الجزيرة:
2026-06-03@03:19:27 GMT

البابا في لبنان.. حدث روحي يفتح الباب لأسئلة سياسية

تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT

البابا في لبنان.. حدث روحي يفتح الباب لأسئلة سياسية

بيروت- على وقع الترقب والانتظار، تحولت الشوارع اللبنانية إلى لوحات رمزية، أعلام الفاتيكان ترفرف إلى جانب العلم اللبناني، وتعلوها صور البابا روبرت بريفوست (ليو الـ14) محاطة بكلمة "السلام" التي تختصر ما ينشده هذا البلد المنهك.

فالزيارة البابوية لا تأتي في توقيت عابر، بل في لحظة فارقة تشهد فيها البلاد توترا متصاعدا بفعل الغارات الإسرائيلية شبه اليومية على جنوب لبنان، وقلقا واسعا من احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة بعد عام على حرب خلفت جراحا عميقة في الأمن والاقتصاد والنسيج الاجتماعي.

من مطار رفيق الحريري الدولي، يبدأ البابا ليو الـ14، عصر غد الأحد، زيارته التاريخية التي تستمر حتى 2 ديسمبر/كانون الأول المقبل، وتتوزع بين لقاءات رسمية وإنسانية. وتشمل استقبالا رسميا في القصر الجمهوري من الرئيس العماد جوزيف عون، وقداسا حاشدا في وسط بيروت يُتوقع أن يشارك فيه أكثر من 120 ألف شخص، إضافة إلى وقفة صامتة في مرفأ بيروت للصلاة على أرواح ضحايا انفجار 4 أغسطس/آب 2020.

استعدادات

كما سيعقد البابا لقاءات بالمرجعيات الروحية من مختلف المذاهب، في رسالة دعوة للحوار والوحدة، وإحياء دور لبنان كمنصة للتلاقي والتفاهم بين الأديان.

من جانبها، كشفت اللجنة التنظيمية للزيارة عن تفاصيل الاستعدادات اللوجيستية والأمنية، مؤكدة أن 21 طلقة مدفعية ستُطلق عند وصول البابا، وأن أكثر من 1350 إعلاميا من داخل لبنان وخارجه سيتولون تغطية الحدث. كما دعت المشاركين في القداس إلى الحضور منذ ساعات الصباح الأولى لضمان التنظيم الأمثل.

وتأتي الزيارة في وقت يواجه فيه لبنان واحدة من أصعب مراحله على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويبحث فيه عن جرعة دعم معنوي.

في السياق، يقول الكاتب والصحفي أنطوان سعد للجزيرة نت، إن من المسلّم به أن الدول الفاشلة، أو تلك التي يكتنف مستقبلها الغموض، تتفادى الشخصيات الكبرى زيارتها، وفي مقدمتها بابا الكنيسة الكاثوليكية. ويستشهد بأن لبنان مرّ بمراحل سياسية مضطربة شهد خلالها انحسارا واضحا في زيارات القادة والشخصيات الدولية.

إعلان

وأوضح أن هذه الزيارة تأتي في لحظة تشكلت فيها رئاستا الجمهورية والحكومة ومجلس الوزراء، ما أرسل إشارة واضحة إلى الفاتيكان بأن لبنان، رغم أزماته، ليس دولة منهارة كما يروج بعضهم، بل دولة لا تزال قادرة على مواجهة التحديات الثقيلة التي تعترضها. ويضيف أنها تشكل دعما معنويا للحكم، وتمنح القوى الساعية إلى إعادة انتظام العمل السياسي جرعة إضافية من الثقة.

كما تحمل دلالات أخرى -وفقا له- أبرزها التأكيد أن لبنان لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة للاعتداءات أو لتجاذبات إقليمية ودولية، وأن الرسالة موجّهة إلى مختلف الأطراف لوقف محاولات الضغط والسيطرة ودفع البلاد نحو مسارات لا طاقة لها بها.

طابع استطلاعي

من جهته، يقول المحلل السياسي سركيس نعوم، إن زيارة البابا تُعد الأولى له إلى الشرق الأوسط، بعدما كانت تركيا محطته السابقة، مشيرا إلى أن لبنان يشكل اليوم مركز الثقل في جولته. ويضيف للجزيرة نت، أن اللبنانيين بكل طوائفهم يرحبون بها، لتعويلهم دائما على دور الفاتيكان في تثبيت السلام أو السعي إلى استعادته حين يتعثر.

ويرى أنها قد تحمل طابعا استطلاعيا أكثر منه عمليا، فـ"الفاتيكان في هذه اللحظة لا يبدو قادرا على اتخاذ خطوات مباشرة تجاه لبنان"، لكنه يعتبر أن البابا سيستمع إلى مختلف المكونات اللبنانية، ويتعرف إلى واقع البلاد وحجم التفاعل الشعبي معه، ويطلع على الملفات المرتبطة بالطوائف والقوى السياسية.

وحسب نعوم، يبدأ العمل الفعلي بعد عودة البابا إلى الفاتيكان، معتبرا أن الزيارة السريعة قد تبدو مفاجئة، لكنها تعبّر عن رغبة صادقة وحافز روحي أكثر مما تستند إلى قراءة سياسية دقيقة للوضع اللبناني.

