غزة - صفا قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي اتبّع خلال جريمة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة منذ أكثر من عامين سياسةً منهجيةً تقوم على دفن جثامين فلسطينيين في مقابر مجهولة.  وأوضح المرصد في بيان يوم الأربعاء، أن عمليات الدفن شملت كذلك، محيط مراكز توزيع المساعدات التي فرضها وسط وجنوبي القطاع، في ظروف تحول دون تحديد هوية الضحايا ومواقع دفنهم وتمكين عائلاتهم من معرفة مصيرهم.

وذكر أنّ التحقيق الذي نشرته شبكة "سي إن إن" يعزّز المعطيات التي توصّل إليها استنادًا إلى شهادات موثّقة، ويستوجب فتح تحقيق دولي مستقل لكشف أسماء الضحايا وتحديد أماكن دفنهم وضمان المساءلة عن هذه الممارسات. وأوضح أنّه وثّق هذه الممارسات ضمن برنامج توثيق ممنهج شمل تحقيقات ميدانية واسعة في شمالي قطاع غزة وجنوبه، ومقابلات مع ناجين وشهود عيان وأسر مفقودين. وأشار إلى أنه تم جمع بيانات من الطواقم الطبية والجهات المحلية وتحليل منظّم للمواد البصرية المتاحة والتدقيق المتقاطع في المعطيات، بما كشف عن نمط منظم وواسع النطاق لعمليات الدفن يعكس سياسة معتمدة من جيش الاحتلال، وعلى نحو لا يمكن قانونًا التعامل معه كحوادث فردية معزولة. وبيّن أنّ عمليات التوثيق التي أجراها فريقه الميداني أظهرت أنّ القوات الإسرائيلية عمدت في حالات متكررة إلى دفن جثامين في ساحات عامة وأراضٍ مفتوحة ومناطق متاخمة لمنشآت حيوية، بما في ذلك قرب مراكز توزيع المساعدات والمستشفيات والمدارس. وأضاف أن ذلك جاء بعد إغلاق هذه المناطق عسكريًا ومنع الطواقم الطبية وذوي الضحايا والسكان من الوصول إلى الجثامين أو نقلها ودفنها أصوليًا، على نحوٍ يطمس الأدلة المحتملة على عمليات قتل غير مشروع ويحول دون أي تحقيق فعّال فيها، ويحرم في الوقت ذاته عائلات الضحايا من حقها في وداع أقاربها ومعرفة أماكن دفنهم، في مساس إضافي بكرامتهم الإنسانية وحقوقهم المكفولة بموجب القانون الدولي. وأشار إلى أنّ عائلات فلسطينية عديدة عثرت، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، على جثامين أقاربها مدفونة في حفر سطحية تركتها خلفها. وذكر أن هذا النمط تكرّر على نحو خاص في محيط مراكز توزيع المساعدات وعلى طول ممرات التهجير القسري، في سياق عمليات عسكرية اقترنت بالحصار والتجويع وفرض النزوح الواسع على السكان المدنيين. ولفت إلى أنّ ما كشفته شبكة "سي إن إن" بشأن دفن جيش الاحتلال فلسطينيين قرب نقاط توزيع المساعدات يتوافق مع ما وثّقه خلال الأشهر الماضية. وأظهرت الشهادات التي جمعها فريقه الميداني أنّ قوات الاحتلال كانت تمنع المدنيين والطواقم الطبية من الوصول إلى الجثامين لساعات أو أيام، ثم تنفّذ عمليات دفن سريعة تُخفي هوية الضحايا وتُطمس معها الأدلة المحتملة على عمليات القتل غير المشروع، ما يعرقل عمدًا أي تحقيق لاحق في الجريمة، ويضع عائلات الضحايا أمام معاناة إضافية بحرمانهم من معرفة مصير أبنائهم ودفنهم بطريقة لائقة. ونبّه إلى أنّه تحقّق من موثوقية شهادة متعاقد ألماني عمل