منذ فترة تمتد للسنوات العشر الماضية تقريبا وأنا أشعر بأن ثمة حائل يحول بيني وبين اللغة الإنجليزية. لعله نوع من الرفض الباطني لتناقضات الثقافة الأنجلوفونية، أو هذه الفجوة الكبيرة بين الشعارات الإنسانية وبين الممارسات اللاإنسانية على الأرض التي تجلت على مدى العقد الماضي بشكل لافت.

وبالتالي يبدو لي أن اللغة قد وقفت حائلًا بيني وبين بعض الكتاب والكاتبات من أبناء الثقافة العربية الذين يفضلون الكتابة باللغة الإنجليزية؛ اللغة الأكثر انتشارًا وقراءة في ربوع العالم.

مع التأكيد على أن هذه اللغة هي اللغة التي يتاح فيها كذلك الكثير من المعرفة التي لا تتوفر في ثقافتنا العربية.

لهذا سعدت كثيرًا بصدور كتاب "جسد خارج الجسد" للدكتورة شهد الشمَّري، أستاذ الأدب الإنجليزي في الكويت، مترجمًا للعربية، بترجمة هبى العكام، عن دار عرب للنشر والترجمة العمانية.

تمنح المؤلفة كتابها عنوانًا فرعيًّا يقدم توضيحًا لطبيعة ما يتناوله كتابها بوصفه "نبش في الإعاقة والتمثيل الثقافي". أي مناقشة الكيفية التي تتعامل بها ثقافتنا العربية مع الإعاقة الجسدية وما فرضته هذه المعاملة من سلوكيات وانطباعات ذهنية تتعارض في جوهرها مع مفاهيم المساواة والحقوق الطبيعية للإنسان.

إعاقة مستترة

وهي لا تتوقف عند نماذج الإعاقة الواضحة مثل فقدان البصر أو ألوان الإعاقات الجسدية المتباينة، أو بعض أعراض أمراض لها أصل نفسي مثل داء الصرع مثلا، بل تمتد إلى أصحاب الإعاقات المستترة. الذين يعانون من إعاقات تؤثر على حركتهم وتصيب أجسادهم بالألم من دون أن تكون جلية للآخرين. مثل حالات التصلب العضلي المختلفة، على سبيل المثال.

ولتوضيح طبيعة اهتمامها بالموضوع أقتطف من الكتاب هذه الفقرة التي تقول فيها:

"لا يزال الأساتذة والطلاب يسألونني: «ماذا تقصدين بأنك باحثة في دراسات الإعاقة؟ ألستِ أستاذةً في الأدب؟». بصفتي أستاذة في الأدب، أدرس كيف تُقدَّم الإعاقة والمرض في القصص ووسائل الإعلام، وكيف يمكننا استخدام الأدب لفهم تصوّرات المجتمع تجاه المرض والإعاقة".

وهذه فقرة كاشفة لما سيتناوله الكتاب من أمثلة أدبية بما في ذلك الدراما والأفلام، باعتبارها تقدم أمثلة توضح طبيعة التناول السلبي لمن يعانون من الإعاقات المختلفة، لتأكيد فكرة رئيسة تتبناها في الكتاب حول قدرة المجتمعات العربية على فهم الإعاقة.

تقول: "إننا لا نملك فهما كافيًا للإعاقة في جوهرها، وما زلنا نختلف حول ما يُعدّ «إعاقة». في حقيقة الأمر، أو بقدر ما يمكننا أن ندعي معرفة أي «حقيقة»، فإن دراسات الإعاقة مجال شامل ومتعدّد التخصصات. إذ كل ما يتعلق بدراسات الإعاقة نقديّ. فهي حيّز جديد، يزعزع الحدود بين التخصصات ويتخطاها. ودراسات الإعاقة تتقاطع دائما مع العرق، والنوع الاجتماعي، والجنس، والطبقة".

إعاقتي التي لا مفر منها

ثم تحيل الدكتورة الشمري القارئ إلى المنهج النقدي الذي وجدت فيه بغيتها لكي تتمكن من دراسة سرديات الإعاقة والمرض:

"تكون تدريبي في الأساس من النظرية الأدبية والسرد، وبحكم خلفيتي الأدبية غامرت بالتخصص في دراسات الإعاقة وسرديات المرض. وجدت أن الجزء «النقدي» من دراسات الإعاقة بالنسبة إلي على الأقل، يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تكويني كناقدة أدبية".

ثم توضح للقراء الجانب الذاتي الذي كان بين دوافع اهتمامها بهذا النوع من الدراسات ممثلا فيما تصفه بـ"إعاقتي"، تقول:

"فدراسات الإعاقة تشكّل جزءًا لا يتجزأ من جميع التخصصات. وبقدر ما قد نرغب في التهرّب منها أو التقليل من شأنها، فإن المرض والإعاقة يشكلان جزءًا لا مفرّ منه في حياتنا. فنحن جميعا كائنات هشة. اسمحوا لي أن أعترف بأن شغفي بسرديات المرض، كما هي الحال مع أي علاقة حبّ أدبية، بدأ حين كنتُ أعاني من إعاقتي".

