الدوحة– في لحظة دولية مشحونة بالتحولات الجيوسياسية والتوترات الاقتصادية وتفاقم الأزمات الإنسانية، يستعد منتدى الدوحة لإطلاق نسخة عام 2025، غدا السبت، التي تبدو وفقا لمراقبين الأكثر كثافة وعمقا منذ انطلاقه قبل أكثر من عقدين.

فبينما يشهد العالم حالة من انعدام اليقين وسباقا محموما على النفوذ والتكنولوجيا والموارد، يبرز هذا المنتدى بوصفه منصة للحوار متعدد الأطراف تحاول كسر الجمود الدولي وإنتاج حلول واقعية تتجاوز حدود الخطابات التقليدية.

ويأتي المنتدى هذا العام بعنوان "ترسيخ العدالة: من الوعود إلى الواقع الملموس" وهو شعار يعكس تحولا في طبيعة الأجندة العالمية من مستوى الطرح والنقاش إلى مستوى التطبيق والتنفيذ والاستجابة الفعلية للتحديات الآنية، من غزة إلى السودان، ومن أسواق التجارة العالمية إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي.

وينعقد المنتدى حاملا ملفات تتصدر النقاش الدولي، تشمل مستقبل التجارة العالمية، والتنافس التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، والعلاقات الأميركية الصينية، واضطرابات سلاسل الإمداد، إضافة إلى ملفات إنسانية وصحية ملحة وملف غزة وتحديات تمويل الصحة العالمية.

وتكتسب نسخة هذا العام خصوصية استثنائية، وفق مراقبين، لكونها تأتي بالتزامن مع تحولات اقتصادية حادة، أبرزها تباطؤ النمو العالمي، وتزايد النزعات الحمائية، واتساع فجوات التنمية، وتحول التكنولوجيا إلى محور تنافس جيواقتصادي محتدم بين القوى الكبرى.

خبير اقتصادي: #منتدى_الدوحة ينعقد في لحظة حاسمة تتطلب طرحا فعالا لملف التجارة#قنا #قطرhttps://t.co/76iiioVBm2 pic.twitter.com/nVUXxiLalH

— وكالة الأنباء القطرية (@QatarNewsAgency) December 4, 2025

شعار المنتدى

يرتبط شعار منتدى الدوحة بمهمة إعادة ضبط قواعد التجارة الدولية بحيث تصبح منصة للإنصاف العالمي، مع تمكين الدول النامية من الاندماج في سلاسل القيمة والحصول على التمويل والجاهزية الرقمية الذي يجب أن يكون جزءا من إصلاحات تجارية أوسع.

إعلان

ويتضمن برنامج المنتدى جلسات نقاشية معمقة حول الملفات الإقليمية الأكثر سخونة، بما يشمل:

جلسة خاصة حول غزة بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية. جلسات حول السودان واليمن. نقاشات مغلقة تركز على الاحتياجات الإنسانية بعد وقف إطلاق النار في غزة. ورش عمل حول التكنولوجيا التطبيقية مثل جلسة "الذكاء الاصطناعي والوساطة".

وأكدت المدير العام لمنتدى الدوحة مها الكواري أن نسخة 2025 ستكون واحدة من أبرز النسخ، مشيرة إلى أن عدد المشاركين تجاوز 6 آلاف مشارك من أكثر من 160 دولة، مع زيادة كبيرة في حضور وفود رسمية ووزراء خارجية وصناع سياسات رفيعي المستوى.

#فيديو | المدير العام لمنتدى الدوحة: #منتدى_الدوحة 2025 يوفر لقادة الرأي وصناع السياسات المشاركين منصة تتمتع بالحيادية والمصداقية لمعالجة القضايا الملحة وتعزيز التعاون الدولي#جريدة_الراية #قطر | pic.twitter.com/oXm3gQyCfu

— الراية القطرية (@alraya_n) December 3, 2025

محاور المنتدى

وتوضح مها الكواري -في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية (قنا)- أن المنتدى يركز هذا العام على 3 محاور:

السياسات: معالجة النزاعات والحكامة الهشة والضغوط المجتمعية. الدبلوماسية: توسيع نطاق المشاركة والاستفادة من القوة الناعمة للتقريب بين الدول. التنمية الإنسانية: قضايا التعليم والصحة وعدم المساواة، مع أولوية للكرامة الإنسانية.

