يبحث الرئيس الإسرائيليّ يتسحاق هرتسوغ، "خيارات إضافية" بشأن طلب العفو عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ، والذي قدّمه الأخير، أمس الأحد، بُغية العفو عنه من تهم فساد تشمل الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، والتي يُحاكم على إثرها، فبالتوازي مع بحث طلب الأخير، سيحاول هرتسوغ "تسريع إنهاء المحاكمة من خلال التفاوض على صفقة إقرار بالذنب".

جاء ذلك بحسب ما أوردت هيئة البثّ الإسرائيلية العامّة "كان 11"، في تقرير مساء الأحد، لافتة من خلاله إلى أن هرتسوغ كان قد أعرب سابقًا عن دعمه للتحرّكات التي من شأنها أن تؤدي إلى اتفاقات لإنهاء المحاكمة؛ "والآن، مع تقديم طلب العفو عن نتنياهو، يُتوقع من هرتسوغ أن يتصرف في أقرب وقت ممكن، لصالح الحوار بين الأطراف".

وتتطلّب صفقة الإقرار بالذنب، الشبيهة بالعفو، أن يُقرّ المتهم بالاعتراف بالذنب، وعلى الأقل في بعض التهم الموُجَّهة إليه، غير أن نتنياهو كان قد أعرب سابقًا عن معارضته للإقرار بالذنب، ولم يتطرق إلى هذه المسألة في المكتوب الذي يسأل من هرتسوغ العفو، الأحد.

ومن بين الشروط التي وضعها هرتسوغ لمنح بنيامين نتنياهو عفوا رئاسيا، استقالته من منصبه رئيسا للحكومة، "وإن مؤقَّتا"، ووقف العمل بالتشريعات القضائية التي يُطلق عليها ائتلاف نتنياهو الحكومي مُسمّى "الإصلاح القضائي".

ووفقا لهذه الشروط، "يمكن لنتنياهو العودة إلى رئاسة الحكومة، بعد الانتخابات"، وفق "كان 11".

وذكر تقرير هيئة البثّ أن مقرّبي الرئيس الإسرائيليّ، قد أكدوا في نقاشات مُغلقة، الأحد، أن نتنياهو لن يُمنح العفو من دون ثمن "كبير".

وأضافوا أن هرتسوغ لا ينوي منح نتنياهو عفوا "غير مشروط"، كما طلب نتنياهو.

وفي الوقت نفسه، نقل التقرير عن مقرّبين من نتنياهو أن "اعتزاله الحياة السياسية ليس مطروحا". ووفقا لهم، فقد قُدّم طلب العفو عن رئيس الحكومة، بالتنسيق مع الرئيس الأميركيّ، دونالد ترامب، الذي يتوقعون منه أن يُعرب عن دعمه العلنيّ لذلك، "قريبا".

ومنذ الرسالة التي أبرقها ترامب إلى مكتب الرئيس الإسرائيليّ بشأن العفو عن نتنياهو، لم يُجرَ أي حوار بين البيت الأبيض، ومكتب الرئيس الإسرائيليّ بشأن هذا الموضوع.

من جانبه، أصدر مكتب هرتسوغ بيانا، قال فيه إنّه "في الساعات الأخيرة، انتشرت منشورات باسم رئيس الدولة، أو مكتب الرئيس، ويُوضَح ويُؤكَّد أن أي منشور لا يصدر عن طريق مكتب الناطق باسم ديوان الرئيس، لا يُأخذ به".

وأضاف أن "الرئيس لم يضع أي شروط، لأن الملف أُحيل لإبداء الرأي، ولم يبدأ الرئيس بمناقشة الموضوع".

وتابع: "لن يتأثر الرئيس بأي ضغوط من أي جهة. وكما جاء في إعلان ديوان الرئيس صباح اليوم (الأحد)، فإنه بعد تلقّي جميع الآراء، سينظر فيها رئيس الدولة بمسؤوليّة وجديّة".

وبحسب ما أوردت القناة الإسرائيلية 12، فإن هرتسوغ، سينظر "بإيجابية" في طلب العفو الذي قدّمه نتنياهو.

وأشارت القناة في تقرير إلى أنه "يُعتقد أن هرتسوغ يتخذ موقفًا أكثر إيجابية، ومن المتوقع أن يردّ على طلب العفو بـ’نعم، ولكن".

وفي الصّدد ذاته، ذكر التقرير أن هرتسوغ قد يطلب من نتنياهو الاعتراف بالحقائق والجريمة، "لكن هذا غير وارد حاليًا".

ومن الشروط الأخرى التي قد يفرضها الرئيس الإسرائيليّ مقابل عفو يمنحه لنتنياهو، تحديد مدة ولاية رئيس الحكومة؛ فإما التقاعد بعد تولّي فترة أُخرى بمنصبه، أو في تاريخ يُحدَّد مسبقًا، أو في موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، "أو ربما في خطوة أشمل، كنوع من صفقة قانونية شاملة".