زيارة البابا إلى لبنان تستمر حتى 2 ديسمبر/كانون الأول المقبل (الجزيرة)

وأكد أن للبابا والفاتيكان تأثيرا مهما، وأن الشبكة الواسعة للسفارات البابوية في العالم تمد روما بكم كبير من المعلومات الدقيقة، ما يجعلها على اطلاع دائم على تفاصيل الملفات، ومنها الملف اللبناني. متسائلا "هل يستطيع البابا التأثير في مواقف الدول الكبرى أو الإقليمية المنخرطة في النزاعات؟، وهل بإمكانه التدخل لوقف الحروب؟".

ويحتاج هذا الدور-وفق نعوم- إلى وقت طويل ولا يمكن للفاتيكان أن يضطلع به منفردا، بل يتطلب تعاونا مع القوى الكبرى في المنطقة والعالم، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، للمساهمة في أي مسار حل. ويوضح "العالم مثقل بالأزمات، ولبنان ليس سوى واحد منها".

وقال إن اللبنانيين يرحبون بزيارة البابا ويستبشرون بها، "ومن المؤكد أنه سيعود إلى روما بصورة أوضح عما يجري في البلاد". ويأمل أن يحظى هذا الملف باهتمام إضافي داخل الفاتيكان بما قد يفتح الباب لأفكار أو مبادرات مستقبلية، ويعتقد أن هذا المسار لا يزال طويلا.

"نعرب عن ترحيبنا الكامل وتقديرنا العالي لمقامكم وللزيارة التي خصصتم بها لبنان"

• رسالة حزب الله إلى حضرة الحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا لاوون الرابع عشر ⬇️#لبنان#البابا_لاوون pic.twitter.com/dgeiUwjyYB

— موقع العهد الإخباري (@AlahedAr) November 29, 2025

نقطة التقاء

من جهته، يقول المحلل السياسي يوسف دياب، إن زيارة البابا تحمل رمزية ودلالات سياسية وروحية في آن واحد، إذ تعيد التذكير بما وصفه البابا السابق يوحنا بولس الثاني بـ "لبنان الرسالة: لبنان العيش الواحد، هذا البلد الذي يختزن خصوصية لا نظير لها في الشرق، قائمة على التنوع والتعايش بين مختلف مكوّناته الدينية. 18 طائفة تتجاور داخل إطار واحد، كان من الممكن أن يبقى أكثر صلابة لولا عصف السياسة من حين إلى آخر".

إعلان

وأوضح للجزيرة نت، أنها تأتي لتأكيد هذا التنوع الفريد وترسيخ فكرة أن لبنان بوابة للمنطقة نحو العالم، ومنبر للرسالات السماوية والثقافة والعيش المشترك، خاصة بين المسلمين والمسيحيين، ضمن وحدة وطنية يفترض أن تبنى على تطوير المجتمعات لا دفعها إلى صراعات داخلية تستنزفها.

وأشار إلى أن توقيتها ليس تفصيلا، إذ تأتي والبلاد تمر بمرحلة مضطربة تزدحم بالتهديدات الإسرائيلية وبقلق داخلي متصاعد، وأكد أن كثيرا من اللبنانيين كانوا يتمنون بقاء البابا مدة أطول، عسى أن يحمل حضوره وزنا يردع شبح حرب جديدة. ويأمل أن تنعكس الزيارة إيجابا على الوضعين السياسي والأمني، سواء لجهة تهدئة الخلافات الداخلية أم إعادة ضبط العلاقة بإسرائيل ودول المنطقة.

ولفت دياب إلى أن الزيارة مثلت نقطة التقاء نادرة بين اللبنانيين بجميع طوائفهم وأحزابهم، إذ توحدوا على تنظيم استقبال يليق بالبابا، في ظل تحسن ملحوظ في العلاقات الإسلامية المسيحية، يراها في أفضل حالاتها منذ عام 2005، مع تقاطع غير مسبوق في المصالح لبناء وطن واحد، "وطن الرسالة والعيش المشترك والدولة الحامية لجميع أبنائها على قدم المساواة في الحقوق والواجبات".

ويعتقد أن لهذا الحدث أثرا مهما في المرحلة المقبلة. ويأمل أن تبدد الزيارة أي قلق أو ضبابية في العلاقات بين اللبنانيين عموما وأن تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ البلاد.

 

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات أن لبنان

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • لبنان: 5 شهداء جراء غارات إسرائيلية جنوب البلاد
  • جوارديولا يغلق الباب أمام الدوري السعودي ويتمسك بمواصلة مشواره الأوروبي
  • لبنان.. 4 شهداء بغارات صهيونية على بلدتين في صور جنوبي البلاد
  • رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة لن تكون موضع مساومة
  • الحج: حجز موعد زيارة الروضة يسهِم بتنظيم الزيارة وأدائها بطمأنينة  
  • أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة”
  • 4 شهداء و127 مصابا باستهداف إسرائيلي لمحيط مستشفى بصور جنوبي لبنان
  • متحدثة برنامج الأغذية العالمي في لبنان: لبنان يعاني أزمة أمن غذائي كبرى
  • لماذا لم تحصل بكركي على جواب من الفاتيكان في هذا الموضوع؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش