مشاهد من احتضان أهالي الشمال السوداني لنازحي الفاشر
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
الخرطوم- قال الفنان محمد النصري، الذي أطلق مبادرة "البلد بلدكم" لدعم نازحي الفاشر، للجزيرة نت، إن أحد جيرانه، عندما رأى تدافع الناس لإغاثة أهل الفاشر الذين وصلوا إلى منطقة الدبة، أبت نفسه إلا أن يُساهم معهم بما يستطيع، وعندما لم يجد في منزله ما يمكن أن يتبرع به، جاء وهو يحمل "موقد نار" ليصنع عليه الطعام للوافدين.
وتسابق أهل شمال السودان في توفير احتياجات النازحين بمعسكر أزهري المبارك بالعفاض في الدبة، إلى درجة أربكت القائمين على أمر التكايا في المعسكر، حسب إفادات نازحين أكدوا للجزيرة نت أنه لم تكن هناك حاجة لإشعال نيران التكايا لأيام، بسبب توفير المبادرات المجتمعية لما يحتاجون إليه من الطعام.
إغاثة وترحيب
وكشفت متابعات الجزيرة نت عن قصص إنسانية عكست تكافلا وتفاعلا مجتمعيا لافتا، إذ قطع شيخ سبعيني عشرات الكيلومترات رغم إعاقته الحركية، وهو يحمل تمورا للنازحين، في حين تبرّع أحد أصحاب الاحتياجات الخاصة بسريره لنازح من الفاشر، مؤثرا إياه على نفسه.
وقد قاد أطباء من المنطقة مبادرة لتقديم العلاج من داخل معسكر العفاض، ووفّر أصحاب مطاعم وكافتيريات بمدينة الدبة وجبات جاهزة للنازحين.
كما قاد حلاّقون بالمدينة مبادرة لقص شعر الأطفال في المعسكر، الذي تتواصل فيه المبادرات المجتمعية الهادفة إلى توفير احتياجاتهم الأساسية.
وقال موسى عبد العزيز، وهو نازح من الفاشر، للجزيرة نت، إن المبادرات المجتمعية مستمرة بصورة دورية، وأحيانا تُنظَّم 4 مبادرات في اليوم الواحد لتوفير الطعام في المعسكر، الذي يشهد تدفقا مستمرا للنازحين من الفاشر ومناطق أخرى.
وأفاد موسى، أن معسكر العفاض الذي يعمل به مشرفا يضم عددا من التكايا، لكنها لا تعمل أحيانا بسبب الطعام الجاهز القادم من أهل الولاية الشمالية، إذ أصبح الطعام متوفرا.
وأضاف "نحن سعداء وممتنون لتلقينا الدعم الذي وصلنا من كل المبادرين والخيّرين والمنظمات والمواطنين، الذين وقفوا على قلب رجل واحد، ووجدنا منهم كل الترحاب والتقبّل لأهلنا من الفاشر".
إعلانوقالت هويدا رمضان، وهي من المشرفات على التكايا في المعسكر، للجزيرة نت، إن المبادرات المجتمعية شكّلت إسنادا كبيرا للنازحين الذين تتزايد أعدادهم يوميا، وذلك عبر توفير الوجبات من فطور وغداء، بالتنسيق مع القائمين على التكايا، حيث يحصل كل النازحين المستهدفين على وجباتهم بانتظام.
وما حدث لأهل الفاشر وكل دارفور من مجازر وانتهاكات ومصائب، حرّك -وفق الفنان النصري- الجميع في كل أنحاء العالم، وكان لزاما علينا كإخوة وأبناء وطن واحد أن نبادر ونتحرّك بمسؤولية لتقديم ما يلزم وتوفير احتياجاتهم، حسب تعبيره.
وأفاد بأن دعم أهل الشمال لمبادرات مساندة أهالي الفاشر، أقنعهم أكثر أن هناك قيما وأشياء أساسية لم تندثر بعد، كوقوف الناس بعضهم مع بعض، مبينا أن من رسائل مبادرته أنها أثبتت لسكان الغرب عموما أن أبناء الشمال يعتبرونهم إخوتهم، وليسوا نازحين.
وعزا النصري، الذي توقّف عن الغناء منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، التفاعل الأخير، الذي وصفه بالمشرّف، مع أهل الفاشر من جميع القبائل والمبادرات، إلى التأثّر الشديد بما حدث لهم.
وأضاف أنه أعلن في وقت سابق عزمه العودة إلى الغناء بإقامة أول حفل في الفاشر بعد انتهاء الحرب، لتعزيز الروابط بين شمال السودان وغربه وأجزاء البلاد المختلفة، لكن تطورات الأحداث جعلت أهل الفاشر يأتون إليهم في الولاية الشمالية، فهبّوا لمساعدتهم وسط ترحيب كبير.