وبانتقال مسألة العفو عن نتنياهو إلى "ملعب هرتسوغ"، ستكون بذلك بلا شكّ "القرار الأكثر دراماتيكية في عهده؛ وسواء وافق هرتسوغ على طلب نتنياهو أم رفضه، فمن المتوقّع أن تأتي الهجمات من كل حدب وصوب، إذ سيُحكم عليه بناءً على جدارته أو واجبه (بمنح العفو من عدمه)، بحسب الخيار الذي يفضّله كل طرف".

وذكر تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت" عبر موقعها الإلكترونيّ ("واينت")، أنّه "إذا منح هرتسوغ نتنياهو عفوًا، فسيخسر مؤيديه من ’اليسار’ و’الوسط’، وحتى من ’اليمين’ من الذين يعارضون هذا العفو... من ناحية أخرى، إذا رفض هرتسوغ منح نتنياهو عفوًا، فسيصبح بطل اليسار، ولكنه سيصبح أيضًا (محطّ مُهاجمة) من اليمين".

وعلى الرغم من صعوبة القرار، أشار التقرير إلى أنّ "هذه هي اللحظة التي كان هرتسوغ ينتظرها... يُفترض بالقائد أن يتخذ قرارات غير شعبية، لكن عليه تبرير قراره. فهو رئيس، وليس ملكًا مطلقًا، وإذا أخطأ الرئيس، ستُبطل المحكمة العليا عفوه، وهذا آخر ما يريده هرتسوغ".

ويُعقّد طلب العفو بصيغته الحالية، المسألة أمام هرتسوغ ويُفاقم مأزقه، فلم يُبدِ نتنياهو ندمه، كما أن طلب العفو الذي قدّمه لا يستوفي هذا الشرط؛ فبالإضافة إلى عدم اعترافه بالذنب، لا يُقرّ نتنياهو أيضًا بوقائع التهم المُوجّهة إليه، ولم يُعلن اعتزامه اعتزال الحياة السياسية.

وأشار التقرير إلى أنّ تصريح نتنياهو الشهير الذي عمد إلى تكراره مرارا وتكرارا في كلّ مناسبة تقريبا؛ "لن يكون هناك شيء، لأنه لا يوجد شيء"، ينطبق أيضًا على طلبه العفو، فهو "يتوقع من الرئيس هرتسوغ أن يُقرّر تبرئة كاملة من دون عقاب، ومن دون أن يدفع ثمنًا علنيًا، ومن دون أن يُعرب عن ندمه ولو بكلمة".

ولم يُعرب نتنياهو عن ندمه أو اعتذاره، بل زعم أن مصلحته الشخصية تكمن في إجراء المحاكمة، وإثبات براءته، حتى تتمّ تبرئته بالكامل، "لكن المصلحة العامة تُملي خلاف ذلك، فهو يطلب العفو من منطلق مسؤوليته العامة كرئيس للحكومة، سعيًا لتحقيق المصالحة بين فئات المجتمع الإسرائيليّ".

وزعم نتنياهو بشأن ذلك، أنه "لا شكّ لديّ في أن انتهاء المحاكمة، سيُسهم في تحقيق ذلك. أنا مُلتزم ببذل كل ما في وسعي لرأب الصدوع، وتحقيق الوحدة بين أبناء الشعب، واستعادة الثقة في أجهزة الدولة".

وسبق أن صرّح هرتسوغ بأنه سيدعم خطة عفو "تُصالح الدولة والسياسيين، على أن تتضمن أيضًا اتفاقات بشأن ’الانقلاب القضائي’".

وفي ما يتعلق بالصلاحيات، فإن لهرتسوغ أن يفعل ما يشاء تقريبًا، حتّى لو أوصى رأي قسم العفو في وزارة القضاء، بعدم منح نتنياهو عفوًا، فإن للرئيس الإسرائيليّ صلاحية اتخاذ قرار خلاف ذلك، "ففي النهاية، هناك طلب من ترامب، وقضايا مصيرية على جدول الأعمال: التطبيع مع السعودية؛ ومواجهة أخرى مع إيران تتطلب دعمًا أميركيًا وهو أمر غير مؤكد؛ ومواجهة أخرى مع حزب الله؛ والخوف من انهيار وقف إطلاق النار في غزة ؛ بالإضافة إلى العديد من الفرص الإيجابية التي ستأتي بعد السعودية: (إزاء دول هي) إندونيسيا، وماليزيا، وعُمان، وموريتانيا، وسورية، ولبنان، وغيرها"، بحسب "واينت".

وأشار التقرير إلى أنّ الحديث عن إعادة التوحيد، ليس أمرا يتجاهله هرتسوغ، لكن عليه أن يأخذ في الاعتبار مساهمة نتنياهو في تقسيم المجتمع الإسرائيليّ، و"حربه على السلطة القضائية، والإعلام الحرّ"، مضيفا أن "نتنياهو يطلب العفو من أجل وحدة المجتمع، مع أنه هو نفسه المسؤول عن الانقسام والتّشرذم، ويعلم هرتسوغ أن نصف الشعب على الأقلّ، يعتقد ذلك، ولا يمكنه تجاهل خيبة أملهم".

