لجريدة عمان:
2026-06-03@04:52:10 GMT

الجنّي الذي تخلّى عن قصائده

تاريخ النشر: 1st, December 2025 GMT

عديدة هي الكتب والدراسات التي تناولت أشعار الجنّ في الأدب العربي القديم، وكتبت عن ظاهرة قول الجن للشعر ونسبته إلى الشعراء، وأنّ لكل شاعر شيطانًا يوحي إليه الشعر ويقوله على لسانه، كما قرأنا اعتراف الشعراء بأنّ شياطينهم يوحون إليهم كثيرًا من هذا الشعر، من ذلك مثلًا ما قاله أبو النجم الراجز:

إني وكل شاعر من البشرْ

شيطانه أنثى وشيطاني ذكرْ

أو ما قاله حسان بن ثابت فيما يُنسبُ إليه في الجاهلية:

ولي صاحب من بني الشيصبان

فحينا أقول وحينا هوه

هذه الاستشهادات تضعنا أمام ظاهرة دُرست كثيرًا في النقد القديم، وأفرد لها النقاد كتبًا ناقشوا فيها هذا الموضوع بشيء من التفصيل، لكن الذي دفعني لكتابة هذا المقال هو سؤال قديم كان يتبادر إلى ذهني عن الدافع الذي دفع الجنّي للتخلي عن شعره أو التخفي خلف شخصية شاعر آخر؟ وعن المَلَكَة التي امتلكها نفرٌ من الجن في كتابة الشعر؟ وهل ما يزال شعراء الجن إلى يومنا هذا يكتبون وينسبون أشعارهم إلى الشعراء؟ وعلى ذلك يمكن قياس أنه بوجود شعراء من الجن، يوجد أيضا كُتّاب قصة ورواية وخطباء وغيرها من الفنون، لم تُشرْ إليهم كتب التاريخ بهذا التوسع.

وهل هناك نُقّاد بارزون في عالم الجن يوحون بنقدهم إلى النقاد من الإنس؟ أسئلة عديدة أفرزتها روايات الشعر على ألسنة الجن!!

ورد في كتاب (جمهرة أشعار العرب) لأبي زيد القرشي فصلٌ خاصٌ بعنوان (شياطين الشعراء)، تطرَّق في 16 صفحة إلى هذه الفئة، عارضًا نماذج من قصص العرب وأخبار الشعراء وأشعار الجن المنسوبة إليهم، ومما ورد في الكتاب قصتان أقف عليهما: الأولى قصة مظعون بن مظعون الأعرابي الذي لقي رجلا في الصحراء تبيّن له فيما بعد أنه من الجن، فدار بينهما حوارًا عن أشعر العرب فأجاب الجنيُّ قائلًا: «... اروِ قول لافظ بن لاحظ وهياب وهبيد وهاذر بن ماهر. قلت: هذه أسماء لا أعرفها. قال: أجل! أما لافظ فصاحب امرئ القيس، وأما هبيد فصاحب عبيد بن الأبرص وبشر، وأما هاذر فصاحب زياد الذبياني، وهو الذي استنبغه». (جمهرة أشعار العرب ص43)، وأما الثانية فهي بالطريقة نفسها والحوار الذي كان عن أشعر العرب، نقرأ منه الآتي: «... وقد عرفتُ أنه من الجن، فقلت له: من أشعر العرب؟ فأنشأ يقول:

ذهب ابن حجر بالقريض وقوله: ولقد أجادَ فما يُعابُ زيادُ

لله هاذرٌ إذ يجود بقوله،

إن ابن ماهر بعدها لجوادُ

قلت: من هاذر؟ قال: صاحب زياد الذبياني، وهو أشعر الجن وأضنهم بشعره، فالعجب منه كيف سلسل لأخي ذبيان به...». (ص44)

نجد في هاتين الحكايتين السرد متقاربًا إلى درجة كبيرة من حيث الخروج في الفضاء/ الصحراء، الالتقاء برجل وحيد/ يُتبيّن لاحقًا أنه من الجن، يتحدثان عن الشعر وقوله، ثم يسأله عن أشعر العرب، فيجيء ذكر شعراء الجن وأشهر شعرائهم، وأنهم من استنبغوا الشعراء من الإنس. وكأن الرواية تستنطق الغرائبية في مدلولاتها، وتُبنى على الغيبيات؛ إذ إنها قائمة في بنيتها على حكايات السَمَر واللهو، ونحن علمنا أنّ مجالس السَّمَر كثيرة في الجاهلية يجتمع الناس ويقصون بطولاتهم ومغامراتهم وخوارق أفعالهم.

