نجاة عبد الرحمن تكتب: الاستثمار في العنصر البشري
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
حين أعلنت الدولة في موازنة العام المالي 2025/2026 تخصيص ما يقارب 700 مليار جنيه لقطاعات التنمية البشرية، لم يكن هذا مجرد رقم في جدول ميزانية، بل رسالة واضحة بأن الإنسان المصري أصبح محور السياسات الاقتصادية والاجتماعية. الرقم نفسه يكشف زيادة ملحوظة عن العام السابق، حيث كانت المخصصات نحو 447 مليار جنيه، أي ما يعادل زيادة أكثر من 56%، وهو مؤشر على أن الدولة بدأت تدرك أن التنمية الحقيقية لا تبنى بالإنفاق على البنية التحتية وحدها، بل بالاستثمار في الإنسان.
من هذا المبلغ، تُخصص نحو 327 مليار جنيه للاستثمارات العامة في مجالات التعليم والصحة والبحث العلمي والخدمات الاجتماعية، وهو ما يمثل أكثر من ربع الاستثمارات العامة، رقم يدل على حجم الاهتمام بقطاع التنمية البشرية. هذا التوجه ليس مجرد شعارات أو أرقام، بل هو محاولة لتغيير الواقع، وجعل كل مواطن قادرًا على المساهمة بفعالية في بناء مصر الحديثة.
عندما نتحدث عن الاستثمار في العنصر البشري، فنحن لا نتحدث فقط عن موظف حكومي أكثر كفاءة، بل عن كل المصريين. الطفل الذي يحتاج إلى تعليم جيد، المريض الذي يحتاج رعاية صحية فعالة، ذوي القدرات الخاصة الذين يحتاجون برامج تأهيل ودمج. كل جنيه يُنفق على الإنسان هو استثمار في اقتصاد قادر على المنافسة، وفي مجتمع أكثر عدالة واستدامة.
الواقع اليوم يظهر أن الاستثمار في الإنسان أصبح ضرورة استراتيجية، لا رفاهية. سوق العمل يتغير بسرعة، ومهارات المستقبل ليست نفسها التي كانت مطلوبة قبل عشر سنوات. التعليم الجيد، الصحة المستدامة، والخدمات الاجتماعية الفعالة، هي ما يحدد قدرة مصر على التحول إلى اقتصاد معرفي يعتمد على الجودة والكفاءة، بدلًا من الاعتماد على الموارد الطبيعية أو التمويل الخارجي.
التحدي الأكبر، كما أرى، هو التنفيذ. الأرقام الضخمة تبدو مشجعة، لكنها بلا خطة واضحة وتنسيق فعال، لن تؤدي إلى النتائج المرجوة. نجاح هذا الاستثمار يحتاج إلى تحديد أولويات دقيقة، مراقبة الأداء، إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني، وضمان وصول الخدمات إلى جميع المواطنين، بما في ذلك الفئات الأكثر ضعفًا.
على سبيل المثال، إذا كان الهدف هو تحسين التعليم، فإن تخصيص الموارد وحده لن يكفي. يجب تحديث المناهج، تدريب المعلمين، تجهيز المدارس بالبنية التحتية والتقنيات الحديثة، وقياس النتائج بموضوعية. في الصحة، ليس المهم فقط بناء مستشفيات جديدة، بل تحسين جودة الخدمات، توفير أطباء وممرضين مدربين، تحديث المعدات الطبية، وتأمين المستلزمات الأساسية. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يحول الاستثمار من أرقام على الورق إلى واقع ملموس.
كما أن الاستثمار في العنصر البشري يعكس رؤية اجتماعية وأخلاقية. فعندما تُستثمر الأموال في التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، فإن الفئات الأكثر هشاشة — مثل الأطفال، الفقراء، وذوي القدرات الخاصة — تحظى بفرص حقيقية للتعلم والعمل والاندماج. هذا الاستثمار يخلق مجتمعًا أكثر تماسكًا، ويعزز العدالة الاجتماعية، ويكسر الحواجز التي تمنع الفئات الضعيفة من المشاركة الفاعلة في المجتمع.
الأرقام تؤكد هذا التوجه. مخصصات التعليم ارتفعت لتصل إلى حوالي 180 مليار جنيه، بينما خصصت الصحة حوالي 95 مليار جنيه، بما يشمل إنشاء وتجهيز المستشفيات، دعم الأدوية والمستلزمات، وتطوير الكوادر الطبية. مقارنة بالسنوات السابقة، نجد أن التعليم ارتفع بنسبة تزيد عن 40% والصحة بما يقارب 35%، وهي نسب تشير إلى جدية الحكومة في إعادة ترتيب الأولويات نحو الإنسان قبل كل شيء. هذا المستوى من الاستثمار يضع مصر في موقف أفضل لمواجهة التحديات الديمغرافية والاقتصادية، ويعطي الشباب فرصة أكبر للتعلم والعمل، ويجعلهم أكثر استعدادًا لمتطلبات سوق العمل الحديث.
أيضًا، الاستثمار في العنصر البشري مرتبط بتحسين الإنتاجية وزيادة الكفاءة في الاقتصاد الوطني. الموظف المؤهل قادر على تقديم خدمات أفضل، اتخاذ قرارات أكثر فعالية، والمساهمة في تحسين الأداء العام للمؤسسات. وهذا بدوره يعزز القدرة التنافسية لمصر على الصعيد الإقليمي والدولي، ويخلق بيئة استثمارية أكثر جذبًا، ويزيد من ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
من منظور اقتصادي، يمكننا مقارنة هذا التوجه بمؤشرات التنمية البشرية العالمية. مؤشر التنمية البشرية لمصر في السنوات الأخيرة كان عند 0.707، مما يضعها في فئة التنمية البشرية العالية، لكن ما يميز هذه الموازنة هو أنها تتجه لتحسين هذه المؤشرات بشكل ملموس، من خلال استهداف التعليم الأساسي والعالي، التدريب المهني، والصحة العامة، لتصل إلى معدلات أكثر قدرة على المنافسة دوليًا خلال السنوات الخمس المقبلة.
وبالنظر إلى الاقتصاد المحلي، تشير الدراسات إلى أن كل 100 جنيه تُستثمر في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية ينتج عنها زيادة محتملة في الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى 150 جنيهًا خلال خمس سنوات، وهو عائد اقتصادي ملموس يوضح أن الاستثمار في الإنسان ليس نفقة بل استثمار حقيقي يعود على الدولة والمجتمع.
بالنظر إلى هذه الأرقام مرة أخرى، نجد أن 327 مليار جنيه مخصصة للاستثمار في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، و700 مليار جنيه إجمالي مخصصات التنمية البشرية، وهي أرقام تعكس التزام الدولة على الورق. لكن الفارق الحقيقي سيظهر حين تتحول هذه الأموال إلى مدارس مجهزة، مستشفيات حديثة، برامج تدريبية فعالة، ومشروعات اجتماعية تنعكس مباشرة على حياة المواطنين.
هذا التوجه ليس لحظيًا، بل طويل الأجل. الاستثمار في الإنسان مشروع مستدام، نتائجه لا تظهر بين ليلة وضحاها، لكنه يضع الأسس لمجتمع قوي قادر على الصمود أمام الأزمات والتحديات المستقبلية. المواطن المتعلم، الصحي، والمتمكن هو وحده القادر على المساهمة في بناء مجتمع متماسك واقتصاد قوي.
من وجهة نظري، هناك ثلاث رسائل رئيسية يوضحها هذا التوجه: أولًا، أن الحكومة بدأت تدرك أن الإنسان هو رأس المال الحقيقي للدولة، وليس الأموال أو الموارد الطبيعية وحدها. ثانيًا، أن التنمية تحتاج إلى متابعة وصبر وتنفيذ صارم، فالموازنة وحدها لا تصنع الفرق. ثالثًا، أن هناك فرصة حقيقية للشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، وخاصة المؤسسات العاملة في تمكين ذوي القدرات الخاصة، لتعزيز أثر هذا الاستثمار على أرض الواقع.
