عربي21:
2026-07-24@22:48:29 GMT

هل تستحوذ الإمارات على مشروع محمد مرسي!

تاريخ النشر: 3rd, December 2025 GMT

منذ أن وقف ديليسبس على ضفاف برزخ ضيق بين بحرين وراح يُقنع الخديوي سعيد بأن شق الرمل سيشق التاريخ؛ لم تصبح قناة السويس مجرد ممر مائي بل أصبحت ميزانا حساسا يُظهر لمن تكون الكلمة في الإقليم. فكل قوة مرّت من هنا تركت ظلها: من الاحتلال الأوروبي إلى الاحتلال العسكري عام 1952؛ كل حروبنا في التاريخ الحديث دارت من أجل هذا الشريان الأزرق، وحتى التحولات الاقتصادية التي جعلت القناة قلبا نابضا في جسد التجارة العالمية؛ ما من لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة إلا وكانت القناة أحد فصولها المخفية.



واليوم تعود القناة لواجهة الصراع ليس لاحتلال أجنبي عسكري جديد، بل باحتلال اقتصادي يتغلغل كالسرطان في الجسد وهو أشد فتكا من الاحتلال العسكري.

محطات على جانبي القناة.. أم محطات على بوابة السيادة

ليست كل القرارات الاقتصادية تُقرأ من ظاهرها ولا كل المشاريع تُقاس بأرقامها اللامعة، أحيانا يكون المشروع مجرد جملة منمقة تُخفي خلفها مسارا سياسيا كاملا، وربما قدرا جديدا ترسمه الدولة لمنطقة من أكثر مناطقها حساسية.

وهكذا يبدو القرار الأخير بإنشاء محطات تموين ثابتة وعائمة في قناة السويس بقيمة مليار دولار قرارا يبدو للوهلة الأولى تطويريا، لكنه في الحقيقة يفتح بابا واسعا للأسئلة.. أسئلة تمس جوهر السيادة قبل أن تمس الاقتصاد.

بين لغة الاستثمار.. وملامح الاستحواذ

اللغة الرسمية تتحدث عن "شراكة مع القطاع الخاص" وكأنها وصف سحري يوقظ في الأذهان روح المبادرة وثراء المستقبل، لكننا في مصر تعلمنا أن المصطلحات لا تحمل دائما معناها، وأن "القطاع الخاص" ليس دائما مصريا، ولا وطنيا، ولا حتى شريكا بالمعنى الحقيقي بل قد يكون بوابة لدخول نفوذ خارجي يندس عبر الاقتصاد ليصل إلى السياسة.

في مشروع كهذا لا يبدو أن الهدف مجرد بيع الوقود للسفن، الهدف الأعمق هو من يملك الخدمة ومن يتحكم في عصب الملاحة البحرية، ومن يجلس على بوابة البحر التي تمر منها 12 في المئة من تجارة العالم.

لمن تُبنى المحطات؟

المليار دولار ليست السؤال.. السؤال هو: من سيدير هذه المحطات حين تُبنى ومن سيحصد أرباحها، ومن يستيقظ يوما ليجد أن خدمات القناة خدمات القناة التي حافظ عليها المصريون بدمائهم قد أصبحت ورقة في يد شركة أجنبية أو صندوق سيادي لدولة ليست مصر؟

المشكلة ليست في محطة الوقود، بل في أن من يملك محطة الوقود اليوم يستطيع أن يملك قرار الحركة غدا.

القناة ليست مشروعا عقاريا

القناة ليست أرضا في أطراف العاصمة تُباع وتُشترى، هي شريان سيادي خط دم قومي لا يجوز الاقتراب منه بقواعد الاستثمار العادية. لكن حين تُضغط الدولة اقتصاديا، وحين يحتاج صانع القرار إلى "سيولة عاجلة"، يصبح كل شيء قابلا لإعادة التفاوض: من أسعار الخدمات إلى حدود النفوذ إلى أعمدة السيادة نفسها.