فمَن ذلك الشاعر/ الجني الذي تخلى عن قصائده ليرفع قدر شاعر آخر؟ وكيف مرّت هذه الحكايات على ألسنة الناس حتى زمن متأخر من العصور الأدبية كالأموي والعباسي، فصار لكل شاعر شيطانًا يوحي إليه أجود الشعر، ثم يتخفى تحت عباءته.

إنّ كل ما ذكر من شعر على لسان الجن يُدخلنا في دائرة الانتحال والسرقات، كما يُقدم لنا صورة متذبذبة عن الشعر الذي جاء عن شعراء تلك العصور، فما الذي كتبه الجنيُّ وما الذي كتبه الشعراء؟ كما إنّ ذلك يهدم جزءًا كبيرًا من موروثنا الشعري العربي، ويقلّل من قيمة الشعراء الذين ذاع صيتهم، إضافة إلى نشر جو من الغرائبية والطرافة على مجالس السَمَر واللهو؛ لذا شاعت أخبار شياطين الشعر وتناقلها الرواة وسارت بها الركبان من عصر إلى آخر حتى أصبحت خبرًا صادقًا صدَّقه الشعراء أنفسهم ونسبوه فعلًا وحدثًا لأنفسهم، وتباهوا به في أشعارهم للتعبير عن نبوغهم في الشعر وإجادتهم له.

جاء في كتاب تاريخ آداب العرب للرافعي: «...فإنّ أخبار الجن لا تُعرف إلا عن رجل من الأعراب أو رجل من الرواة الذين يقصّون للعامة وأشباه العامة، وقد يأتي القليل من ذلك عن الراوية الثقة يريد به الإغراب في حديث إن جاء به، وشعر إن أنشده، ليدير الكلام على روعة تؤكد معناه وتجعله ظريفًا غريبًا، فكأنه يستعين على بيان غرضه بضرب من التخييل، كما يستعين الكاتب أو الشاعر بمثل من المجاز. ولقد أفرط رواة الإسلام من أهل الأخبار في مزاعمهم عن الجن، ونسبوا إليها كل غريب وكل عظيم، لأنها مظنة كل ذلك في أوهامهم؛ وقفى على آثارهم جماعة من المتصوفة، حتى عيَّنوا أول من أسلم من الجن، وهو بزعمهم (هامة بن الهام بن لاقيس بن إبليس ...) وأول نبيّ أرسل إلى الجن فيما قالوا (عامر بن عمير بن الجان) فقتلوه وقتلوا بعده 800 نبي». (ص310)

أما كتاب (الحياة العربية من الشعر الجاهلي) فيرد مثل هذه الحكايات إلى العاقل الباطن الذي يرى أنّ الكتابة تصدر في تلك اللحظة من العقل الباطن، فبعد أن أورد عبارة لريلكه في هذا الموضوع وهي :»...ويقول ريلكه، إنه ظل أسير الأرواح ثلاثة أيام لم ينقطع فيها نظمه، وأخرج ديوانا من دواوينه الروائع، وأعجبه، وألح الجن أن ينشره، فرضي على شريطة أن يكون النشر بعد وفاته، حتى لا يتحمل تبعة شعر أملاه عليه جنيٌّ جالس قبالته»، فبعد أن أورد هذه الجملة، عاد قائلًا: «ولكن علم النفس يعزو هذا كله إلى العقل الباطن، وقد كشفت الدراسات التي قام بها علماء التحليل النفسي عن كثير من عمل العقل الباطن عند الفنان، وانتهوا إلى أن الإنتاج الفني يصدر غالبا عن العقل الباطن كأنه حلم يقظة». وقال: «التحليل النفسي يعزو إلى العقل الباطن الإنتاج الأدبي الرفيع، وقد عبّر الشعراء العرب والإفرنج عن هذا العقل بأنه قوى خفية تلهم، وسموها شياطين.

