هل تستحوذ الإمارات على مشروع محمد مرسي!
تاريخ النشر: 3rd, December 2025 GMT
منذ أن وقف ديليسبس على ضفاف برزخ ضيق بين بحرين وراح يُقنع الخديوي سعيد بأن شق الرمل سيشق التاريخ؛ لم تصبح قناة السويس مجرد ممر مائي بل أصبحت ميزانا حساسا يُظهر لمن تكون الكلمة في الإقليم. فكل قوة مرّت من هنا تركت ظلها: من الاحتلال الأوروبي إلى الاحتلال العسكري عام 1952؛ كل حروبنا في التاريخ الحديث دارت من أجل هذا الشريان الأزرق، وحتى التحولات الاقتصادية التي جعلت القناة قلبا نابضا في جسد التجارة العالمية؛ ما من لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة إلا وكانت القناة أحد فصولها المخفية.
واليوم تعود القناة لواجهة الصراع ليس لاحتلال أجنبي عسكري جديد، بل باحتلال اقتصادي يتغلغل كالسرطان في الجسد وهو أشد فتكا من الاحتلال العسكري.
محطات على جانبي القناة.. أم محطات على بوابة السيادة
ليست كل القرارات الاقتصادية تُقرأ من ظاهرها ولا كل المشاريع تُقاس بأرقامها اللامعة، أحيانا يكون المشروع مجرد جملة منمقة تُخفي خلفها مسارا سياسيا كاملا، وربما قدرا جديدا ترسمه الدولة لمنطقة من أكثر مناطقها حساسية.
وهكذا يبدو القرار الأخير بإنشاء محطات تموين ثابتة وعائمة في قناة السويس بقيمة مليار دولار قرارا يبدو للوهلة الأولى تطويريا، لكنه في الحقيقة يفتح بابا واسعا للأسئلة.. أسئلة تمس جوهر السيادة قبل أن تمس الاقتصاد.
بين لغة الاستثمار.. وملامح الاستحواذ
اللغة الرسمية تتحدث عن "شراكة مع القطاع الخاص" وكأنها وصف سحري يوقظ في الأذهان روح المبادرة وثراء المستقبل، لكننا في مصر تعلمنا أن المصطلحات لا تحمل دائما معناها، وأن "القطاع الخاص" ليس دائما مصريا، ولا وطنيا، ولا حتى شريكا بالمعنى الحقيقي بل قد يكون بوابة لدخول نفوذ خارجي يندس عبر الاقتصاد ليصل إلى السياسة.
في مشروع كهذا لا يبدو أن الهدف مجرد بيع الوقود للسفن، الهدف الأعمق هو من يملك الخدمة ومن يتحكم في عصب الملاحة البحرية، ومن يجلس على بوابة البحر التي تمر منها 12 في المئة من تجارة العالم.
لمن تُبنى المحطات؟
المليار دولار ليست السؤال.. السؤال هو: من سيدير هذه المحطات حين تُبنى ومن سيحصد أرباحها، ومن يستيقظ يوما ليجد أن خدمات القناة خدمات القناة التي حافظ عليها المصريون بدمائهم قد أصبحت ورقة في يد شركة أجنبية أو صندوق سيادي لدولة ليست مصر؟
المشكلة ليست في محطة الوقود، بل في أن من يملك محطة الوقود اليوم يستطيع أن يملك قرار الحركة غدا.
القناة ليست مشروعا عقاريا
القناة ليست أرضا في أطراف العاصمة تُباع وتُشترى، هي شريان سيادي خط دم قومي لا يجوز الاقتراب منه بقواعد الاستثمار العادية. لكن حين تُضغط الدولة اقتصاديا، وحين يحتاج صانع القرار إلى "سيولة عاجلة"، يصبح كل شيء قابلا لإعادة التفاوض: من أسعار الخدمات إلى حدود النفوذ إلى أعمدة السيادة نفسها.
وهنا تكمن الخطورة؛ القرار الاقتصادي الذي يُتخذ تحت ضغط قد يتحول مع الزمن إلى واقع سياسي لا يمكن التراجع عنه.
اقتصاد مقيد.. فيستدعي شركاء بلا سقف
ليس سرا أن الدولة تبحث عن دولارات عاجلة، وليس سرا أن الحكومات الخليجية تمتلك فائضا ماليا ورغبة متزايدة في النفاذ إلى أصول استراتيجية في المنطقة، وعندما يلتقي العطش بالوفرة تتولد صفقات تبدو "استثمارية" على الورق لكنها في الحقيقة توزيع جديد للسلطة الاقتصادية.