مع مؤسسة إنسانية في غزة، عبر إجراءات التحقّق المعتمدة في عمله، والتي شملت مراجعة المعطيات المتاحة والتقاطُع مع مصادر مستقلة أخرى. وأفاد الشاهد بأنّه رأى جيش الاحتلال يطلق النار على مدنيين فلسطينيين كانوا يحاولون الحصول على مساعدات إنسانية، ما أدى إلى استشهاد عدد منهم، ثم طُلِب منه بعد ذلك تنظيف المنطقة، بما في ذلك جرف جثامين وبقايا جثامين. وقال المتعاقد الألماني في إفادته: "أسوأ شيء عشته في حياتي، بعد إطلاق النار على المدنيين الذين كانوا يحاولون الحصول على المساعدات، الطلب مني تنظيف المنطقة، كان هناك بقايا جثث، وإطلاق النار كثيفًا جدًا وقد كان هناك العديد من بقايا الجثث بقيت هناك والرائحة كانت سيئة". وأضاف "اشتكيت للضابط في الجيش الإسرائيلي، فكان ردّه هذا ليس شأنكم. كان عليّ وضع بقايا الجثث في مؤخرة الشاحنة لإلقائها بعيدًا. عندما طُلب مني تنفيذ المهمة لم يتم تحذيري عن حقيقة الوضع. أجد صعوبة في التحدث عن الأمر، أشعر بقلبي ينبض بقوة وبالانهيار". وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ ما لا يقل عن 45 شخصًا فُقدت آثارهم في محيط مراكز توزيع المساعدات في قطاع غزة، وما يزال مصيرهم مجهولًا، سواء تعلّق الأمر باعتقالهم وإخضاعهم للإخفاء القسري في سجون الاحتلال، أو قتلهم ودفن جثامينهم في مواقع رملية عشوائية وغير محددة قرب تلك المراكز. وأشار إلى أنّه سبق أن تحقّق، في مارس/آذار 2024، من مقطع فيديو جرى تداوله ويُظهر من مسافة بعيدة رجلين يسيران على طول شاطئ غزة، منفصلين عن بعضهما البعض، يلوّحان بأعلام بيضاء ترمز إلى الاستسلام بينما يقتربان بحذر من مجموعة من الجنود الإسرائيليين على شارع الرشيد في المنطقة التي كان يقام فيها حاجز يفصل شمالي القطاع عن وسطه وجنوبه. ويُظهر المقطع أحد الرجلين وهو يتقدّم نحو الجنود ويداه مرفوعتان في الهواء قبل أن يختفي خلف كومة من الرمال والخرسانة. فيما يحاول الرجل الآخر الابتعاد مسرعًا عن الجنود، لتتبعه آلية عسكرية إسرائيلية قبل أن يسقط فجأة على الرمال فيما يبدو أنه نتيجة إصابته برصاصة، ثم تظهر جرافة عسكرية إسرائيلية وهي تقوم بدفن جثتين في الرمال والحطام. وأكّد المرصد أن الحادثة المذكورة تشكّل نمطًا متكرّرًا من نزع الإنسانية المقصود عن أفراد الجماعة واستخدام الرعب وسيلة لتفكيكها وإجبارها على الخضوع والنزوح واعتبر ذلك مؤشّر إضافي على توفّر القصد الخاص لجريمة الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي، إلى جانب قابلية هذه الأفعال، في الوقت ذاته، للتكييف كجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مكتملة الأركان. وطالب المرصد بفتح تحقيق دولي مستقل وشامل في نمط عمليات الدفن التي نفذها جيش الاحتلال في محيط المناطق المكتظة ونقاط المساعدات وممرات التهجير القسري، بما في ذلك وقائع إطلاق النار على طالبي المساعدة. وأكد ضرورة أن يكون لهذا التحقيق ولاية كاملة في جمع الأدلة وتحليلها وتحديد المسؤوليات الجنائية الفردية عن الجرائم