وهنا تكمن الخطورة؛ القرار الاقتصادي الذي يُتخذ تحت ضغط قد يتحول مع الزمن إلى واقع سياسي لا يمكن التراجع عنه.

اقتصاد مقيد.. فيستدعي شركاء بلا سقف

ليس سرا أن الدولة تبحث عن دولارات عاجلة، وليس سرا أن الحكومات الخليجية تمتلك فائضا ماليا ورغبة متزايدة في النفاذ إلى أصول استراتيجية في المنطقة، وعندما يلتقي العطش بالوفرة تتولد صفقات تبدو "استثمارية" على الورق لكنها في الحقيقة توزيع جديد للسلطة الاقتصادية.

ولأن الخدمات البحرية في القناة هي الذهب الحقيقي، فقد حانت اللحظة التي يرى فيها الشركاء لا المستثمرون فرصتهم للتمدد.

الفصل الذي لا يريد أحد أن يتذكره: مشروع مرسي.. وجبل علي

ما يحدث اليوم ليس جديدا، فقبل اثني عشر عاما فقط عندما حاول الرئيس الراحل محمد مرسي إعادة صياغة مستقبل القناة عبر مشروع لوجيستي ضخم كان سيقلب توازنات المنطقة؛ تدخل الإقليم لوقف المشروع لأن القناة حين تُدار بأيدي المصريين وحدهم يتغير شكل الخليج، وشرق المتوسط وتختل موازين القوة التجارية.

حينها انتفض كل أعداء مصر متربصين بذاك المشروع الذي اعتبرته الإمارات وكل الموالين لها مشروعا خطيرا على أمنها القومي والاقتصادي؛ لأنه ببساطة سيجذب خطوط الملاحة ويخلق مناطق تصنيع كاملة، ويجعل من الممر المصري منافسا مباشرا وربما مدمرا منطقة جبل علي.

لذلك تحركت الإمارات بكل ثقلها، ولذلك كان مشروع القناة أحد أهم الأسباب التي جعلتها تدعم الانقلاب على مرسي بلا تردد؛ لأن المشروع لم يكن تطويرا بل كان منافسة، والمنافسة في أعين بعض الدول خطيئة لا تُغتفر. وهذا ما كشفته الوثائق لاحقا.

فلماذا تصمت الإمارات اليوم؟ الصمت ليس غيابا عن المشهد، الصمت قد يكون حضورا كاملا؛ لأن ما عرضه السيسي اليوم ليس مشروعا قوميا مصريا خالصا كالذي عرضه مرسي سابقا، بل مشروعا استثماريا مصري الاسم أجنبي الهوية، فلا يجد أصحاب النفوذ اليوم أنفسهم مضطرين للاعتراض. فالقرار لم يعد تهديدا لهم بل ربما امتدادا لهم، لأن الإمارات لم تعد تخشى من مشروع يزيح جبل علي، لماذا؟ لأنها غالبا ستكون جزءا منه، أو مالكة لأصوله، أو ممسكة بخيوط إدارته، أو شريكا رئيسيا في عوائده، أو على الأقل لديها حق الفيتو غير المعلن في تصميمه وتشغيله.

حين يتحول المشروع من منافس إلى ذراع، من تهديد إلى استثمار، من خصم إلى شريك؛ ينتهي الخوف ويبدأ الصمت، وهذا هو مربط الفرس.

الاقتصاد لا ينفصل عن الجغرافيا.. ولا الجغرافيا عن التاريخ

حين نفهم الضرورات الجيوسياسية ندرك أن السيطرة على الخدمات البحرية تعني التحكم في مستقبل الممر نفسه، والممر الذي يبدأ بمحطة تموين قد ينتهي بإدارة تشغيل ثم باتفاقية خدمة طويلة ثم بشراكة ممتدة تتجاوز عمر الحكومات. هكذا تُبنى التحولات الكبرى، بخطوة صغيرة ثم خطوة أكبر ثم واقع كامل يصعب تغييره.

