تتكدس الخيام في أطراف مدينة الأُبَيِّض السودانية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من موجة سوء تغذية تضرب الصغار بلا رحمة، لتترك أجسادهم نحيلة كأعواد القش، وتضع أسرهم على حافة الانهيار.

وسط هذه المشاهد القاسية، يروي مراسل الجزيرة الطاهر المرضي معاناة الأسر التي وجدت نفسها محاصرة بين النزوح والجوع.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2ماذا تعرف عن مركز التنسيق المدني العسكري الأميركي؟list 2 of 2تعرف على تفاصيل توغل الاحتلال ببيت جن السورية وما سبقه من توغلاتend of list

ولا يحتاج المشاهد وقتا طويلا ليدرك حجم الكارثة، فالأمهات يفترشن الأرض بأطفالهن، والوجوه الشاحبة تتحدث ببلاغة عن أزمة تتفاقم كل يوم.

تجلس عائشة، الشابة النازحة من جنوب كردفان، على التراب وهي تضم طفليها التوأمين، وكأنها تحاول أن تحجب عنهما قسوة الواقع.

تقول بصوت يختلط فيه الإعياء بالأسى إن الرحلة من اللعوبة لم تنتهِ بنجاة أسرتها، بل قادتها إلى مخيم لا يجد فيه الصغار ما يسد الرمق، وتشدد على أن الطعام انقطع تماما، وأن "الظروف صعبة شديد"، لتختصر بكلماتها المتعثرة وجع آلاف الأمهات.

وعلى بعد كيلومترات من المخيم، تبدو صورة أخرى للكارثة داخل مستشفى الأبيض التخصصي للأطفال، حيث يغدو الحصول على سرير حلما صعبا، فـ5 أطفال يتقاسمون سريرا واحدا، وأنابيب التغذية الدقيقة تتدلى فوق رؤوسهم في محاولة لإبقائهم على قيد الحياة.

أي طعام يسد الرمق

وبالقرب من طفلة هزيلة تدعى أسماء، تجلس امرأة مسنة تتشبث بيد الصغيرة كما لو أنها تحاول تثبيت روح على وشك المغادرة، وتروي أن حاجتهم ليست غذاء خاصا، بل أي طعام بسيط يبقيهم واقفين.

تؤكد السيدة المسنة أن وجبة واحدة في اليوم قد تكون كل ما تحصل عليه الأسرة، بينما "الصغار ما بيتحملوا"، في إشارة إلى تدهور حال الأطفال خلال ساعات قليلة.

أسماء ليست حالة فريدة، فهي واحدة من أكثر من 45 ألف طفل وصلوا إلى المستشفى خلال الأشهر الماضية، نصفهم يعانون من سوء تغذية حاد.

الأرقام وحدها كفيلة بخلق صدمة، لكنها تصبح أشد وقعا حين يعلن الطاقم الطبي أن 24 طفلا قضوا هذا العام جوعا، في واحدة من أسوأ موجات سوء التغذية التي تضرب المنطقة.

إعلان

وتشرح الدكتورة سبأ عبد الباسط، مديرة حوادث الأطفال، أن كثيرا من الحالات تصل بورم غذائي يؤدي لاحقا إلى تقرحات خطيرة في الجلد، مشيرة إلى أن علاج هذه الحالات يحتاج إلى وقت طويل واستجابة ربما لا تتحقق دائما.

وفي عنابر المستشفى، يمضي الطاهر المرضي وسط الأسرة المتلاصقة ليختتم رحلته في ممر ضيق، واصفا تلك اللحظات القاسية التي لا يشبهها شيء في أيام النزوح، فـ"لا شيء أثقل من جوع طفل، ولا شيء أشد ألما من أم ترى الحياة تبتعد عن صغيرها".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات التقارير الإخبارية

إقرأ أيضاً:

ستة وثلاثون عامًا من الحلم والصمود

في الثاني والعشرين من مايو، لا يستحضر اليمنيون مجرد تاريخ سياسي عابر، بل يستدعون لحظة وطنية عظيمة اختزلت أحلام شعبٍ كامل ظل لعقود يتطلع إلى وطنٍ موحد، يجمع أبناءه تحت راية واحدة وهوية واحدة ومصير واحد.
إنها ذكرى قيام الوحدة اليمنية، الحدث الذي مثّل في وجدان اليمنيين انتصارًا للإرادة الوطنية على كل عوامل التشطير والانقسام.
ستة وثلاثون عامًا مرّت منذ إعلان الوحدة اليمنية عام 1990م، لكنها ما تزال حاضرة في ذاكرة الناس باعتبارها أعظم مشروع وطني في تاريخ اليمن الحديث.
فقد جاءت الوحدة ثمرة لنضال طويل وتضحيات جسيمة قدّمها أبناء اليمن شمالًا وجنوبًا، ممن آمنوا بأن اليمن لا يمكن أن يبقى ممزقًا بين حدود وحواجز صنعتها الظروف السياسية والصراعات الدولية.
لقد كانت الوحدة حلم الفلاح البسيط، والعامل، والطالب، والجندي، وكل يمني كان يرى في الانقسام جرحًا في جسد الوطن.
وحين تحقق الحلم، خرج اليمنيون إلى الشوارع بقلوبٍ مليئة بالفرح، مؤمنين أن المستقبل قد بدأ، وأن عهدًا جديدًا من الاستقرار والتنمية قد وُلد.
ورغم ما واجهته الوحدة خلال العقود الماضية من أزمات وحروب ومؤامرات ومحاولات تمزيق، إلا أنها بقيت راسخة في الوعي الشعبي كقضية وطنية لا يمكن التفريط بها.
فالوحدة بالنسبة لليمنيين ليست اتفاقًا سياسيًا مؤقتًا، بل قدر أمة وتاريخ شعب وروابط دم وجغرافيا وهوية مشتركة.
لقد حاولت قوى عديدة أن تضرب هذا المشروع الوطني الكبير، مستغلة الظروف الاقتصادية والسياسية والحروب التي عصفت بالبلاد، لكن اليمن ظل يثبت في كل مرحلة أن وحدته أقوى من المؤامرات، وأن أبناءه مهما اختلفوا فإنهم يعودون في النهاية إلى حقيقة واحدة: لا كرامة لليمن دون وحدته، ولا مستقبل له في ظل التمزق والانقسام.
وستظل الوحدة اليمنية راسخة وثابتة مهما حاولت قوى الارتزاق وأدوات العمالة تجزئة الوطن، أو أعانت الأعداء على تمزيق النسيج الوطني وضرب الهوية الجامعة للشعب اليمني.
فاليمن الذي صمد عبر قرون أمام الغزاة والمؤامرات، لن تنال منه مشاريع التشتيت والتفريق، لأن وحدة الشعب أقوى من كل رهانات الخارج، ولأن اليمنيين يدركون أن الانقسام لا يجلب سوى الضعف والخراب.
إن الحديث عن الوحدة اليوم لا يعني تجاهل التحديات أو إنكار الأخطاء، بل يستدعي مراجعة وطنية صادقة تعيد الاعتبار لقيم العدالة والشراكة والمواطنة المتساوية، فالوحدة الحقيقية لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما ببناء دولة عادلة يشعر فيها كل مواطن أن الوطن يتسع للجميع.
وفي الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، يبقى الأمل حاضرًا رغم الألم، وتبقى الوحدة حلمًا متجددًا في قلوب اليمنيين الذين أنهكتهم الحروب، لكنهم ما زالوا يؤمنون بأن اليمن قادر على النهوض من جديد، وأن هذا الوطن الذي صمد عبر التاريخ لن تكسره الأزمات مهما اشتدت.
ستظل الوحدة اليمنية عنوانًا للهوية الوطنية الجامعة، ورمزًا لصمود شعبٍ رفض أن تفرقه الجغرافيا أو تمزقه الصراعات.
وستبقى ذكرى الثاني والعشرين من مايو، محطة وطنية تذكّر الجميع بأن اليمن الكبير أقوى من كل الانقسامات، وأن الأوطان لا تُبنى إلا بالتلاحم والإرادة والإيمان بالمستقبل

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • ستة وثلاثون عامًا من الحلم والصمود
  • شمع العسل الأبيض.. كنز طبيعي قد يدعم صحة القلب ويحمي الأوعية الدموية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • تفاصيل إصابة 20 عاملًا زراعيًا باشتباه تسمم غذائي بسبب العنب
  • اشتباه تسمم غذائي .. إصابة 20 عاملًا زراعيًا بالمنيا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • منتخب الناشئين بالزي الأبيض أمام المغرب على "برونزية" أمم أفريقيا