ولأن الخدمات البحرية في القناة هي الذهب الحقيقي، فقد حانت اللحظة التي يرى فيها الشركاء لا المستثمرون فرصتهم للتمدد.
الفصل الذي لا يريد أحد أن يتذكره: مشروع مرسي.. وجبل علي
ما يحدث اليوم ليس جديدا، فقبل اثني عشر عاما فقط عندما حاول الرئيس الراحل محمد مرسي إعادة صياغة مستقبل القناة عبر مشروع لوجيستي ضخم كان سيقلب توازنات المنطقة؛ تدخل الإقليم لوقف المشروع لأن القناة حين تُدار بأيدي المصريين وحدهم يتغير شكل الخليج، وشرق المتوسط وتختل موازين القوة التجارية.
حينها انتفض كل أعداء مصر متربصين بذاك المشروع الذي اعتبرته الإمارات وكل الموالين لها مشروعا خطيرا على أمنها القومي والاقتصادي؛ لأنه ببساطة سيجذب خطوط الملاحة ويخلق مناطق تصنيع كاملة، ويجعل من الممر المصري منافسا مباشرا وربما مدمرا منطقة جبل علي.
لذلك تحركت الإمارات بكل ثقلها، ولذلك كان مشروع القناة أحد أهم الأسباب التي جعلتها تدعم الانقلاب على مرسي بلا تردد؛ لأن المشروع لم يكن تطويرا بل كان منافسة، والمنافسة في أعين بعض الدول خطيئة لا تُغتفر. وهذا ما كشفته الوثائق لاحقا.
فلماذا تصمت الإمارات اليوم؟ الصمت ليس غيابا عن المشهد، الصمت قد يكون حضورا كاملا؛ لأن ما عرضه السيسي اليوم ليس مشروعا قوميا مصريا خالصا كالذي عرضه مرسي سابقا، بل مشروعا استثماريا مصري الاسم أجنبي الهوية، فلا يجد أصحاب النفوذ اليوم أنفسهم مضطرين للاعتراض. فالقرار لم يعد تهديدا لهم بل ربما امتدادا لهم، لأن الإمارات لم تعد تخشى من مشروع يزيح جبل علي، لماذا؟ لأنها غالبا ستكون جزءا منه، أو مالكة لأصوله، أو ممسكة بخيوط إدارته، أو شريكا رئيسيا في عوائده، أو على الأقل لديها حق الفيتو غير المعلن في تصميمه وتشغيله.
حين يتحول المشروع من منافس إلى ذراع، من تهديد إلى استثمار، من خصم إلى شريك؛ ينتهي الخوف ويبدأ الصمت، وهذا هو مربط الفرس.
الاقتصاد لا ينفصل عن الجغرافيا.. ولا الجغرافيا عن التاريخ
حين نفهم الضرورات الجيوسياسية ندرك أن السيطرة على الخدمات البحرية تعني التحكم في مستقبل الممر نفسه، والممر الذي يبدأ بمحطة تموين قد ينتهي بإدارة تشغيل ثم باتفاقية خدمة طويلة ثم بشراكة ممتدة تتجاوز عمر الحكومات. هكذا تُبنى التحولات الكبرى، بخطوة صغيرة ثم خطوة أكبر ثم واقع كامل يصعب تغييره.
من يدفع الثمن؟ الشعب.. دائما الشعب، فالمشاريع التي تُبنى بالدين تُسدد من جيوبه، والمشاريع التي تُخصخص تدريجيا تُفقده ملكية مرافقه العامة، والمشاريع التي تُسلَّم لجهات خارجية تُقيد سيادته لعقود.
نظل نحن الشعب الوحيد الذي يسير ماضيه مع حاضره في دوائر لا نهائية وليس في خطوط مستقيمة، نفس الأخطاء ونفس ردود الفعل، مشاريعنا القومية تصبح أدوات للتحكم الأجنبي بنا، والشاهد قناة السويس.
وفي النهاية لا يبقى من القرار سوى سؤال واحد: هل كانت مصر بحاجة إلى محطات تموين.. أم كانت المحطات بحاجة إلى مصر؟
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات قناة السويس المشاريع مصر الإمارات مصر الإمارات قناة السويس البحر الاحمر مشاريع مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة التی ت
إقرأ أيضاً:
الرئيس الصربي يستقبل رئيس المجلس الوطني الاتحادي
استقبل فخامة ألكسندر فوتشيتش، رئيس جمهورية صربيا، معالي صقر غباش، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، والوفد المرافق له، وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها معاليه لجمهورية صربيا.