من يدفع الثمن؟ الشعب.. دائما الشعب، فالمشاريع التي تُبنى بالدين تُسدد من جيوبه، والمشاريع التي تُخصخص تدريجيا تُفقده ملكية مرافقه العامة، والمشاريع التي تُسلَّم لجهات خارجية تُقيد سيادته لعقود.

نظل نحن الشعب الوحيد الذي يسير ماضيه مع حاضره في دوائر لا نهائية وليس في خطوط مستقيمة، نفس الأخطاء ونفس ردود الفعل، مشاريعنا القومية تصبح أدوات للتحكم الأجنبي بنا، والشاهد قناة السويس.

وفي النهاية لا يبقى من القرار سوى سؤال واحد: هل كانت مصر بحاجة إلى محطات تموين.. أم كانت المحطات بحاجة إلى مصر؟

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات قناة السويس المشاريع مصر الإمارات مصر الإمارات قناة السويس البحر الاحمر مشاريع مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة التی ت

إقرأ أيضاً:

محمد بن راشد يعتمد البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي في الدولة

 

 

اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله”، البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي في الدولة، في خطوة إستراتيجية تجسد التزام الدولة بتعزيز جودة الإحصاءات الاقتصادية الرسمية، بما يواكب التحولات الاقتصادية المتسارعة، ويرسخ مكانة دولة الإمارات ضمن الاقتصادات العالمية الرائدة.

ويشمل البرنامج اعتماد 2024 سنة أساس موحدة للحسابات القومية على مستوى الدولة، وإعادة بناء السلسلة الزمنية الوطنية للناتج المحلي الإجمالي للفترة (2010–2026)، بما يقدم صورة أكثر دقة وشمولية للحجم الحقيقي للاقتصاد الإماراتي وتنوعه وزخم نموه، ويُعزز موثوقية الإحصاءات الاقتصادية الرسمية، ويُرسخ قابليتها للمقارنة على المستوى الدولي، دعماً لصناعة القرار الاقتصادي وصياغة السياسات الوطنية والتخطيط المستقبلي، كما يُعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، وبما يساهم في إبراز مكانة دولة الإمارات كقوة اقتصادية عالمية.

ويأتي البرنامج استجابة للتحولات الهيكلية التي شهدها الاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها النمو المتسارع للأنشطة الاقتصادية غير النفطية، والتوسع في قطاعات الخدمات والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والاستثمار، إلى جانب الاستفادة من مصادر البيانات الإدارية الحديثة، بما في ذلك البيانات الناتجة عن تطبيق ضريبة الشركات وضريبة القيمة المضافة، الأمر الذي يوفر تغطية أكثر شمولية للأنشطة الاقتصادية ويسهم في رفع دقة قياسها بما يعكس الواقع الاقتصادي للدولة.

ويستند البرنامج إلى إطار وطني متكامل لتحديث ومواءمة الحسابات القومية، بما يتوافق مع نظام الحسابات القومية الصادر عن الأمم المتحدة، وأفضل المعايير والتوصيات الإحصائية الدولية، وذلك من خلال تحديث سنة الأساس، وتوسيع مصادر البيانات، وتعزيز تكامل السجلات الإدارية، بما يضمن إنتاج مؤشرات اقتصادية أكثر دقة واتساقاً وشفافية وفق أحدث الممارسات الدولية.

كما يعكس البرنامج توجهاً مؤسسياً لترسيخ تحديث سنة الأساس بصورة دورية وفق أفضل المعايير والممارسات الإحصائية الدولية، إلى جانب اعتماد منهجية وطنية موحدة لمراجعة بيانات الناتج المحلي الإجمالي على مستوى الدولة، بما يضمن استدامة تطوير المنظومة الإحصائية الوطنية ومواكبتها للتحولات الاقتصادية.