المحتملة، بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية. ودعا إلى الكشف الفوري عن جميع مواقع المقابر الجماعية والفردية التي أنشأتها قوات الاحتلال خلال العمليات العسكرية في غزة، واتخاذ تدابير عاجلة لحمايتها بوصفها أماكن يحتمل أن تكون مسارح لجرائم دولية، ومنع أي نقل أو إتلاف للجثامين أو العبث بالأدلة. وطالب بضرورة السماح بدخول فرق طب شرعي مستقلة إلى القطاع، ورفع القيود التي تفرضها "إسرائيل" على إدخال معدات وأدوات فحوص الحمض النووي، أو وضع آلية آمنة لنقل العينات إلى مختبرات متخصصة خارج غزة، بما يضمن إمكان التعرّف على الضحايا وتوثيق الجرائم توثيقًا سليمًا. وناشد بالضغط على "إسرائيل" لتكشف بصورة شفافة عن قوائم الأشخاص الذين خضعوا لسيطرتها خلال العمليات العسكرية، سواء كجثامين أو كمفقودين أو كمعتقلين، وتبيّن أماكن الدفن أو الاحتجاز، بما يضع حدًا لحالة عدم اليقين التي تعيشها عائلات الضحايا، وبما يوفّر أساسًا لبدء إجراءات جدية للكشف عن الحقيقة وجبر الضرر. وحثّ المرصد "إسرائيل" على الكشف الفوري عن مصير جميع الأشخاص الذين اعتقلتهم ولا تزال تمارس بحقهم الإخفاء القسري، ووقف هذه الممارسة غير المشروعة. وأكد على ضرورة تمكين المحتجزين من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، والإفراج عن كل من لا يستند احتجازه إلى أساس قانوني واضح ومحدد، انسجامًا مع قواعد القانون الدولي. وشدّد على ضرورة تمكين العائلات والجهات الفلسطينية المختصة من استرداد جثامين الضحايا ودفنها وفقًا للمعايير الدينية والإنسانية والقانونية، وضمان إشراك ذوي الضحايا في إجراءات التعرّف على الجثامين وتزويدهم بالمعلومات الكاملة حول مصير أقاربهم، إلى جانب توفير الدعم اللازم لهم. وأكد وجوب اضطلاع الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف وسائر الدول المعنية بدورها في ضمان المساءلة عن هذه الجرائم، بما في ذلك فتح تحقيقات وطنية ودولية واستخدام الولاية القضائية العالمية عند الاقتضاء، واتخاذ تدابير فعالة تكفل عدم تكرار هذه الممارسات.

المصدر

المصدر: وكالة الصحافة الفلسطينية

كلمات دلالية: الأورومتوسطي جثامين شهداء غزة مراکز توزیع المساعدات جیش الاحتلال بما فی ذلک إلى أن

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • عفو ومصالحة في «بني محمديات».. أسر الضحايا تستجيب لدعوة شيخ الأزهر
  • عفو ومصالحة في بني محمديات.. أسر الضحايا تستجيب لدعوة شيخ الأزهر بإنهاء الخصومة الثأرية
  • إصابة 10 فلسطينيين جراء قصف الإحتلال خيمة غرب غزة
  • نداءات عاجلة عبر لبنان 24 لتأمين انتشال جثامين شهداء
  • استشهاد 3 فلسطينيين بنيران إسرائيلية في غزة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • جيش الاحتلال ينفذ عمليات تدمير واسعة ببلدات الجنوب اللبناني
  • نتنياهو: ننفذ الآن عمليات في عمق لبنان.. وسنواصل حتى استكمال المهمة
  • جيش الاحتلال ينفذ عمليات واسعة في عمق لبنان (بث مباشر)
  • قتلى وجرحى في صفوف جنود العدو جراء عمليات حزب الله المستمرة