آخر تحديث: 30 نونبر 2025 - 9:38 ص بقلم :د. نوري حسين نور الهاشمي لم تكن نتائج الانتخابات الأخيرة مجرد أرقام تُعلَن، بل كانت مشهدًا يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول طبيعة القرار السياسي في العراق، وحدود تأثير الناخب في رسم مسار الدولة. فبينما سارعت الأحزاب إلى الاحتفال بما عدّته «انتصارًا ديمقراطيًا»، كانت قطاعات واسعة من المواطنين ترى في تلك النتائج صورة أخرى لانتصار الإرادة الحزبية على الإرادة الشعبية، في ظل قانون انتخابي لا يعكس الوزن الحقيقي للأصوات، ولا يمنح العملية الانتخابية معناها الجوهري.

وفي هذا التباين بين احتفال الأحزاب وصمت الشارع تتشكل قصة هذه الانتخابات، وما تحمله من دلالات على مستقبل التمثيل السياسي في البلاد.
وأنا أتابع ردود فعل الأحزاب بعد إعلان النتائج، لفتني ذلك المشهد المكرر الذي يكاد يصبح جزءًا من الطقوس السياسية العراقية: موجة من الفرح العارم، تصريحات تزف “الانتصار”، وأجواء احتفالية تُصوَّر على أنها انتصار إرادة شعبٍ كامل خرج إلى صناديق الاقتراع وأعطاها تفويضًا واضحًا. غير أن الحقيقة، عند التدقيق، تكشف صورة مغايرة تمامًا؛ صورة يمكن وصفها بكل تجرد بأنها انتصار الإرادة الحزبية على الإرادة الشعبية، وانتصار نموذج “الديمقراطية التوافقية” — وهو في جوهره نموذج مشوّه — على الكلمة الصادقة التي كان ينبغي أن تنطق بها صناديق الاقتراع.
فالانتصار الذي تتغنى به الأحزاب لم يكن ثمرة مشاركة شعبية واسعة، ولا تعبيرًا عن ثقة الجماهير بها، ولا جاء نتيجة تفويض مباشر من الناس. لقد كان تحصيل حاصل لقانون انتخابي صُمّم منذ لحظته الأولى ليمنح هذه الأحزاب أفضلية مضمونة، ويعيد إنتاج هيمنتها تحت غطاء الشرعية الانتخابية. هكذا سُحب البساط من تحت الشعب عبر هندسة قانونية دقيقة، تحوّلت معها الانتخابات من أداة لتمثيل الإرادة الشعبية إلى وسيلة لإعادة تدوير السلطة بين القوى ذاتها التي تحكم منذ عشرين عامًا.
وعند الوقوف أمام الأرقام الأولية لعدد الأصوات التي حصل عليها الفائزون بمقاعد البرلمان، تظهر مفارقة صادمة: لا يوجد مرشح واحد بلغ عتبة نصف أصوات دائرته زائد واحد. هذا الشرط، الذي يمثل أبسط أساسيات النظام الديمقراطي، لم يتحقق إطلاقًا. إن وجود برلمان كامل لم يحصل أعضاؤه على أغلبية حقيقية يجعل الحديث عن “الشرعية الشعبية” أقرب إلى المجاز السياسي منه إلى الواقع. وبذلك يصبح البرلمان الجديد أشبه بكيان فُرض على الناس فرضًا، صُنعت صورته وتركيبته بيد الإرادة الحزبية لا الشعبية.
وتزداد خطورة هذا المشهد عندما ندرك أن السلطة الفعلية في البلاد لا تُمارَس داخل القبة البرلمانية، بل تُدار في الخفاء من قبل مجموعة محدودة لا يتجاوز عددها تسعة أشخاص، تتحرك الدولة بإشاراتهم وتُصاغ القرارات بتوافقاتهم. هذا التركيز المكثف للسلطة يعيد إلى الأذهان الآية الكريمة: «وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون». وما حدث في هذه الانتخابات ليس سوى نسخة جديدة — بأسماء وألوان مختلفة — من النموذج المغلق ذاته.
إن التجربة السياسية التي بدأت منذ 2005 لم تخرج يومًا عن الإطار الذي رسمه المحتل منذ اللحظة الأولى لسقوط الدولة. فـ”الديمقراطية” التي أعلنت لم تكن نتاج تطور داخلي، بل مشروعًا صيغ من الخارج، وُضعت له خطوط حمراء، وأسندت إدارته إلى قوى سياسية ما تزال تعمل ضمن المدار ذاته. وعلى الرغم من تغيّر الشعارات واللافتات والوجوه، ظلّت الاستراتيجية الأساسية ثابتة: الحفاظ على مراكز النفوذ، وتوزيع الدولة غنيمة بين الشركاء السياسيين، بغضّ النظر عن احتياجات المجتمع أو مصالحه الحقيقية.
وقد أدرك الشعب هذه اللعبة مبكرًا. عبّر عن غضبه وخيبة أمله في الانتخابات قبل الأخيرة حين تراجعت نسبة المشاركة إلى ما دون 25%. وكرر موقفه في الانتخابات الأخيرة حين سحب الشرعية تمامًا من الطبقة السياسية؛ فلم يمنح أحدًا تفويضًا، ولم يعبّر عبر صوته عن ثقته بأي جهة. هذه الرسالة الشعبية كانت واضحة، لكنها اصطدمت بجدار من التجاهل، وحلّت محلها تصريحات احتفالية لا علاقة لها بواقع الشارع.
وإذا ما استمرت الأمور على هذا المنوال، فإن ما ينتظر البرلمان المقبل واضح منذ الآن: مؤسسة عاجزة تتكرر أزماتها وتتجمد قدرتها على التشريع، لأنها لا تملك استقلالًا فعليًا في اتخاذ القرار. وستظل أسيرة للمتحكمين من وراء الستار، تمامًا كما كانت البرلمانات السابقة. ويبرز هذا العجز جليًا في الفشل المزمن بتشريع قانون يحدد طبيعة المناصب السيادية، رغم مرور 22 عامًا وخمس دورات انتخابية. فجميع العراقيين يعرفون تفاصيل هذا القانون، لكن المعارضة الصلبة التي تبديها بعض القوى — خصوصًا تلك التي تمتلك جنسيات أجنبية وتستمد نفوذها من الخارج — جعلت إقراره تهديدًا مباشرًا لمصالحها وامتيازاتها.
إن البرلمان، بكل تكلفته المالية الهائلة التي جعلته من الأعلى كلفةً في العالم، يعمل بلا رؤية واضحة، وبلا قدرة حقيقية على الفعل، وبلا تأثير ملموس في مسار الدولة. ويستمر المشهد ذاته في كل دورة: تشكيل حكومة في الغرف المغلقة، توزيع المناصب وفق ميزان المحاصصة، واختيار الرئاسات الثلاث بعيدًا عن الإرادة الشعبية. وتبقى مؤسسات الدولة كلها — من أصغر دائرة إلى أعلى رئاسة — مجرد انعكاس لاتفاقات تلك الغرفة السوداء التي تشكل المصدر الحقيقي للقرار.
وهكذا، بدل أن تكون الانتخابات لحظة لتجديد الحياة السياسية، أصبحت مناسبة شكلية لإعادة إنتاج النظام ذاته، والتحالفات ذاتها، والفشل ذاته. وفي حين تغرق البلاد بأزماتها، تستمر الأحزاب بالاحتفال بنصر لا يمتّ إلى الشعب بصلة، وكأن الشعب تفصيل ثانوي في معادلة الحكم.هذه هي الأزمة في جوهرها: شعب بلا تمثيل، وبرلمان بلا شرعية، ودولة تُدار بلا دولة.

المصدر: شبكة اخبار العراق

كلمات دلالية: الإرادة الشعبیة انتصار ا

إقرأ أيضاً:

كلاوت الإطار التي لا تنتهي..الإطار يدين استهداف حقل كورمور الغازي من قبل ميليشياته

آخر تحديث: 29 نونبر 2025 - 9:15 ص بغداد/ شبكة أخبار العراق- ادان الإطار التنسيقي، مساء الخميس الماضي، الاستهداف الذي طال حقل كورمور للغاز في السليمانية، مؤكداً أن الاعتداء على المنشآت الوطنية يمثل تهديداً لأمن العراق.وذكر الإطار في بيان : “يدين الإطار التنسيقي بشدة الاستهداف الغادر الذي طال حقل كورمور للغاز، ويؤكد أن الاعتداء على المنشآت الوطنية يمثل تهديداً لأمن العراق واقتصاده واستقراره، ولا يخدم سوى من يريدون إضعاف الدولة وتعطيل مسار التنمية“.واعرب الإطار عن دعمه الى “اللجنة المشكلة من قبل رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحه للتحقيق في ملابسات الحادث، والوقوف على الجهات المتورطة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لكشف الحقائق وضمان عدم تكرار مثل هذه الاعتداءات، لما تمثله هذه المنشآت من أهمية استراتيجية للاقتصاد الوطني“.وشدد الإطار على “ضرورة التعاطي مع هذا الاعتداء بوصفه تهديدًا وطنيًا لا يجوز توظيفه سياسياً أو جبهوياً”، مجدداً التأكيد على أن “حماية سيادة الدولة وصون منشآتها الحيوية مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب وحدة الموقف وتماسك الصف في مواجهة محاولات زعزعة الأمن والاستقرار“.وكانت طائرات مسيرة مجهولة المصدر هاجمت، مساء مساء الأربعاء الماضي، حقل كورمور في محافظة السليمانية.

مقالات مشابهة

  • السيسى اختار العلاج بالمواجهة
  • معاريف: هذه أوراق نتنياهو التي أفلتت من جعبته قبل الانتخابات
  • تكتل الأحزاب اليمنية: استعادة الدولة هدف مركزي لا مساومة عليه
  • عربستان… الدولة التي أُطفئ نورها غدرًا: مئة عام على جريمة سياسية غيّرت وجه الخليج
  • كلاوت الإطار التي لا تنتهي..الإطار يدين استهداف حقل كورمور الغازي من قبل ميليشياته
  • علي ناصر محمد: مصر كانت الدولة الوحيدة الداعمة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية
  • نائبة التنسيقية: الرئيس السيسي يضع الشباب كقاطرة أساسية للمستقبل والتنمية المستدامة
  • الشرع يُقِرّ بأحقية الكثير من المطالب الشعبية: قيام سلطة مستقلة في الساحل أمر مستحيل
  • ‏الحقيقة التي لم يذكرها البرهان في وول ستريت جورنال..!‏