وإذ كان الشعر يحلق بجناحين من الخيال فقد حق للشعراء أن ينطلقوا مع خيالهم فينسبوا شعرهم إلى قوى وراء حسهم، وتصورهم هذه القوى شياطين ألصق بالخيال وأدنى إلى الشعر من التحليل النفسي الذي يرجع الإنتاج الأدبي إلى العقل الباطن للشاعر، أي إلى الشاعر نفسه». (ص388)

هنا، تتداخل روايات الرواة وعلاقات الشعراء بالجن مع نظرية الشك التي طرحها طه حسين عن الشعر الجاهلي، وإلى أي حد يظهر أثر الرواة في الشعر الذي كُتب بعد مئات السنين من إنشاده، وهنا أيضا يبقى الباب مفتوحًا على أسئلة ذات مدلولات عميقة حول الشعر الجاهلي وموضوعاته منذ تشكّله إلى اليوم.

الآن، وبعد قرون من الشعر الجاهلي مثلًا، هل يمكن الاعتقاد بأن امرأ القيس أو النابغة أو الأعشى أو حتى الفرزدق وجرير وبشار والمتنبي لم يكونوا من الشعراء الفحول، وإنهم ليسوا إلا مرددين لأشعار غيرهم، وأنَّ هذا النبوغ الشعري مردّه لطاقة خفية يتستّر وراءها جنّيٌ أفصح وأبلغ منهم، وقد تخلى عن قصائده لسبب أو لآخر، ثم عاد في روايات مجهولة على ألسنة رواةٍ يتفاخر بنبوغه وتفوقه الشعري بعد سنوات طويلة من رحيل الشعراء.

أصبح باب الشك مفتوحا على مصراعيه، فقد آمن الشعراء أنفسهم بذلك، كما آمن العرب الأوائل به أيضا، وصار للجن مدينتهم الشعرية التي تعبّر عن شاعرية شعرائهم، ولعل ذلك ما رمى إليه أبو العلاء المعري في (رسالة الغفران ص100) في حديثه عن أشعار الجن قائلًا: «...فيقول: ما اسمك أيها الشيخ؟ فيقول: أنا الخيثعور أحد بني الشيصبان، ولسنا من ولد إبليس ولكنا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبل ولد آدم، صلى الله عليه. فيقول: أخبرني عن أشعار الجن، فقد جمع منها المعروف بالمرزباني قطعة صالحة.

فيقول ذلك الشيخ: إنما ذلك هذيان لا معتمد عليه، وهل يعرف البشر من النظيم إلا كما تعرف البقر من علم الهيئة ومساحة الأرض؟ وإنما لهم خمسة عشر جنسًا من الموزون قل ما يعدوها القائلون، وإن لنا لآلاف أوزان ما سمع بها الإنس، وإنما كانت تخطر بهم أُطيفالٌ منا عارمون، فتنفث إليهم مقدار الضوارة من أراك نعمان. ولقد نظمتُ الرجز والقصيد قبل أَن يَخْلُقَ اللهُ آدَمَ بكور أو كورين. وقد بلغني أنكم معشر الإنس تلهجون بقصيدة امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

وتُحفّظونها الحزاورة في المكاتب، وإن شئتَ أمليتُك ألف كلمة على هذا الوزن على مثل: منزل وحومل، وألفاً على ذلك القري يجيء على: منزلُ وحوملُ، وألفاً على: منزلا وحوملا، وألفًا على: منزلَهْ وحوملَهْ، وألفًا على: منزلُهْ وحوملُهْ، وألفًا على: منزلِهْ وحوملِهْ. وكل ذلك لشاعر منا هلك وهو كافر، وهو الآن يشتعل في أطباق الجحيم...».

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الشعر الجاهلی العقل الباطن من الشعر من الجن الذی ک ی الذی الجن ی

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • شبانة: قطر حققت نحو 3 مليارات ريال من كأس العرب
  • 5 صفات تجعلك من علماء الآخرة .. الإفتاء تكشف عنها
  • 3 عادات يومية شائعة وراء تساقط الشعر المُبكّر لدى النساء .. طرق العلاج والوقاية
  • فيتامين د.. كيف ينعكس نقصه على البشرة والشعر؟
  • وصفات تكثيف الشعر بالزيوت الطبيعية.. حلول منزلية تمنح الشعر قوة وكثافة ولمعانًا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • المقاولون يفتح أبوابه لاكتشاف المواهب .. انطلاق اختبارات قطاع الناشئين السبت
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • بـ «الروبوتات» و«البلاي ستيشن».. الأنبا مينا يفتتح النادي الصيفي بكاتدرائية العذراء ببرج العرب
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