وحسب مدير عام منتدى الدوحة فإنه سيعقد 125 جلسة، يشارك فيها 471 متحدثا، إضافة إلى نقاشات مغلقة تسمح بطرح صريح للحلول العملية.

وتقول إن المنتدى أثبت عبر سنوات حياديته ومصداقيته، مما يجعله مساحة يمكن أن تجمع حتى بين الدول ذات المواقف المتباعدة، وتشير إلى أن المنتدى يعتمد على اجتماعات ثنائية ولقاءات مغلقة وشراكات تمتد على مدار العام مع مؤسسات ومراكز أبحاث مع توسيع المشاركة الإقليمية من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

وترى أن إضافة أصوات من المجتمعات المتأثرة مباشرة بالسياسات المطروحة تعزز عمق النقاش والمصداقية.

منتدى الدوحة يشهد سنويا مشاركة دولية كبيرة (رويترز)سيناريو الانقسام

في ظل التحولات التقنية والسياسية والاقتصادية المتسارعة، يراهن منتدى الدوحة على القدرة على تحويل التحديات المشتركة إلى فرص تعاون تدريجي، لتجنب سيناريو انقسام العالم إلى كتل تجارية وتكنولوجية متصارعة.

كما يشدد المنتدى على أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وإصلاح التجارة العالمية، وتعزيز قدرة الدول على التكيف، أصبحت ضرورات وطنية للدول الراغبة في الحفاظ على حضورها في النظام الدولي الجديد.

وتبدو نسخة 2025 من منتدى الدوحة، وفقا لمراقبين، أكثر من مجرد منصة نقاش بل ساحة تجمع رؤساء دول ووزراء وصناع سياسات وخبراء من مختلف القارات، في محاولة لإعادة صياغة قواعد التعاون الدولي وسط نظام عالمي يعاد تشكيله بسرعة غير مسبوقة.

وبينما تتصاعد الأزمات من غزة إلى السودان، وتتعمق المنافسة في التكنولوجيا والتجارة، يراهن منتدى الدوحة على الحوار متعدد الأطراف لتقريب المواقف، وبناء الثقة، وتحويل الخطابات إلى خطوات عملية، في عالم يبحث عن توازن جديد وعدالة مفقودة.

إعلان

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات منتدى الدوحة

إقرأ أيضاً:

العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي

سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟

الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.

وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.

الاقتصاد كمشروع جماعي

تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.

في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.

وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.

وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.

خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد

يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".

ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.

أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.

ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.

أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.

نقد للنمو التقليدي

من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.

وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.

وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.

كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.

وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.

إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟

يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.

فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.

ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.

كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.

تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال

ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.

فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.

وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.

ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.

ما بعد منطق السوق

في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.

ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".

وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.

ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.

وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.

مقالات مشابهة

  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • السيسي يثمن جهود الدولة لمواجهة التحديات الناجمة عن الأزمات العالمية والإقليمية المتلاحقة
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى إقليمي للتعليم التقني بمشاركة 13 دولة متوسطية
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى للتعليم التقني لدول البحر المتوسط.. شراكات دولية لمهارات المستقبل
  • جناح سعودي ضخم في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي
  • وزارة السياحة تشارك في المعرض الدولي ITB China 2026 بالصين
  • وزارة السياحة والآثار تشارك في المعرض السياحي الدولي ITB China 2026 بالصين
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • وزارة التربية والتعليم تستعد لإطلاق منتدى التعليم التقني والمهني لدول البحر المتوسط
  • المؤتمر العلمي الدولي الثامن بجامعة العاصمة يناقش بناء شراكات مستدامة لدعم الاقتصاد الوطني