وستتم جميع التحديثات المستقبلية وفق الأطر المنهجية الدولية المعتمدة وبناءً على جاهزية البيانات الوطنية وتوافرها، بما يضمن الحفاظ على جودة الإحصاءات الرسمية وقابليتها للمقارنة دولياً.

ويشمل البرنامج الوطني مراجعة شاملة للحسابات القومية التي تعد ممارسة إحصائية عالمية تتبناها الأنظمة الإحصائية المتقدمة بشكل دوري عند تطور الاقتصادات الوطنية وتوفّر مصادر بيانات أكثر شمولاً، بهدف تعزيز جودة قياس الناتج المحلي الإجمالي نتيجة التطور المستمر في المنهجيات الإحصائية ومصادر البيانات، ويواكب النمو الاقتصادي للدولة.

ويُنفذ البرنامج من خلال شراكة وطنية متكاملة يقودها المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، باعتباره الجهة الوطنية المعنية بتوحيد الإحصاءات الرسمية على مستوى الدولة، بالتنسيق مع مراكز الإحصاء المحلية في مختلف الإمارات، والجهات الاتحادية المزودة للبيانات، في إطار المنظومة الإحصائية الوطنية، بما يعزز تكامل الأدوار وتوحيد مصادر البيانات، وتشمل الشراكة عدداً من الجهات الوطنية الرئيسة، من أبرزها مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، ووزارة المالية، والهيئة الاتحادية للضرائب، ووزارة الموارد البشرية والتوطين، وجهاز الإمارات للاستثمار، وشركة الاتحاد للماء والكهرباء، وغيرها من الجهات الوطنية، بما يوفر قاعدة بيانات اقتصادية وطنية متكاملة تدعم بناء سلسلة زمنية للناتج المحلي الإجمالي أكثر شمولية ودقة.

جدير بالذكر أن البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي، يُعد بمثابة المظلة الإستراتيجية لتحديث المنظومة الإحصائية الوطنية لدولة الإمارات، من خلال حزمة متكاملة من المبادرات التشريعية والمؤسسية والتقنية، تشمل المراجعة الوطنية الشاملة للناتج المحلي الإجمالي، والإستراتيجية الوطنية للمنظومة الإحصائية، وحزمة السياسات الداعمة للعمل الإحصائي، والمنصة الوطنية للبيانات الإحصائية، وبرنامج بناء القيادات الإحصائية، ووثيقة مبادئ الإمارات للإحصاءات الرسمية، ما يدعم صناعة القرار الاقتصادي، ويُرسخ تنافسية الدولة، بوصفها نموذجاً عالمياً رائداً في تطوير وإنتاج الإحصاءات الاقتصادية الرسمية. وام


مقالات مشابهة

  • مشروع سجن التماسيح.. خطة إسرائيلية لتشديد القيود على أسرى النخبة
  • مركز بيانات واستضافة تطبيقات «الذكاء الاصطناعي».. مشروع رقمي جديد لوزارة الاقتصاد
  • مشروع شبابي في شمال الشرقية لتحويل الأفكار إلى مبادرات تنموية
  • "وصال".. مشروع طلابي بجامعة حلوان التكنولوجية الدولية لترجمة لغة الإشارة العربية بالذكاء الاصطناعي
  • مايا مرسي تبحث مع «البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة» التوسع في برامج التمكين الاقتصادي بالريف المصري
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • محمد بن راشد يعتمد البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي في الدولة
  • غزل المحلة يطلق مشروع Pro Makers لاكتشاف وتأهيل اللاعبين للاحتراف
  • الصراع الخفي بين فرنسا وألمانيا.. لماذا فشل مشروع الطائرة الخارقة الأوروبي؟
  • وزير النقل التركي في حوار للجزيرة نت: نضع قريبا حجر الأساس لمشروع طريق التنمية مع العراق