ولعل فكرة استخدام المؤلفة لمفردة "إعاقتي" قد تحتاج إلى شرح، طالما أنها تفضلت به على صفحات الكتاب، على الرغم من أنها إعاقة غير ظاهرة للناس أو لمن يتعاملون معها، ولعل هذا هو مفتاح مفصلي لفكرة الكتاب لأنه يتناول الإعاقة وأيضا يقدم تجربة شديدة الحيوية في التعامل معه بمنتهي الإيجابية.

ففي أحد فصول الكتاب الذي عنونته باسم "الأدب أنقذ حياتي" تشرح أنها تعلمت القراءة في عمر السادسة، وأن الجملة التي ساعدتها أمها في صياغتها هي «أستطيع القراءة!». شعرتُ حينها بالثقة والتمكن. ولكن:

"وبعد عشر سنوات، استيقظتُ ذات صباح وقد فقدت النظر بإحدى عيني. لم أستطع الرؤية لمدة أسبوع، وكانوا في المدرسة ينادونني الفتاة العمياء». أدركتُ حينها كيف يصم الناس بعضهم بعضا بالألقاب، ويُصنفون بعضهم بعضا، ويرفضون كل ما يبدو مختلفًا. ولما بلغت الثامنة عشرة، شخصتُ بالإصابة بالتصلب المتعدّد (التصلب اللويحي) وهو مرض عصبي يمكن أن يؤثر في أي جزء من الجسم؛ قد تستيقظ يومًا وقد فقدت بصرك، وفي اليوم التالي تجد أنك قد أصبت بالشلل، ومع ذلك فليس كل المصابين بالتصلب المتعدد يستخدمون الكراسي المتحركة. قال طبيبي لوالدي إنه سينتهي بي المطاف على كرسي متحرك، وإنه لا جدوى من متابعة تعليمي العالي. لكن لأنّي شعرتُ بقنبلة موقوتة تتربص بي، وبظل خسارة يلوح من ورائي، قرّرتُ أن أضاعف خُطاي: انطلقت بأقصى سرعتي، وأدركتُ أني أريد تدريس الأدب. بقدر ما يبدو هذا مبتذلا، فإننا أحيانا نتخلى عن أحلامنا أو نضعها جانبًا، لكن حين تُهدَّد الأحلام، وحين تشعر أن الخسارة حتميّة، يكون أمامك خياران: إما أن تستسلم، وإما أن تكافح أكثر من أي وقت مضى. مرّت بي أيام كنتُ أعاني فيها وأنا أكتب مقالاتي، وكما تعلمون، يحتاج طلاب الأدب إلى أيديهم للكتابة؛ نحن نكتب ونكتب. كان علي أن أتعلم طرائق مختلفة للإمساك بالقلم، وإدارة امتحاناتي، مع محاولة الحفاظ على رباطة جأشي. لم تكن مهمة سهلة".

أن تكون مريضًا

ولكن الكتاب الذي تبدو أن الخبرة الذاتية بين دوافع كتابته، يمتد لتأمل سرديات المرض بشكل عام في تاريخ الأدب، حيث تتأمل المؤلفة النصوص التي تناولت فكرة المرض سرديًا على ندرتها، من مثل فيرجينيا وولف مثلا، فقد كان مقال فرجينيا وولف (Virginia Woolf) "أن تكون مريضًا" في العام ١٩٢٦ أوّل مقال منشور يُكرّس لتمثيل المرض في الأدب الإنجليزي. وتقتبس منه:

"إذا فكرنا في مدى شيوع المرض، ومدى التغيير الروحي الهائل الذي يجلبه، ومدى الدهشة حين تحبو أضواء الصحة وتنكشف لنا بلدان لم تكن مكتشفة.. يصبح غريباً فعلا أن المرض لم يجد مكانه بين الموضوعات الرئيسة للأدب، مثل الحب والحرب والغيرة..فالإنجليزية، التي تستطيع التعبير عن أفكار هاملت ومأساة لير، لا تملك كلمات تعبر عن القشعريرة والصداع".

وعلى امتداد صفحات الكتاب تمزج المؤلفة خبراتها الشخصية كباحثة، ثم كأستاذة جامعة، "تتعلم من طلابها" كما تشير في أكثر من موضع، كما تتأمل علاقتها بأمها ودورها المؤثر في حبها للقراءة، كما سلفت الإشارة، على طبيعة علاقتها بجدتها؛ الفلسطينية الأصل، حيث تستدعي ذكرياتها عنها كامرأة ترى أن الحروب، تؤثر على الجسد، وتتبع مراحل من حياتها حتى وفاتها متأثرة بمرض السرطان.

تخصص الكاتبة فصلا عن تناول الدراما الكويتية لفكرة الإعاقة المرضية أو النفسية مثل خالتي قماشة، رقية وسبيكة، وعلى الدنيا السلام. وتسلط الضوء على التناول المجتمعي السلبي للمرض النفسي، وترى أنه رغم مرور ما يزيد عن 50 عاما على عرض المسلسل لم يتم مراجعة الظواهر الاجتماعية التي تتمثل في الكيفية التي يتعامل بها المجتمع مع أصحاب الإعاقات.