مع تزايد احتياجات النازحين بسبب ارتفاع أعدادهم.. مراسلة الجزيرة أسماء محمد ترصد إعداد الوجبات الغذائية لآلاف الأسر من أمام إحدى التكيات بمخيم العفاض في مدينة الدبة بالولاية الشمالية#الأخبار pic.twitter.com/wd1bJRtN1j
— قناة الجزيرة (@AJArabic) November 29, 2025
هبّة الكلورصدت الجزيرة نت سلسلة من المبادرات المجتمعية عقب الاستجابة الإنسانية العاجلة التي بادرت بها "قطر الخيرية" بتوفير الإيواء والغذاء لنازحي الفاشر بمنطقة الدبة، حيث أنشأت مخيم "قطر الخير" لإيوائهم، وتعتزم تنفيذ حزمة من التدخلات النوعية لتوفير حياة كريمة للنازحين.
وكشف الإعلامي الواثق عثمان، وهو أحد أبناء محلية الدبة المتابعين لأوضاع النازحين عن كثب، للجزيرة نت، أن أكثر من 70 قرية جاءت تحمل الطعام والملابس والأغطية والأواني المنزلية والتمور، حيث تصل إلى المعسكر يوميا من 3 إلى 4 قرى أحيانا، لتعلن تكفّلها بتوفير وجبات اليوم التالي.
وأشار الواثق، إلى أنه تم استقبال مبادرة من المناصير بولاية نهر النيل، ضمّت نحو 50 عربة، ومثلها عبر مبادرة أخرى من منطقة أمري، وهو ما فعلته قرية السليم في محلية دنقلا، ومناطق أخرى، جاءت محمّلة بالمواد الغذائية واحتياجات النازحين المختلفة.
ورأى مراقبون أن اختيار أهل الفاشر النزوح نحو منطقة الدبة بالولاية الشمالية، ومناطق سيطرة الجيش، رغم أن العديد من مناطق ومدن دارفور التي تُسيطر عليها قوات الدعم السريع كانت أقرب لهم، يُفنّد ويهزم كل الدعاوى والأصوات العنصرية التي تعالت في الفترة الماضية.
إعلانوقال الفنان النصري إن ميزة السودان تكمن في تنوّعه وتعدّد ألوانه، مشيرا إلى أن وقوف جميع أصحاب المبادرات لدعم أهل الفاشر الذين وصلوا إلى الولاية الشمالية، يحمل رسائل قوية لبعض من يغردون خارج سرب الوطنية الحقيقية، بالدعوة للانفصال، وبثّ العنصرية التي يروّج لها البعض لتحقيق مآرب شخصية.
وأعرب النصري عن يقينه بتعافي السودان، وطيّ صفحة الحرب، وإفشال مخططات التقسيم، عبر تعزيز قيم الإخاء والتكاتف والتعايش بين أبناء الوطن الواحد، منوّها إلى إحدى أغنياته الشهيرة المكتوبة باللهجة السودانية، والتي تبشّر بوطن عصيّ على الانقسام وتقول:
"بلدا موسّمة فد وسم
فوقا السمح مرسوم رسم
ما بتنقسم
وناسا بتتقاسم حلال اللقمة والروح والإسم
رغم الفواجع.. والمواجع.. تبتسم
كيف تنقسم؟!".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات المبادرات المجتمعیة للجزیرة نت أهل الفاشر فی المعسکر من الفاشر
إقرأ أيضاً:
بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
بنك الذهب أم بنك الحرب؟
قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
عمر سيد أحمد
مقدمةتداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.
هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.
أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني
المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.
القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.
2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر
البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.
هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.
بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.
3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين
المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.
4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل
السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.
في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.
5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة
حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:
من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.
ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًاأي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.
الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.
ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعيةالمقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.
1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني
لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:
إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.
2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي
يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة
| الجهة | الدور | الضمانة |
| مجلس إدارة مستقل | إدارة العمليات اليومية | تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر |
| البرلمان (لجنة مالية دائمة) | رقابة تشريعية ومساءلة سنوية | جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة |
| ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد | تدقيق مالي وتقني | تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا |
| هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) | تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع | تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة) |
| ممثلو المعدنين وحكومات الولايات | مقاعد تصويتية في الشركات الولائية | حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية |
نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.
4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان
لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:
تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية
تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًاقد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.
الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.
خاتمةمشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.
هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:[email protected]
يوليو 2026
الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح