رسالة عاجلة إلى كل من لديه سلطة في السودان

خالد أبو أحمد

الضباط والجنود في الجيش والاستخبارات والأمن والشرطة وتكوينات الحركة الإسلاموية ‏المتعددة..‏

توقّفوا عن التعذيب… قبل أن يدمرّكم عذاب الضمير

هذه ليست رسالة سياسية، ولا اصطفافًا مع جهة ضد أخرى‎.

إنها رسالة ضمير… رسالة إنسان إلى إنسان، قبل أن تكون رسالة كاتب إلى قرّائه‎.

لقد تفاقمت موجة الاعتقالات بلا سند من قانون في مختلف مدن السودان، تُوجَّه فيها تُهَمٌ باطلة ‏لا يستند إليها منطق ولا عدل، وارتفعت معها أساليب التنكيل والتعذيب حتى وصلت للأسف ‏إلى حالات وفاة تُدوِّن صفحة جديدة من الألم في تاريخ السودان..‏

يا إخوتي‎…‎

لقد رأى السودان ما يكفي من الدم والدموع والصرخات‎.

رأى رجالًا يُضربُون حتى الموت، ونساءً يُعذبن وتُهان كرامتهن داخل المكاتب المغلقة،  شبابًا ‏يعودون إلى بيوتهم أشباحًا تشبه الحياة ولا تعيشها‎.

ورأى عائلات تبكي أبناءها الذين ماتوا تحت التعذيب، ثم أُغلقت البلاغات رغمًا عنهم، وقُيّدت ‏الجريمة ضد “مجهول”… والمجهول يعرف نفسه‏‎.

أو يُصدر تقريرٌ آخر بأن المرحوم مات بسبب “الملاريا” أو “المضاعفات‎”!‎

أكتب لكم اليوم لأقول شيئًا واحدًا‎:‎

إن كل لحظة تعذيب مارستموها ستعود إليكم… في الليل، في العمر، في النهاية‎.‎

طال الزمان أو قصر‎.‎

تزداد حالات الوفيات داخل مكاتبكم ومراكزكم، وتزداد معها حالات التنكيل والسباب ‏والإهانات، وتتسع دائرة الاتهام الجاهز: “التعاون مع الميليشيات” لكل من اختلف معكم، ‏فيُمارَس عليه التخوين… ثم التعذيب حتى الموت‎.

السلطة معكم، والسلاح في أيديكم… لكنكم تنسون أن عند الله القوي العزيز تجتمع الخصوم‎.‎

إلى أين تفرّون يومها؟

قد يخرج المُعذَّب من السجن، لكن أنتم من سيبقون سُجناء الضمير‎.

وقد يقول قائدك: “اعمل شغلك”، ولكن عندما تتقاعد، عندما تكبر، عندما يُغلق الباب عليك في ‏غرفة صغيرة، عندما يختفي ضجيج السلطة والرتبة والسلاح‎…‎

سيجلس أمامك شخص واحد فقط‎:‎

ضميرك… ويا له من جلّاد‎.‎

هناك من يعيش الآن هذه الحقيقة‎.

ضباطٌ كانوا يتجبرون في بيوت الأشباح، ثم صاروا اليوم يطوفون على بيوت ضحاياهم ‏يطلبون السماح، مثل الضابط الذي يُقال إنه يبكي علنًا ويبحث عمن عذّبهم ليقول لهم: ‏‏”سامحوني”.‏‎

وآخر يعيش في قرية نائية، ينام فيستيقظ مذعورًا يصرخ‎:

‏”إنت منو؟ عاوز مني شنو”؟‎!‎

هذه ليست روايات… هذه حقائق سودانية‎.

يعرفها من عاش عهد تيهكم ومن فقد أبناءه في أقبية الأمن، ومن شاهد أجساد الشباب تُساق من ‏المعتقلات بلا روح‎.‎

يا إخوتي في القوات النظامية‎…‎

إن كان عليكم أن تحرسوا البلاد… فلا تُدمّروا أهلها‎.‎

وإن كان عليكم أن تبحثوا عن معلومة..فلا تبحثوا عنها في لحم البشر‎.‎

وإن كان عليكم أن تحافظوا على الأمن..فلا تجعلوا الخوف وسيلتكم‎.‎

الله سبحانه وتعالى حرّم الظلم على نفسه‎:

‏”يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا”.‏

لم يشرّع الله يومًا التعذيب،‎

ولا أذن بإذلال البشر،‎

ولا بارك يدًا تمتد لتضرب إنسانًا حتى يعترف بما لم يفعله.‏‎

ولا أجاز قهر معارض، أو إذلال فقير، أو مطاردة شاب لمجرّد أنه يختلف بالرأي‎.‎

التعذيب لا يحمي وطنًا‎…

بل يربّي وحشًا داخلك، سينهش قلبك لاحقًا عندما تتجرد من السلاح والسطوة‎.‎

أكتب لكم لعلّ كلمة تُسكن يدًا مرفوعة، أو تليّن قلبًا قاسيًا، أو توقظ إنسانًا كاد يختفي خلف الزي ‏العسكري والسلطة الأمنية..‏

أكتب لكم لأن السودان تعب‎…

تعب من الدم‎…

تعب من القيود‎…

تعب من الخوف الذي يسكن البلاد كلها‎.‎

أوقفوا تعذيب الناس لأن ما تفعلونه سيعود إليكم يومًا‎.

أوقفوه… لأن الله يراه‎.

أوقفوه… لأن الوطن لن يشفى ما لم تتوقف الأيدي التي تمزّقه‎.‎

وفي النهاية، لكم  قبل غيركم أن تختاروا‎:

أن تكونوا حرّاسًا للوطن.. أو جلّادين للتاريخ‎.‎

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‎.‎

‏28 نوفمبر 2025م

الوسومالأمن الاستخبارات الاعتقالات الجيش السلاح السلطة السودان الشرطة تكوينات الحركة الإسلاموية خالد أبو أحمد

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الأمن الاستخبارات الاعتقالات الجيش السلاح السلطة السودان الشرطة خالد أبو أحمد

إقرأ أيضاً:

رهاب العلمانية!

 

رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح

يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.

الوسومالخطر الحقيقي الخوف الشديد جنال عبدالرحيم صالح حالة ذهنية رهاب العلمانية

مقالات مشابهة

  • فرق توقيت!!
  • إقالة مسؤول أمني وإحالته للتحقيق إثر وفاة مواطن تحت التعذيب في أبين جنوبي اليمن
  • «نترحم عليها».. صلاح عبد الله يوجه رسالة مؤثرة بعد وفاة سهام جلال
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • رهاب العلمانية!
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • الفلاح: القيادة العامة الضامن لأمن المواطن وحماية الوطن
  • الطلاق في قانون الأسرة الجديد.. لمن منح المشرع سلطة إيقاعه؟