وتلفت الانتباه إلى معاناة أصحاب الإعاقة وتتحدث عنهم بضمير المتكلم:

فنحن ننكر الألم : ومَن نكون. وخجلنا يدعم كل أشكال القمع ويشجعنا على البقاء مختبئين وصامتين. ونحن أيضًا نخشى إزعاج الآخرين والتسبب فى إقلاق راحتهم (في أى شكل من الأشكال). وهكذا يصبح المرض محرجًا ومخجلا ومزعجًا ليس فقط لنا بل أيضًا للمحيطين بنا - كما لو أننا لم نكن نعاني في التعامل مع ذواتنا، فانتهى بنا الأمر إلى محاولة إرضاء الآخرين للتعويض عن النقص الوهمي الذي نشعر به. وهذا لا ينطبق فقط على التصلب العصبي اللويحى بل على أي نقص جسدي أو عاطفي، حقيقيا كان أم متخيلا، نشعر أننا في حاجة إلى إنكاره لنشعر بأننا مقبولون ومحبوبون لا أكثر.

وعبر صفحات كتابها المهم تقدم الدكتورة شهد الشمري الدعوة لدور النشر لأن تقدّم الدعم للكتاب من ذوي الإعاقة، وأن تمنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم.

وتوسع دائرة الدعوة على هذا الاهتمام ليشمل كُتّاب الأعمال المتلفزة والمسرحيات ومخرجي الأفلام وكتاب السيناريو لكي يخصصوا مساحة أكبر لسرديات المرض والقصص التي تتحدث عن الجسد وتجاربنا مع الجسد. مؤكدة على أننا في حاجة إلى نهج أكثر واقعية في سرد هذه القصص، ولسنا في حاجة إلى الاستمرار في تخويف الناس، وإبقاء نظرتهم إلى الإعاقة والمرض بأنهما عقاب أو اختبار من الله. لا يمكننا الاستمرار في عدهما درسًا أو عقابًا أو نعمة كبرى يجب على المرء أن يتقبلها. إذ يوجد طرفان متناقضان هنا من ناحية، لا يمكننا أن ننظر إلى الشخص ذي الإعاقة بأنه شخص مثالي ولا نسمح له بالتعبير عن المشاعر الإنسانية كالسلبية والحزن، ونطالبه بأن يكون دائما شاكرا وممتنا. ومن ناحية أخرى، لا يمكننا الاستمرار في رؤية الإعاقة كمأساة وعقاب.

كتاب مهم وإضافة لجانب مسكوت عنه في الدراسات النقدية والأعمال الأدبية يمكن أن يكون سببا لإلهام المهتمين في إتاحة الفرصة لمنح الجسد صوتا أدبيا يمكنه أن يعبر عن المسكوت عنه، وبالتالي عن الهشاشة المشتركة بين صاحب الألم وبين المجتمع الذي لا ينصت لألم الآخر.

منذ فترة تمتد للسنوات العشر الماضية تقريبا وأنا أشعر بأن ثمة حائلا يحول بيني وبين اللغة الإنجليزية. لعله نوع من الرفض الباطني لتناقضات الثقافة الأنجلوفونية، أو هذه الفجوة الكبيرة بين الشعارات الإنسانية وبين الممارسات اللاإنسانية على الأرض التي تجلت على مدى العقد الماضي بشكل لافت. 

وبالتالي يبدو لي أن اللغة قد وقفت حائلًا بيني وبين بعض الكتاب والكاتبات من أبناء الثقافة العربية الذين يفضلون الكتابة باللغة الإنجليزية؛ اللغة الأكثر انتشارًا وقراءة في ربوع العالم. مع التأكيد على أن هذه اللغة هي اللغة التي يتاح فيها كذلك الكثير من المعرفة التي لا تتوفر في ثقافتنا العربية. 

لهذا سعدت كثيرًا بصدور كتاب «جسد خارج الجسد» للدكتورة شهد الشمري، أستاذ الأدب الإنجليزي في الكويت، مترجمًا للعربية، بترجمة هبى العكام، عن دار عرب للنشر والترجمة العُمانية. 

تمنح المؤلفة كتابها عنوانًا فرعيًّا يقدم توضيحًا لطبيعة ما يتناوله كتابها بوصفه «نبش في الإعاقة والتمثيل الثقافي». أي مناقشة الكيفية التي تتعامل بها ثقافتنا العربية مع الإعاقة الجسدية وما فرضته هذه المعاملة من سلوكيات وانطباعات ذهنية تتعارض في جوهرها مع مفاهيم المساواة والحقوق الطبيعية للإنسان. 

إعاقة مستترة 

وهي لا تتوقف عند نماذج الإعاقة الواضحة مثل فقدان البصر أو ألوان الإعاقات الجسدية المتباينة، أو بعض أعراض أمراض لها أصل نفسي مثل داء الصرع مثلا، بل تمتد إلى أصحاب الإعاقات المستترة. الذين يعانون من إعاقات تؤثر على حركتهم وتصيب أجسادهم بالألم من دون أن تكون جلية للآخرين. مثل حالات التصلب العضلي المختلفة، على سبيل المثال. 

ولتوضيح طبيعة اهتمامها بالموضوع أقتطف من الكتاب هذه الفقرة التي تقول فيها: 

«لا يزال الأساتذة والطلاب يسألونني: «ماذا تقصدين بأنك باحثة في دراسات الإعاقة؟ ألستِ أستاذةً في الأدب؟». بصفتي أستاذة في الأدب، أدرس كيف تُقدَّم الإعاقة والمرض في القصص ووسائل الإعلام، وكيف يمكننا استخدام الأدب لفهم تصوّرات المجتمع تجاه المرض والإعاقة». 

وهذه فقرة كاشفة لما سيتناوله الكتاب من أمثلة أدبية بما في ذلك الدراما والأفلام، باعتبارها تقدم أمثلة توضح طبيعة التناول السلبي لمن يعانون من الإعاقات المختلفة، لتأكيد فكرة رئيسة تتبناها في الكتاب حول قدرة المجتمعات العربية على فهم الإعاقة. 

تقول: «إننا لا نملك فهما كافيًا للإعاقة في جوهرها، وما زلنا نختلف حول ما يُعدّ «إعاقة». في حقيقة الأمر، أو بقدر ما يمكننا أن ندعي معرفة أي «حقيقة»، فإن دراسات الإعاقة مجال شامل ومتعدّد التخصصات. إذ كل ما يتعلق بدراسات الإعاقة نقديّ. فهي حيّز جديد، يزعزع الحدود بين التخصصات ويتخطاها. ودراسات الإعاقة تتقاطع دائما مع العرق، والنوع الاجتماعي، والجنس، والطبقة». 

إعاقتي التي لا مفر منها 

ثم تحيل الدكتورة الشمري القارئ إلى المنهج النقدي الذي وجدت فيه بغيتها لكي تتمكن من دراسة سرديات الإعاقة والمرض: 

«تكون تدريبي في الأساس من النظرية الأدبية والسرد، وبحكم خلفيتي الأدبية غامرت بالتخصص في دراسات الإعاقة وسرديات المرض. وجدت أن الجزء «النقدي» من دراسات الإعاقة بالنسبة إلي على الأقل، يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تكويني كناقدة أدبية». 

ثم توضح للقراء الجانب الذاتي الذي كان بين دوافع اهتمامها بهذا النوع من الدراسات ممثلا فيما تصفه بـ«إعاقتي»، تقول: 

«فدراسات الإعاقة تشكّل جزءًا لا يتجزأ من جميع التخصصات. وبقدر ما قد نرغب في التهرّب منها أو التقليل من شأنها، فإن المرض والإعاقة يشكلان جزءًا لا مفرّ منه في حياتنا. فنحن جميعا كائنات هشة. اسمحوا لي أن أعترف بأن شغفي بسرديات المرض، كما هي الحال مع أي علاقة حبّ أدبية، بدأ حين كنتُ أعاني من إعاقتي». 

ولعل فكرة استخدام المؤلفة لمفردة «إعاقتي» قد تحتاج إلى شرح، طالما أنها تفضلت به على صفحات الكتاب، على الرغم من أنها إعاقة غير ظاهرة للناس أو لمن يتعاملون معها، ولعل هذا هو مفتاح مفصلي لفكرة الكتاب لأنه يتناول الإعاقة وأيضا يقدم تجربة شديدة الحيوية في التعامل معه بمنتهى الإيجابية. 

ففي أحد فصول الكتاب الذي عنونته باسم «الأدب أنقذ حياتي» تشرح أنها تعلمت القراءة في عمر السادسة، وأن الجملة التي ساعدتها أمها في صياغتها هي «أستطيع القراءة!». شعرتُ حينها بالثقة والتمكن. ولكن: 

«وبعد عشر سنوات، استيقظتُ ذات صباح وقد فقدت النظر بإحدى عيني. لم أستطع الرؤية لمدة أسبوع، وكانوا في المدرسة ينادونني الفتاة العمياء». أدركتُ حينها كيف يصم الناس بعضهم بعضا بالألقاب، ويُصنفون بعضهم بعضا، ويرفضون كل ما يبدو مختلفًا. ولما بلغت الثامنة عشرة، شخصتُ بالإصابة بالتصلب المتعدّد (التصلب اللويحي) وهو مرض عصبي يمكن أن يؤثر في أي جزء من الجسم؛ قد تستيقظ يومًا وقد فقدت بصرك، وفي اليوم التالي تجد أنك قد أصبت بالشلل، ومع ذلك فليس كل المصابين بالتصلب المتعدد يستخدمون الكراسي المتحركة. قال طبيبي لوالدي إنه سينتهي بي المطاف على كرسي متحرك، وإنه لا جدوى من متابعة تعليمي العالي. لكن لأنّي شعرتُ بقنبلة موقوتة تتربص بي، وبظل خسارة يلوح من ورائي، قرّرتُ أن أضاعف خُطاي: انطلقت بأقصى سرعتي، وأدركتُ أني أريد تدريس الأدب. بقدر ما يبدو هذا مبتذلا، فإننا أحيانا نتخلى عن أحلامنا أو نضعها جانبًا، لكن حين تُهدَّد الأحلام، وحين تشعر أن الخسارة حتميّة، يكون أمامك خياران: إما أن تستسلم، وإما أن تكافح أكثر من أي وقت مضى. مرّت بي أيام كنتُ أعاني فيها وأنا أكتب مقالاتي، وكما تعلمون، يحتاج طلاب الأدب إلى أيديهم للكتابة؛ نحن نكتب ونكتب. كان علي أن أتعلم طرائق مختلفة للإمساك بالقلم، وإدارة امتحاناتي، مع محاولة الحفاظ على رباطة جأشي. لم تكن مهمة سهلة». 

أن تكون مريضًا 

ولكن الكتاب الذي تبدو أن الخبرة الذاتية بين دوافع كتابته، يمتد لتأمل سرديات المرض بشكل عام في تاريخ الأدب، حيث تتأمل المؤلفة النصوص التي تناولت فكرة المرض سرديًا على ندرتها، من مثل فيرجينيا وولف مثلا، فقد كان مقال فرجينيا وولف (Virginia Woolf) «أن تكون مريضًا» في عام ١٩٢٦ أوّل مقال منشور يُكرّس لتمثيل المرض في الأدب الإنجليزي. وتقتبس منه: 

«إذا فكرنا في مدى شيوع المرض، ومدى التغيير الروحي الهائل الذي يجلبه، ومدى الدهشة حين تحبو أضواء الصحة وتنكشف لنا بلدان لم تكن مكتشفة.. يصبح غريباً فعلا أن المرض لم يجد مكانه بين الموضوعات الرئيسة للأدب، مثل الحب والحرب والغيرة..فالإنجليزية، التي تستطيع التعبير عن أفكار هاملت ومأساة لير، لا تملك كلمات تعبر عن القشعريرة والصداع». 

وعلى امتداد صفحات الكتاب تمزج المؤلفة خبراتها الشخصية كباحثة، ثم كأستاذة جامعة، «تتعلم من طلابها» كما تشير في أكثر من موضع، كما تتأمل علاقتها بأمها ودورها المؤثر في حبها للقراءة، كما سلفت الإشارة، على طبيعة علاقتها بجدتها؛ الفلسطينية الأصل، حيث تستدعي ذكرياتها عنها كامرأة ترى أن الحروب، تؤثر على الجسد، وتتبع مراحل من حياتها حتى وفاتها متأثرة بمرض السرطان. 

تخصص الكاتبة فصلا عن تناول الدراما الكويتية لفكرة الإعاقة المرضية أو النفسية مثل خالتي قماشة، رقية وسبيكة، وعلى الدنيا السلام. وتسلط الضوء على التناول المجتمعي السلبي للمرض النفسي، وترى أنه رغم مرور ما يزيد على 50 عاما على عرض المسلسل لم تتم مراجعة الظواهر الاجتماعية التي تتمثل في الكيفية التي يتعامل معها المجتمع مع أصحاب الإعاقات. 

وتلفت الانتباه إلى معاناة أصحاب الإعاقة وتتحدث عنهم بضمير المتكلم: 

فنحن ننكر الألم : ومَن نكون. وخجلنا يدعم كل أشكال القمع ويشجعنا على البقاء مختبئين وصامتين. ونحن أيضًا نخشى إزعاج الآخرين والتسبب في إقلاق راحتهم (في أي شكل من الأشكال). وهكذا يصبح المرض محرجًا ومخجلا ومزعجًا ليس فقط لنا بل أيضًا للمحيطين بنا -كما لو أننا لم نكن نعاني في التعامل مع ذواتنا، فانتهى بنا الأمر إلى محاولة إرضاء الآخرين للتعويض عن النقص الوهمي الذي نشعر به. وهذا لا ينطبق فقط على التصلب العصبي اللويحي بل على أي نقص جسدي أو عاطفي، حقيقيا كان أم متخيلا، نشعر أننا في حاجة إلى إنكاره لنشعر بأننا مقبولون ومحبوبون لا أكثر. 

وعبر صفحات كتابها المهم تقدم الدكتورة شهد الشمري الدعوة لدور النشر لأن تقدّم الدعم للكتاب من ذوي الإعاقة، وأن تمنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم. 