ورأت الصحيفة أنه "إذا قبل هرتسوغ طلب نتنياهو العفو فورا، فسيُشتبه به بأنه عمل فعلا مع رئيس الحكومة، ونسّق العملية برمتّها معه مُسبقا، في ضوء ما كشفته (تقارير) من أن هرتسوغ حاول الدفع نحو عفو عن نتنياهو، حتى قبل انتخابه رئيسا، وقبل توجيه لائحة اتهام ضده"، مشيرة إلى أن "قانون التهرّب من الخدمة العسكرية الذي يُمزّق الشعب، يأتي في الخلفية أيضا، ويأتي في ظل أطول حرب في تاريخ إسرائيل".

وتساءلت: "كيف يُوازن إعفاء شامل من التجنيد لشريحة كبيرة من المجتمع مع وعود نتنياهو بمعالجة الانقسامات؟".

ومن الخيارات في هذه "المعضلة" هو جعل الوضع أكثر صعوبة بالنسبة لنتنياهو، إذ يمكن لهرتسوغ "أن يستدعي الأطراف وتوجيه أسئلة إليهم، ويمكنه استدعاء نتنياهو أو محاميه وسؤالهم عما إذا كانا يشعران بأي ندم، وما إذا كان نتنياهو يعترف بالحقائق، وما إذا كان ينوي الاستمرار في الترشّح لانتخابات رئاسة الحكومة. كما يمكن للرئيس التحدث علنًا عن هذه الأمور والاكتفاء بذلك".

وقد يمنح هرتسوغ نتنياهو "عفوًا مشروطًا" يرتكز إلى "أثمان عامّة" مثل تشكيل لجنة تحقيق رسمية في فشل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أو إلغاء الانقلاب القضائي، وإصلاح الإعلام.

و"إذا أدّى العفو في النهاية إلى ’مصالحة وطنية’، وخفض حدّة التوترات من خلال إزالة هذه القضايا من جدول الأعمال، فقد يقبل اليسار العفو، كأمر مشروع ومرحّب به، ومع ذلك، لن يتمكن هرتسوغ من إطالة أمد معضلته، فالمحيطون به يتحدثون عن أسابيع طويلة من المداولات، لا أكثر، زفي النهاية، سيُجبر هرتسوغ على اتخاذ قرار صعب، إما بطريقة أو بأخرى".

وستنتهي ولايته بعد عامين ونصف، في حزيران/ يونيو 2028، و"سيرغب هرتسوغ في أن يُذكر كرئيس دولة ساهم، من جهة، في رأب الصدع في إسرائيل، وليس من جهة أخرى، رئيسًا ساهم في تدمير مؤسسات الدولة، ودمّر حريّة الإعلام، وسمح لرئيس حكومة يتصرّف وكأنه فوق القانون بفِعل ما يشاء، وكأنه ملك".

وأشار تقرير "واينت" إلى أنّ "أحد أسباب استغراق معالجة الطلب أسابيع، هو أن القضية برمّتها تُشكّل سابقة قانونية، بكل بند فيها، وبالتالي ستكون هناك خلافات لا تُحصى بشأن كل تفصيل".

المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من الأخبار الإسرائيلية يديعوت تكشف تفاصيل زيارة رئيس الشاباك إلى القاهرة قناة عبرية: المنطقة الصفراء في غزة هي الحدود الجديدة مع إسرائيل الجيش الإسرائيلي يعلن تصفية 40 مقاوما في أنفاق رفح الأكثر قراءة "تلاعب بالتوقيت".. خدعة إسرائيلية في اغتيالات غزة الأخيرة! مجلس الأمن الدولي يناقش اليوم القضية الفلسطينية أبرز عناوين الصحف الفلسطينية الصادرة اليوم الإثنين حول «الوصاية والانتداب» والقرار الأممي 2803! عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2025

المصدر

المصدر: وكالة سوا الإخبارية

كلمات دلالية: الرئیس الإسرائیلی العفو عن نتنیاهو عفو عن نتنیاهو نتنیاهو عفو هرتسوغ أن أن هرتسوغ طلب العفو تقریر إلى العفو من من دون الذی ی رئیس ا إلى أن

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • عفو ومصالحة في «بني محمديات».. أسر الضحايا تستجيب لدعوة شيخ الأزهر
  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • عفو ومصالحة في بني محمديات.. أسر الضحايا تستجيب لدعوة شيخ الأزهر بإنهاء الخصومة الثأرية
  • بحضور نتنياهو... جلسة للحكومة الإسرائيليّة للبحث في التطورات مع لبنان
  • توقف عضلة القلب .. منة جلال تكشف تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة سهام جلال
  • الرئيس الصربي يستقبل رئيس المجلس الوطني الاتحادي
  • الرئيس اللبناني: لا خيار أمامنا غير التفاوض لإنهاء العدوان الإسرائيلي
  • خطة سرية لضرب بيروت تنهار.. وغضب في الجيش الإسرائيلي من تصريحات نتنياهو
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • قاد تطوير الصاروخ «آرو 3».. نتنياهو يعلن اسم رئيس مجلس الأمن القومي القادم