على سبيل المثال، مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل مع ذوي القدرات الخاصة تستطيع استخدام جزء من هذه الميزانية لدعم برامج الدمج في المدارس والجامعات، وتمكينهم من التدريب المهني، وإعطائهم فرص عمل حقيقية. هذه الإجراءات لا تعزز التنمية البشرية فقط، بل تخلق مجتمعًا أكثر عدالة وشمولية، حيث يشعر كل مواطن بأنه جزء فاعل في بناء الوطن.
كما يمكن توسيع الاستثمار ليشمل برامج الصحة النفسية للشباب والأطفال، إذ تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن 15% من الأطفال المصريين يعانون من مشاكل نفسية أو ضغط عصبي يحتاج إلى تدخل مبكر. دعم الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الاستثمار في العنصر البشري ويؤثر بشكل مباشر على جودة التعليم والإنتاجية المستقبلية.
في النهاية، الاستثمار في العنصر البشري ليس مجرد بند في الموازنة أو رقم يُعلن في مؤتمر صحفي. إنه رهان على مستقبل مصر، على قدرة شبابها، على صحة مواطنيها، وعلى جودة خدماتها. وإذا تم تنفيذه بجدية وشفافية، فإن أثره سيظهر تدريجيًا في جودة التعليم والخدمات الصحية، في كفاءة الموظفين، وفي قدرة المجتمع على المنافسة والابتكار.
التحدي الأكبر هو تحويل هذه الأرقام من أرقام على الورق إلى واقع ملموس، يجعل المواطن يشعر بقيمته الحقيقية، وأن المستقبل يبدأ به وليس فقط بالسياسات المالية أو المشروعات الكبرى. عندها فقط يمكن القول إن الاستثمار في العنصر البشري أصبح سياسة دولة حقيقية، وليست مجرد شعار.
إنها لحظة حاسمة، وفرصة نادرة لمصر لتعيد تعريف أولوياتها، لصناعة مجتمع أكثر كفاءة وعدالة، ولمواصلة مسار التنمية البشرية بطريقة عملية وملموسة. وبذلك يصبح المواطن محور أي نهضة، والإنسان هو الاستثمار الحقيقي الذي تبنى عليه الدولة مستقبلها.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: التنمية البشرية السياسات الاقتصادية الاستثمار الاستثمار فی العنصر البشری الاستثمار فی الإنسان والخدمات الاجتماعیة التنمیة البشریة القدرات الخاصة هذا التوجه ملیار جنیه قادر على مجتمع ا
إقرأ أيضاً:
التجربة الماليزية العراقية بين المعوقات والنجاح
23 يوليوز، 2026
بغداد/المسلة:
محمد الكعبي
حين تُذكر التجارب التنموية الناجحة في آسيا، تتصدر ماليزيا قائمة الدول التي استطاعت، خلال عقود قليلة، أن تتحول من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد متنوع يقوم على الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وقيادة امتلكت الإرادة السياسية، واستثمرت في الإنسان قبل الاستثمار في الحجر، فكان التعليم، وبناء المؤسسات، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، ومحاربة الفساد، ركائز أساسية في مشروع النهضة الماليزية.
وفي المقابل، يقف العراق اليوم أمام تحديات كبيرة، رغم ما يمتلكه من ثروات نفطية وغازية، وأراضٍ زراعية واسعة، وموقع جغرافي استراتيجي، وطاقات بشرية واعدة، إلا أن هذه الإمكانات لم تتحول بعد إلى تنمية مستدامة بسبب تراكم المشكلات الإدارية والاقتصادية، وضعف التخطيط،
وتعدد القيادات والاحزاب بشكلها السلبي واعتماد الاقتصاد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، فضلاً عن الفساد الإداري والمالي، وعدم استقرار السياسات العامة والمحسوبية والمحاصصة، نعم اليوم نلمس خطوات لتغيير الواقع وهي ايجابية وتبشر بالأفضل.
إن المقارنة بين العراق وماليزيا لا تهدف إلى إغفال اختلاف الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية،
فلكل دولة خصوصيتها، لكنها تؤكد حقيقة مهمة، وهي أن الموارد وحدها لا تصنع الدول، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة، والمؤسسات الكفوءة، وسيادة القانون، والاستثمار في الإنسان، فالتاريخ يثبت أن دولا فقيرة بالموارد حققت قفزات تنموية كبيرة، بينما بقيت دول غنية
بالثروات تعاني من التعثر بسبب سوء الإدارة وضعف الحوكمة.