وتوسع دائرة الدعوة على هذا الاهتمام ليشمل كُتّاب الأعمال المتلفزة والمسرحيات ومخرجي الأفلام وكتاب السيناريو لكي يخصصوا مساحة أكبر لسرديات المرض والقصص التي تتحدث عن الجسد وتجاربنا مع الجسد. مؤكدة على أننا في حاجة إلى نهج أكثر واقعية في سرد هذه القصص، ولسنا في حاجة إلى الاستمرار في تخويف الناس، وإبقاء نظرتهم إلى الإعاقة والمرض بأنهما عقاب أو اختبار من الله. لا يمكننا الاستمرار في عدهما درسًا أو عقابًا أو نعمة كبرى يجب على المرء أن يتقبلها. إذ يوجد طرفان متناقضان هنا من ناحية، لا يمكننا أن ننظر إلى الشخص ذي الإعاقة بأنه شخص مثالي ولا نسمح له بالتعبير عن المشاعر الإنسانية كالسلبية والحزن، ونطالبه بأن يكون دائما شاكرا وممتنا. ومن ناحية أخرى، لا يمكننا الاستمرار في رؤية الإعاقة كمأساة وعقاب. 

كتاب مهم وإضافة لجانب مسكوت عنه في الدراسات النقدية والأعمال الأدبية يمكن أن يكون سببا لإلهام المهتمين في إتاحة الفرصة لمنح الجسد صوتا أدبيا يمكنه أن يعبر عن المسكوت عنه، وبالتالي عن الهشاشة المشتركة بين صاحب الألم وبين المجتمع الذي لا ينصت لألم الآخر. 

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: لا یمکننا الاستمرار فی اللغة الإنجلیزیة ثقافتنا العربیة الأدب الإنجلیزی أصحاب الإعاقات فی التعامل مع صفحات الکتاب الکتاب الذی شهد الشمری بعضهم بعضا فی جوهرها بین دوافع یعانون من یمکننا أن م الإعاقة بینی وبین المرض فی فی الأدب من ناحیة تؤثر على جزء ا لا ما یبدو أکثر من أن یکون بقدر ما التی لا یمکن أن لم تکن ا یقدم لا مفر لنا بل على أن

إقرأ أيضاً:

بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

 «إن الثقافة حق للمواطن كالمعرفة والرغيف» لم تكن مقولة الدكتور ثروت عكاشة، أحد أهم رواد العمل الثقافي في مصر، مجرد مقولة عابرة؛ فقد كان أحد المشاركين في ثورة 23 يوليو عام 1952، والتي أعادت صياغة المشهد السياسي والاقتصادي في مصر، وأعادت الاعتبار للثقافة والعلم والعلماء والفنانين، ولم تكن مجرد ثورة على النظام الملكي قام بها الجيش وانضم إليها الشعب، بل كانت في جوهرها ثورة اجتماعية شاملة، آمنت بأن تحرير المواطن لا يكتمل إلا بتحرير عقله وتشكيل وعيه.

ومن هنا، ولدت لأول مرة في تاريخ مصر الحديث فلسفة «العدالة الثقافية»؛ تلك الفلسفة التي نقلت الثقافة والفنون من صالونات القصور والأوساط الأرستقراطية المغلقة لتصبح كالمأكل والملبس والتعليم «حقًا مشاعًا لكل مواطن». وأتذكر تلك الأغنية التى كانت تقدمها الإذاعة المصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى من أداء مجموعة الكورال، ويقول مطلعها: «قالت الثورة مفيش إقطاع.. أنا جيت أصلح الأوضاع».

من هنا، تحولت قصور الإقطاعيين وأصبحت ملاذًا للجميع؛ فكرًا وثقافة وفنًا ومسرحًا، وإعادة لتشكيل الوجدان الشعبي، فالتف حولها الشعب واستطاعت قصور الثقافة المساهمة في بناء العقل المصري الحديث، عبر هذا المشروع الطموح الذي قاده الوزير والفنان ثروت عكاشة في ذلك الوقت، لتحول مصر في ستينيات القرن العشرين إلى ورشة عمل ثقافية كبرى، تجسدت فيها العدالة الثقافية من خلال ركائز أساسية غيرت وجه الحياة في الريف والحضر.

 

شهادة ثروت عكاشة: ردود حاسمة من واقع المذكرات

لم تسلم ثورة 23 يوليو من توجيه بعض الانتقادات إليها، مما دفع الدكتور ثروت عكاشة للرد على منتقديها في كتابه الأشهر «مذكراتي في السياسة والثقافة» بما يملكه من وثائق تخص تلك الفترة الحرجة في تاريخ مصر الحديث، وهو الرد الذي فند فيه كل تلك الأقاويل باعتباره أحد المشاركين في الثورة والمؤسسين لها. 

يقول عكاشة في مذكراته: «نحن الضباط الأحرار لم نتفق قط قبل 23 يوليو 1952 على أن نقوم بانقلاب أو بثورة نتولى بها السلطة، وغاية ما كان قد تم الاتفاق عليه بيننا أن نقوم بحركة عسكرية إصلاحية لإنهاض الجيش من عثرته، علمًا وقيادة وتسليحًا وتدريبًا، وتوفير مناخ مصري شعبي تُقتطف فيه من بعدُ ثمرةُ الاستقلال وثمرةُ العدالة الاجتماعية، وترميم ما يمكن ترميمه من شروخ عميقة أصابت هيكل السلطة، وبخاصة المسألة الديمقراطية وضمان حقوق الأغلبية الانتخابية، ومن ثم توزيع السلطة بالعدل والقسطاس على من هم جديرون مؤهلون حقًا للمشاركة بها في إطار الحكم الملكي نفسه».

