيث استعرضا الأبعاد التاريخية والجغرافية لثورة يوليو، وأبرز القرارات التي أسهمت في إعادة تشكيل الدولة المصرية، وانعكاساتها على مسيرة التنمية والاستقلال الوطني.
وأكد المشاركون أن مكتسبات ثورة يوليو لا تزال تمثل أحد أهم المحطات الوطنية في تاريخ مصر، مشددين على ضرورة تعزيز وعي الأجيال الجديدة بتاريخ وطنهم، والاستفادة من الدروس التي أرستها الثورة في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعية وبناء مؤسسات الدولة.
وجاءت الفعاليات بحضور الكاتب الصحفي جمال رمضان، والكاتب الصحفي جمال عبد المعز، وبهاء سري، الأمين المساعد لحزب الجيل الديمقراطي، وأسامة التوني، مستشار اللغة العربية، إلى جانب عدد من قيادات الحزب وأمناء اللجان النوعية، والناشطين السياسيين والناشطات، الذين شاركوا في حوار مفتوح حول أهم الدروس المستفادة من ثورة 23 يوليو ودورها في تشكيل الدولة المصرية الحديثة.
جدير بالذكر أن هذه المائدة المستديرة تأتي في إطار سلسلة من اللقاءات والندوات التثقيفية التي يعتزم تنظيمها الحزب بشكل مستمر، بهدف نشر الوعي الوطني والسياسي، وتعزيز الثقافة التاريخية لدى الشباب وأعضاء الحزب، وفتح حوارات جادة حول القضايا الوطنية والمحطات الفارقة في تاريخ الدولة المصرية، بما يسهم في ترسيخ قيم الانتماء والوعي العام.