ونقل معالي صقر غباش إلى فخامة الرئيس الصربي تحيات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة "حفظه الله"، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله"، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، وتمنيات سموهم لجمهورية صربيا وشعبها الصديق دوام التقدم والازدهار .
من جانبه، حمّل فخامة الرئيس ألكسندر فوتشيتش معالي صقر غباش تحياته إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة "حفظه الله"، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله"، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، وتمنياته لدولة الإمارات حكومة وشعباً مزيدا من التقدم والرخاء .
ورحب فخامة الرئيس ألكسندر فوتشيتش، في مستهل اللقاء، بمعالي صقر غباش والوفد المرافق، معربا عن تقديره الكبير للعلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين الصديقين، والتي تشهد نموا وتطورا مستمرا في مختلف المجالات.
وأكد فخامته أن العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية صربيا، تعد نموذجا ناجحا للتعاون البنّاء القائم على الثقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مشيرا إلى حرص بلاده على تعزيز التعاون مع دولة الإمارات في المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية.
تم خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية صربيا في مختلف المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا والموضوعات محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها الأوضاع والتطورات في المنطقة.
من جانبه، قال معالي صقر غباش إن دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة "حفظه الله"، تحرص دائما على أن تكون علاقاتها بالدول قائمة على أسس راسخة من التعاون المشترك والصداقة والاحترام المتبادل وتوطيد مبادئ الأخوة والتعاون وترسيخ أسس السلام والتعايش.
وأكد معالي صقر غباش عمق العلاقات الإماراتية - الصربية، وما تشهده من تطور متواصل بفضل الرؤية المشتركة والحرص المتبادل من قيادتي البلدين على تعزيز التعاون والشراكة في مختلف المجالات، مشيراً إلى أن الثقة المتبادلة بين القيادتين أسهمت في فتح آفاق واسعة للتعاون الاقتصادي، والاستثماري، والتنموي، والتكنولوجي .
أخبار ذات صلة
ونوه معاليه إلى أن دولة الإمارات تنظر إلى صربيا باعتبارها شريكا مهما في جنوب شرق أوروبا، ودولة تتمتع بموقع استراتيجي وقدرة على الإسهام في تعزيز الاستقرار والتنمية والتواصل الاقتصادي في المنطقة، مؤكداً أهمية مواصلة البناء على ما تحقق من إنجازات لتعزيز الشراكة بين البلدين .
وقال معاليه: " تثمن دولة الإمارات المواقف الصربية الداعمة، لا سيما زيارة فخامة الرئيس الصربي إلى دولة الامارات في مارس الماضي وإدانته الاعتداءات الإيرانية الإرهابية التي استهدفت دولة الإمارات، ووقوف صربيا إلى جانب الدولة في مرحلة دقيقة، مؤكداً أن المواقف الصادقة تبقى راسخة في ذاكرة الدول والشعوب.
وأضاف معاليه:" أن أمن منطقة الخليج العربي لم يعد شأناً إقليمياً ، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الدولي، في ظل الترابط الوثيق بين استقرار الخليج وأمن الطاقة العالمي وسلامة سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية"، مشدداً على أن أي تهديد لأمن الخليج أو للممرات البحرية الحيوية أو للبنى التحتية للطاقة ستكون له انعكاسات مباشرة على الأسواق الأوروبية والاقتصاد العالمي.
وأكد معاليه أن العلاقات الإماراتية - الصربية تقوم على الثقة المشتركة والاحترام المتبادل بين الدولتين، وتمثل نموذجا لشراكة وثيقة تسهم في دعم الاستقرار والتنمية، مشيرا إلى أن دولة الإمارات وجمهورية صربيا تتشاركان نهجاً يقوم على بناء الجسور وتعزيز التعاون مع مختلف دول العالم، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني والسيادي.
وأكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون البرلماني والاقتصادي والاستثماري، وتوسيع مجالات الشراكة لتشمل قطاعات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الصديقين.
وشددا على أهمية الحوار والتعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة، وتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة، وترسيخ قيم التفاهم والتعايش بين الشعوب.
حضر اللقاء أحمد برغش المنهالي سفير الدولة لدولة لدي جمهورية صربيا، وسعادة كل من سعيد راشد العابدي، وحميد أحمد الطاير، وخالد عمر الخريجي، وشيخة سعيد الكعبي، وعائشة ابراهيم المري، وهلال محمد الكعبي أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، والدكتور عمر عبد الرحمن النعيمي الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي.
المصدر: وام