ويتابع «عكاشة» فيما يخص التفاف الجماهير المصرية حول الشعب قائلًا: «إن الثورة تتحقق نتيجة لاتفاق ضمني بين رغبة الجماهير كقوة دافعة مساندة للتغيير، وبين قيادة ثورية قادرة على تحقيق هذا التغيير بإزاحة القوى المسيطرة على مصائر الجماهير وتحقيق الأهداف العامة التي تسعى إلى الأفضل، وإذا كان ثوار يوليو قد تحركوا تلاحمًا منهم مع أحوال الشعب المصري، الذي كان يطالب علنًا بالثورة على الأوضاع وعلى الاحتلال وعلى الملك وعلى سائر الحكام الذين أخفقوا في سياساتهم وتطبيقاتها لخدمة الجماهير، فقد ناب هؤلاء الثوار عن الشعب في ترجمة طموح الشعب إلى إحداث التغيير الجذري الشامل».

وهنا نجد أن ما قاله الدكتور ثروت عكاشة ما هو إلا انعكاس للحالة الشعبية في تلك الفترة وسرد للحقائق؛ فقد كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري تعاني الفقر والتهميش وعدم القدرة على دفع تكاليف التعليم، وكانت العدالة الثقافية وقتها غير مطروحة في الواقع الاجتماعي المصري، فكانت الثورة كما وصفها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «ثورة شعب بأكمله»، لتبدأ فترة جديدة في حكم مصر ورسم السياسات الثقافية لبناء الوعي.

قصور الثقافة.. «منارات الوعي في عمق القرى والنجوع»

كانت قمة تجليات العدالة الثقافية لثورة 23 يوليو هي تفكيك المركزية الثقافية في فترة الستينيات، من خلال إطلاق مشروع «الثقافة الجماهيرية»، لتنتشر قصور وبيوت الثقافة داخل قرى ومراكز ومحافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان.

يقول ثروت عكاشة عن تلك النهضة الفكرية إن وزارة الثقافة قد عهدت إلى الربط في مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة، والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين أفراد الشعب وبين الفن رفيع المستوى، وإتاحة الحرية للفنان. كما أعدت الوزارة في تلك الفترة خطة للعمل الثقافي ومنها إقامة المتحف المصري، ودار الأوبرا الحديثة، ودار الكتب الجديدة، ومطبعة حديثة، واستكمال بناء المسارح، ومدينة الفسطاط وغيرها من المشروعات التي أقيمت في إطار الخطة الخمسية.

فلم تكن هذه القصور مجرد مبانٍ حكومية، بل تحولت في الستينيات وما بعدها إلى مراكز تنويرية يومية؛ ففيها عرف الفلاح البسيط طريقه إلى المكتبات العامة والمطالعة مجانًا، وشاهد أبناء القرى لأول مرة عروضًا مسرحية وسينمائية حية في قراهم، كما لعبت هذه القصور دورًا حاسمًا في اكتشاف الموهوبين والمبدعين من قلب الريف المصري، وتدريبهم، وتقديمهم للحركة الفنية، مما جعل الثقافة أداة للترقي الاجتماعي.

النهضة المسرحية.. «مسرح لكل مواطن»

عاشت مصر في الستينيات ما يُعرف بـ«العصر الذهبي للمسرح المصري»، وهي نهضة لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، ولم تكن هذه النهضة فنية فحسب، بل كانت نهضة جماهيرية بامتياز تخدم العدالة الثقافية؛ حيث تأسست مسارح الدولة المتخصصة (المسرح القومي، والمسرح الحديث، ومسرح الحكيم، والمسرح الكوميدي)، ودعمت الدولة تذاكر المسرح لتصبح بأسعار رمزية للغاية، مما أتاح للعائلات والعمال والطلاب ارتياد المسارح بانتظام.

امتدت هذه النهضة لتشمل «المسرح المتجول» الذي كان ينتقل بفرق وممثلي العاصمة الكبار كجلال الشرقاوي وكرم مطاوع وغيرهما ليقدم العروض على مسارح قصور الثقافة في الأقاليم، ومصانع حلوان، والمواقع الإنتاجية، ليتلاحم الفن بالجمهور الحقيقي للثورة، وكان يتم إرسال الفنانين في بعثات خارجية، وحينما يعودون يذهبون بتجاربهم وعلمهم إلى القرى والمحافظات البعيدة عن العاصمة. ففي تلك الفترة لمعت نصوص كبار الكتاب مثل توفيق الحكيم، ونعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، والتي كانت تناقش قضايا وهموم المواطن البسيط، مما جعل المسرح مرآة للمجتمع.

أكاديمية الفنون.. الموهبة والكفاءة هما المعيار

كانت دراسة الفنون الرفيعة قبل الثورة تعتمد على البعثات الخارجية أو المعاهد المحدودة والمبادرات الفردية، وفي عام 1959، أصدرت الدولة قرارًا تاريخيًا بإنشاء «أكاديمية الفنون»، لتمثل صرحًا تعليميًا أكاديميًا فريدًا في الشرق الأوسط.