لقد نجحت ماليزيا في تنويع اقتصادها، وربط التعليم بحاجات سوق العمل، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وبناء بيئة اقتصادية مستقرة، والعراق قادر على الاستفادة من هذه الدروس من خلال تبني إصلاحات حقيقية تشمل تطوير التعليم، ودعم القطاع الخاص، وتنشيط الصناعة والزراعة والسياحة، وتحديث البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، وترسيخ مبدأ الكفاءة في إدارة الدولة وتسييد القانون.
ولا يعني ذلك استنساخ التجربة الماليزية بحذافيرها، فلكل بلد واقعه الخاص، لكن المبادئ العامة للنجاح واحدة: وضوح الرؤية، واستقرار السياسات، والشفافية، والمساءلة، وحسن إدارة الموارد، والاعتماد على التخطيط العلمي والجدية في العمل بعيدا عن الارتجال والحلول المؤقتة.
إن العراق لا يعاني من أزمة موارد، بل من تحدي تحويل هذه الموارد إلى فرص تنموية حقيقية، وما يحتاجه اليوم هو مشروع وطني طويل الأمد تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، ويؤسس لاقتصاد منتج قادر على توفير فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة.
إن التجربة الماليزية، إلى جانب تجارب تنموية أخرى، تؤكد أن النهضة ليست حلما مستحيلاً، بل مشروعا يبدأ بفكرة، ويتحول إلى رؤية، ثم إلى سياسات، فبرامج عملية، حتى ينعكس أثرها على حياة المواطن، فنجاح الدول لا يُقاس بكثرة الخطط والوعود، وإنما بقدرتها على تنفيذها، وبما
تحققه من رفاه واستقرار وعدالة لمواطنيها، وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن يستوعبها العراق وهو يرسم طريقه نحو المستقبل خصوصا اليوم ونحن نعيش التحولات الإقليمية والعالمية وتسارع الأحداث وتداخل المصالح.
تشير المؤشرات الاقتصادية إلى حجم الفجوة في مسار التنمية بين البلدين، إلا أن الفارق الجوهري لا يكمن في حجم الاقتصاد فقط، بل في
بنيته؛ إذ يعتمد العراق بصورة كبيرة على النفط الذي يشكل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية ومعظم الصادرات، في حين نجحت ماليزيا في بناء اقتصاد متنوع تقوده الصناعات التحويلية والإلكترونيات والخدمات والسياحة، وتعد الآلات والمعدات الكهربائية والإلكترونية من أبرز صادراتها.
ان الناتج المحلي الإجمالي (2024): لماليزيا نحو 445 مليار دولار، بينما بلغ في العراق نحو 260–270 مليار دولار (بحسب تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، إلا أن الاقتصاد الماليزي يتميز بتنوع مصادر دخله، بخلاف الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بصورة كبيرة على النفط.
تنوع الصادرات: تشكل الإلكترونيات والرقائق الإلكترونية والآلات والمعدات الطبية والمنتجات الكيميائية وزيت النخيل جانبا كبيرا من صادرات ماليزيا، في حين تمثل الصادرات النفطية أكثر من 95% من صادرات العراق، الأمر الذي يجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية.
الاستثمار الأجنبي المباشر: استطاعت ماليزيا استقطاب مليارات الدولارات سنويا من الاستثمارات الأجنبية بفضل الاستقرار التشريعي
وسهولة ممارسة الأعمال، بينما ما يزال العراق يواجه تحديات مرتبطة بالبيئة الاستثمارية والإجراءات الإدارية والبنية التحتية والأوضاع الأمنية وتحكم بعض الشخصيات والاحزاب مما يعيق التنمية والتطور.
التحول الرقمي: قطعت ماليزيا شوطا متقدما في الحكومة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي، وأصبح القطاع الرقمي أحد أهم محركات النمو،
بينما لا يزال العراق في مرحلة تطوير البنية الرقمية وتوسيع الخدمات الحكومية الإلكترونية.
البطالة ورأس المال البشري: تبلغ البطالة في ماليزيا مستويات منخفضة نسبيا (نحو 3–4%)، بينما تواجه العراق معدلات أعلى، ولا سيما بين الشباب، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم والتدريب المهني وريادة
الأعمال ضرورة استراتيجية، وهو ما يبرز أهمية بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الشفافية، وترسيخ سيادة القانون بوصفها متطلبات أساسية
لجذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة.
أما في مجال التعليم، فقد جعلت ماليزيا الاستثمار في رأس المال البشري محورا رئيسا لخططها التنموية، وربطت مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل والصناعة والتكنولوجيا، وهو ما أسهم في رفع تنافسية الاقتصاد وزيادة الإنتاجية، وفي المقابل، يمتلك العراق قاعدة بشرية شابة وطاقات علمية كبيرة، إلا أن تحويلها إلى قوة اقتصادية يتطلب إصلاحا شاملا لمنظومة التعليم، وتطوير التعليم التقني والمهني، ودعم البحث العلمي والابتكار، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد
الحديث، ولعل أهم ما تعلمنا إياه التجربة الماليزية، إلى جانب التجارب التنموية الأخرى، أن النهضة تبدأ عندما تتحول الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فالتنمية الحقيقية ليست في كثرة الخطط، وإنما في جودة التنفيذ واستدامة الإنجاز.
إن نجاح التجربة الماليزية لم يكن معجزة اقتصادية، بل ثمرة إرادة سياسية، واستقرار في السياسات، وإدارة كفوءة، واستثمار متواصل في الإنسان، والعراق، بما يمتلكه من ثروات طبيعية وموقع جغرافي متميز ورأس مال بشري واعد، لا تنقصه الإمكانات، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني جامع يقوم على التخطيط العلمي، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد، وتحويل الثروة النفطية من مورد للاستهلاك إلى رافعة للإنتاج والاستثمار، ولا يمكن إغفال أن نجاح التجربة الماليزية لم يكن نتيجة السياسات الاقتصادية وحدها، بل جاء ثمرة توافق سياسي نسبي، واستقرار مؤسسات الدولة، واستمرار الخطط التنموية عبر الحكومات المتعاقبة، وهو ما وفر بيئة مناسبة للاستثمار والإنتاج، أما العراق، فإن من أكبر تحدياته يتمثل في عدم استقرار السياسات العامة وتغير الأولويات، الأمر الذي ينعكس سلبا على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، لذلك فإن نجاح أي مشروع تنموي عراقي يتطلب
بناء توافق وطني حول الأولويات الاقتصادية، وإبعاد الملفات التنموية عن التجاذبات
السياسية، لضمان استمرارية الإصلاحات وتحقيق أهدافها.
العراق اليوم يقف أمام فرصة تاريخية؛ فموارده
المالية، وموقعه الجغرافي، وطاقاته البشرية، تؤهله ليكون من الاقتصادات الصاعدة في المنطقة إذا ما توافرت الإدارة الرشيدة، وسيادة القانون، والاستقرار التشريعي، والاستثمار الحقيقي في الإنسان وتحديد الأولويات والابتعاد عن الصراعات والتنافس الصفري ويحتاج العراق إلى قيادة موحدة وليس متعددة لكي يملك قراره، لا ان يعيش البلد تحت سلطة الاحزاب والبيوتات.
إن المستقبل لا تصنعه الأمنيات، وإنما تصنعه القرارات الجريئة، والتخطيط العلمي، والتنفيذ المتقن، وحين ينجح العراق في تحويل ثروته النفطية إلى قاعدة للإنتاج والصناعة والمعرفة، سيكون قادرا على تقديم تجربته التنموية الخاصة، المستلهمة من نجاح الآخرين والمنطلقة من خصوصيته الوطنية، ليصبح نموذجا يُحتذى كما أصبحت ماليزيا اليوم، عندئذٍ لن تكون التجربة الماليزية مجرد قصة نجاح تُروى، بل نموذجا يُستلهم في بناء تجربة عراقية أصيلة، تنطلق من خصوصية العراق، وتستفيد من خبرات الأمم، لتصنع مستقبلًا أكثر استقرارا وازدهارا للأجيال القادمة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post Author زينSee author's posts