وضمت الأكاديمية: المعهد العالي للسينما، المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، المعهد العالي للمسرح، ومعهد الباليه. وكان فتح أبواب هذه المعاهد بالمجان للموهوبين من كافة الطبقات الاجتماعية بمثابة ثورة في حد ذاته؛ إذ لم يعد احتراف الفنون الرفيعة كالباليه أو الموسيقى الكلاسيكية أو الإخراج السينمائي حكرًا على من يملك المال، بل أصبحت «الموهبة والكفاءة» هي المعيار الوحيد للقبول. كما كان طلاب الأكاديمية هم العماد الرئيسى لفناني وممثلي مسارح الدولة، إذ كان يتم تعيينهم في الفرق المسرحية التابعة للدولة فور تخرجهم من المعهد، بما ضمن لهؤلاء الخريجين فرص عمل واستقرارًا ماديًا أتاح لهم العمل على تطوير مهاراتهم وموهبتهم.

عيد العلم.. الدولة تُكرم عقولها وتبجل مبدعيها

في إطار ترسيخ قيمة الفكر والثقافة، وضعت ثورة يوليو المثقف والأديب والعالِم في مقدمة الصفوف، وتجسد هذا التقدير الرفيع في الاحتفال السنوي بـ«عيد العلم»، الذي كان يحضره الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه، ليكون بمثابة تظاهرة وطنية لتكريم كبار الأدباء، والمفكرين، والفنانين، والعلماء.

في هذه الاحتفالات، كرمت الدولة قامات عظيمة مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والعقاد، ومنحتهم أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية. هذا الاحتفاء الرسمي لم يكن مجرد تكريم لأشخاص، بل كان رسالة للمجتمع بأسره بأن القيمة الحقيقية للوطن تكمن في عقول مبدعيه، وأن الثقافة هي ركيزة أساسية للأمن القومي وبناء الدولة الحديثة.

الثورة والتنوير.. حينما أصبحت المعرفة والفنون «حقًا للجميع»

 

المكتبات العامة.. سلاح المعرفة لكسر الاحتكار

لم تترك الثورة مواطنًا دون كتاب؛ فلأول مرة وضعت الدولة خطة ممنهجة لنشر المكتبات العامة في الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى والمراكز بالمحافظات، وكانت هذه المكتبات تفتح أبوابها بالمجان لطلاب المدارس والجامعات لتوفير مصادر المعرفة.

وتكاملت هذه المكتبات مع مشروعات النشر العملاقة التي أطلقتها الدولة، ومنها مشروع «الألف كتاب» والذي كان من بين المشروعات الثقافية الأولى في عهد الثورة، والذي كان يهدف إلى نشر عدد كبير من الكتب المؤسسة والتي تمثل المراحل المختلفة من القديم إلى الحديث في شتى أنواع المعرفة، كما أنشأت أربع سلاسل أخرى ومنها سلسلة «تراث الإنسانية»، وقد تضمنت أمهات الكتب العربية والأجنبية التي أثرت الفكر العالمي والفكر العربي، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، والتي قامت بطباعة وترجمة أمهات الكتب الفكرية والعلمية والروايات العالمية، وبيعها بأسعار مدعومة وزهيدة جدًا، لتكسر الدولة بذلك احتكار المعرفة، وتجعل الكتاب متاحًا في يد العامل والطالب تمامًا كما هو في يد أستاذ الجامعة.

«عيد العلم» عندما كان عبدالناصر يتصدر المشهد لتكريم العقول وتبجيل المبدعين

 

وهكذا بقراءة المشهد الثقافي لثورة 23 يوليو نستطيع القول بأن «العدالة الثقافية» لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت خطة عمل حقيقية وبنية تحتية صلبة تم تشييدها في فترة الستينيات، فمن قصور الثقافة بالقرى إلى خشبات المسارح المتجولة، ومن قاعات أكاديمية الفنون إلى منصات تكريم عيد العلم، أثبتت الثورة أن بناء المصانع والسدود لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تولد من وجدان الشعب وتعود إليه كحق أصيل.

مقالات مشابهة

  • بيت الحكمة يختتم «نادي الكتاب 2026»
  • هيئة الأدب والنشر والترجمة تختتم النسخة الخامسة من مبادرة “الشريك الأدبي”
  • السكري ليس قدرا محتوما إلا إذا أجلنا هذه الخطوات
  • القومي لحقوق الإنسان يدين الاعتداء على نزيل من ذوي الإعاقة الذهنية بالمقطم
  • استشاري باطنة : ضغط الدم القاتل الصامت .. المرض الأكثر انتشارًا
  • فقدان الصحة..نهاية كل شيء!
  • أميمة بنت علي الراشدية
  • هيئة الكتاب تصدر ديوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • التنمية الاجتماعية" تطلق النسخة الثانية من "السبت البنفسجي" مع خصومات وعروض مميزة لذوي الإعاقة